بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

لاريجاني يبلغ رسائله: "شيعة لبنان" خط أحمر

لاريجاني يبلغ رسائله: "شيعة لبنان" خط أحمر

ليبانون ديبايت" - عبدالله قمح

ينحو النقاش الداخلي إلى مزيد من التصعيد. فمنذ أن تجرأ مجلس الوزراء وإتخذ القرارين – العدوانيين – في 5 و7 آب، يتصرف فريق في لبنان وكأنه حقق انتصاراً يريد استثماره في السياسة وخارج السياسة. ولا يجد حرجاً في شنّ حرب إعلامية تطاول طائفة بأكملها، أو في التلويح بـ”الشارع” و”الحرب الأهلية” ورفع الناس على المشانق، لمجرد شعوره بأن القرارين قد يكونان غير قابلين للتنفيذ. هذا ما يفعله نواب “القوات” مثلاً عبر خطاب مرتفع السقف. في الموازاة، يحرّم هذا الفريق على الطرف الآخر، المستهدف عملياً، إعتماد خطاب مماثل (علماً أنه لم يفعل ذلك بعد)، حتى ولو كان الهدف تحذيري ولمجرد التلويح لا التنفيذ، علّ أصحاب الرؤوس الحامية يهدأون قليلاً.

وإذا دققنا في ما جرى خلال الجلستين الشهيرتين، لفهمنا الطريقة الجديدة التي تُدار بها الأمور داخل مجلس الوزراء. فلم يعد لجدول الأعمال، الذي يُفترض أن يعدّه مدير عام رئاسة الجمهورية وأمين عام مجلس الوزراء، أي قيمة. ولم يعد للوزير أي إطار يمارس من خلاله حريته وإستقلاليته السياسيتين. بل بات الأمر يعود إلى الأمير يزيد بن فرحان في تقرير البنود “السياسية” التي يجب أن تناقش. وهو مثلاً لم ينفك طيلة الجلستين في 5 و7 آب، وما قبلهما وما بعدهما، عن التدخل عبر هواتف الوزراء من خلال إطلاق العنان لتطبيق “واتساب”، واستطلاع ما يجري داخل الجلسة، ثم استخدام المعطيات المتجمعة لديه في توجيه موقف رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يعيش حالياً “ليلة قدر” بفضل ارتفاع قيمته السوقية مقارنة مع تلك التي لدى رئيس الجمهورية جوزاف عون. الأخير، ومنذ جلسة 5 آب، يحاول اللحاق بمواقف سلام، بعدما كان في بداية عهده يفرض عليه الالتحاق به.

الجلسات أظهرت بوضوح أننا أمام “حكومة احتلال” لا حكومة لبنانية كاملة الأوصاف. حكومة يحتلها موفدون أجانب وتدار بالتنسيق بينهم، وبعون تقدمه قوى سياسية داخلية كانت تقول إنها خارج الحكومة، فإذا بها منخرطة فيها بقوة، تمارس وصاية مباشرة على الوزراء وحتى على رئيس الحكومة. فكما يمارس بن فرحان وظيفة المراقبة والتدخل عبر “واتساب”، كذلك تفعل معراب التي خصصت “إدارة مدنية” لتوجيه مواقف بعض الوزراء بإشراف جعجع شخصياً، حيث يعقد اجتماعات موازية أثناء انعقاد مجلس الوزراء، ويتلقى محاضر الجلسة لحظة بلحظة عبر “واتساب”، وعلى إثرها يصدر توجيهاته للوزراء، ولا سيما الوزير يوسف رجي. حتى أن أحد الوزراء اقترح على رئيس الحكومة توزير سمير جعجع مباشرة!

في “حكومة الاحتلال” هذه، يُعطى من لا يملك حق الاطلاع والإشراف، حق الإطلاع والإشراف، ويُسمح بتدخل خارجي "لحظوي" في عمل الحكومة، ويفرض على جدول أعمالها “ورقة” أميركية شكلاً، سعودية – أميركية مضموناً، ويُطلب إقرارها كما هي من دون تعديلات أو ضمانات، مع تغييب أي اعتبار لموقف دولتين منخرطتين في الملف: إسرائيل وسوريا. كما يُستَعدى مكوّن أساسي، ويُهدّد بتجاوزه ويتم التعامل معه كأنه غير موجود. ويستأنف رئيس الجمهورية الجلسات رغم انسحاب وزراء هذا المكون، في خرق فاضح لبنود إتفاق الطائف ولاتفاق آخر كان جمعهما قبل أيام، وكأن لا رادع أو حدّ أدنى من الحياء. علماً أن ما يُمارس اليوم لم يُمارس حتى ابان عهد الوصاية السورية، حيث كان هناك حدّ أدنى من الاحترام.

بهذه الأساليب، تولّد شعور عميق بأن هناك طائفة مستهدفة. والاعتقاد السائد عند خصومها أنها فقدت قوتها، بل فقدت “الضلع الحامي” لها أو قوة الدولة الراعية، فساد الإعتقاد بأنها طائفة منزوعـة السند. وبالتالي لم يعد ثمة ما يلزم الآخرين بالتعاطي معها ضمن وزن معين. فلا مشكلة، برأي هؤلاء، إن غضب الرئيس نبيه بري من استئناف الجلسات بغياب المكوّن الشيعي. القاعدة لديهم أنه، ما دام لا توجد “دولة راعية”، فإن بري سيعود صاغراً أو سيرضخ حفاظاً على الحد الأدنى من مكتسبات الطائفة. وهذه الفكرة بالذات زرعها مستشار أحمق وتافه في رأس الرئيس.

كل ما سبق استدعى زيارة إيرانية رفيعة المستوى في لحظة بلغت المواجهة ظروف غير مسبوق. لم يقع الاختيار على أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، مستشار المرشد السيد علي الخامنئي، علي لاريجاني، من فراغ. فقد اختير لمكانته في طهران، ولأنه يعرف كيف يوصل التحذيرات في اللحظات الحساسة بشيء يجمع بين الحزم واللياقة الدبلوماسية، ويجيد الجمع بين الهدوء والحدّة في آن. وقد كان لاريجاني في أثناء وجوده ببيروت “يذبح بالقطنة”.