كُرسِيُّ الشِّعر...!
تَعَوَّدَ كلَّ صباحٍ من يومِ الأحد، أن يرتادَ مقهى أبي حمزة عزَّام، في مخيم النَّهرِ البارد. وهناكَ يجلسُ على كُرسيَّهِ الذي باتَ يُعرفُ بينَ أصحابِهِ ومُرتادي المقهى بِ" كرسيّ الشِّعر". فصاحبُنا مع تناولِهِ الرَّشفةَ الأولى من فنجانِ قهوتِهِ، يفتحُ صفحةً في جَوَّاله مُخَصَّصَةً لتدوينِ ما يخطرُ في نبضِهِ ورُوعِهِ من أشعارٍ وأفكار...، وهكذا باتَ ذاكَ الوَصفُ مُلازماً لحضُورِهِ إلى المقهى، وجُلوسِهِ على تلك الكُرسيّ.
واليوم، ومع الذَّكرى السَّابعة عشرة لنكبة مخيم النَّهر البارد ومن قبلُ الذَّكرى السَّادسة والسَّبعين لنكبةِ فلسطين، جلسَ صاحبُنا متذكِّراً ذاك اليومَ الحزين، وتلك النَّكبةَ التي وصَّفَها والدُهُ-رحمه الله تعالى- بقوله لهُ: واللهِ يا بُنَيَّ هي أصعبُ وأشدُّ وقعاً وصعقاً من نكبةِ الثَّماني والأربعين!.
ومع هذه المناسبةِ الوجيعةِ، وبعيداً عن تفاصيلها وأبعادِها السِّياسيَّةِ الخانقةِ والمُخيفةِ بما تمثِّلُ وتحملُ من بواعثَ مُرَكَّبةٍ في المجالسِ والغُرفِ الأمنيَّةِ والاستخباراتيَّةِ السَّوداء، جلسَ صاحبُنا وقلبُهُ يُعتَصَرُ مقتاً، ألمَاً، ووجعاً سيزيفيَّاً رهيباً ومهولاً، وقال:
وسنعلو فوقَ النَّكباتِ
وسنقطفُ فجرَ السَّمَوَاتِ
ويعودُ لنا عِزٌّ يَرقَى
كبُراقٍ يمحُو الآهاتِ
وتعودُ فلسطينٌ نَشْوَى
بالنَّصرِ سِرَاجَاً للآتي
ويُحَلِّقُ في غزَّةَ مَجْدَاً
في القُدسِ عَرِينَ المِيقَاتِ
في النَّهرِ البَّاردِ تِرْياقاً
وكتاباً فيهِ جِرَاحَاتِي
وسنعلو في رَكْبِ الدُّنيا
وغُيُوثاً من بَوْحِ فُرَاتِ
ونؤنسِنُ إنكيدو أُخرى
بذكاءِ يُشبِهُ " شَمخاتِ"
فتغيبُ وُحُوشٌ ضَارِيةٌ
ويُداسُ "النِّتنُ" بآياتِي
ونعودُ نُجُوماً وشُمُوسَاً
ونُزِيلُ سَوادَ العَتْمَاتِ
فتُنيرُ الأرضُ بطلعَتِنَا
ونعودُ بُذُورَ السَّاداتِ
وتعودُ الفاطمةُ الجَفْرَا
زيتونةَ أرضِ الخَيْرَاتِ
والأفْقَ السَّاطِعَ في شَمَمٍ
قدْ أسقطَ أحفادَ "اللَّاتِ"
وَسَمَا ريَّانَا مِطْرابَاً
وَعُقَاباً خيرَ الرَّاياتِ!
*****
ثٌمَّ يعودُ صاحبُنا دامجاً بين أحلامِهِ وآلآمه، وتغمرُ قلبَهُ ورؤاهُ تلكَ المُسَيِّجةُ قلبَهُ بالحُبِّ والأمانِ والطُّمأنينةِ، فيخاطبُها بَوَلَعٍ مِشْفافٍ، ومُترَعٍ بالشَّوقِ والحنين: ها أنذا أقرأ أمامي جيِّداً، فأراكِ تَمُرِّينَ قُبالَتي، تنظرينَ من نافذةِ سيَّارتِكِ الأميرةِ البيضاءِ، فترينني مُشتَعِلاً بحرفي وجُرحي وبوحي، وتتمنَّينَ لو كنتُ رأيتُكِ...، وأنا بدوري لم أكنْ بعيداً عنكِ، بل مُنْغَمِسَاً في رحلة ذَوَبَاني إليكِ، وقائماً حارساً لذاكرةِ المُخيَّمِ التي أرادوها ذبيحةً قبل سبع عشرة سنة من الألم والدُّوارِ وما يُشبهُ التِّيه...!.
ها أنذا، مُسترسِلٌ فيكِ عِشقاً ووجداً وحنيناً بطعمِ التُّوتِ والوردِ والكرز، وأحبو إليكِ في صباحاتي وأُموسي، وأرسمُ وجهَكِ في تفاصيلي ونُسْغِي على هيئةِ العُودِ والبَخُور، كي أشتَمَّكِ كثيراً، وأبقى طائراً في مَدَارِكِ العَذوبِ كقطُوفِ الشَّهدِ السِّدريِّ، فألمحُكِ في دمي كُريَّةً حمراءَ تنفحُ قلبيَ بالحياةِ والهواء، وأخرى بيضاءَ تدفعُ عَنِّي الجراثيمَ والأعداء، وترسمُ سبيلي إلى عينيكِ وشَعرِكِ محفوفةً بالخُزامى وإياتِ اللَّافندرِ والورودِ والبيلسان...!.
ها أنذا بينَ يديكِ قبضةٌ نديَّةٌ من ورقِ الغار، وأمامَ عينيكِ مدىً، وقبسٌ من الأنوار، وعن جانبيكِ الحارسُ الياسمينيُّ المغوار...!.
ها أنذا يا فاطمتي، أتوقُ إليكِ مدىً آخرَ مُغَرِّداً كالأخضرِ الشَّامخِ في الجرمقِ والكرملِ وحَرَمُون، ويحلو لي أن أستحضرَ الغابةَ السَّوداءَ، فكأنَّا نقطفُ من هوانا الجُمَّيزَ والتِّين، ونطيرُ كنَوارسِ الأزرقِ في القلمون، ونرسمُ خارطةً للبحرِ فنصلُ النَّهرَ الباردَ بعكَّا وحيفا ويافا، ثُمَّ نقتاتُ معاً أطيبَ الأكلاتِ الشعبيَّةِ المُعَشِّشةِ في الذاكرة، فيغدو صحنُ "المُجَدَّرة" وحبَّةُ البندورة، ورغيفُ الخبز، ألذَّ الطعامِ في ذاكرة الحُبِّ والبحرِ والمخيَّم...!.
ها أنذا، أتذكَّرُ رسالةَ المُخيَّمِ، وأتذكَّرُ أعاصيرَ النِّيرانِ وبراميلَ الفُجُورِ، وكيفَ غدا المخيمُ أشلاءً ودماراً من دمٍ يُلَطِّخُ الحَارَاتِ والزَّواريب...، كما أتذكَّرُ وأشاهدُ الآياتِ السَّوامقَ في غزَّةَ وجباليا ورفح، والآياتِ الأُخرى البليغةَ في جنينَ وجبلِ النَّار...!.
ها أنذا يا حبيبتي، أراكِ الآنَ الآنَ أمامي،
تُحضرينَ لي فنجاناً من قهوتِكِ الأصيلة،
وتُباركينَ بيمُناكَ هالةَ الأبيضِ في شَعري وفوقَ هامتي،
وكأنَّكِ تَضُخِّينَ الدِّمَ في قلبي وعُروقي،
والمِدادَ في يَرَاعتي ووتيني،
فأفيضُ صارخاً ملءَ دمي وحِبري وحَنجرتي:
لن يسقطَ المخيم،
لن تصَّاعدَ حُبُوبُ الهَلوسةِ ومضغوطاتُ الكبتاغون،
سينتصرُ المخيم،
لأنَّ غزَّةَ،
ورفحَ،
وفلسطينَ،
صاعداتٌ في مَراقي الانتصار...!.
مَروان مُحمَّد الخطيب
20/5/2024م
