القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يتضمن قرار العفو الرئاسي عن تنفيذ باقي مدة العقوبة لبعض المحكوم عليهم بمناسبة الاحتفال بذكرى عيد الشرطة وثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، أي من السياسيين وسجناء قضايا الرأي.
ونشرت الجريدة الرسمية قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي رقم 13 لسنة 2026 بشأن العفو عن تنفيذ باقي مدة العقوبة.
ونص قرار السيسي على: يعفى عن باقي العقوبة السالبة للحرية لبعض المحكوم عليهم بمناسبة الاحتفال بعيد الشرطة وثورة 25 يناير، بالنسبة إلى المحكوم عليهم بالسجن المؤبد إذا كانت المدة المنفذة حتى 25 يناير/ كانون الأول الجاري، خمس عشرة سنة ميلادية، على أن يوضع المفرج عنهم تحت مراقبة الشرطة لمدة خمس سنوات طبقا للفقرة الثانية من المادة (75) من قانون العقوبات.
مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان، انتقدت عدم تضمن تدابير العفو المحكوم عليهم في قضايا الرأي أو القضايا ذات الطابع السياسي، على الرغم من اتساع دائرة هذه القضايا، واستمرار احتجاز أعداد كبيرة من المتهمين على خلفية ممارسة حقوقهم السلمية المكفولة دستوريًا.
وأكدت في تعليقها على القرار أن الغالبية العظمى من هذه القضايا شابتها انتهاكات جسيمة لمعايير المحاكمة العادلة، حيث اعتمدت التحقيقات على تحريات أمنية غير مدعومة بأدلة مادية، واتهامات فضفاضة، وإجراءات استثنائية أفضت إلى محاكمات تفتقر لضمانات العدالة والاستقلال.
ولفتت إلى أن استمرار استبعاد سجناء الرأي من نطاق قرارات العفو يكرّس واقعًا قانونيًا تمييزيًا، ويُبقي على استخدام الحبس والعقوبة كأداة للردع السياسي، في مخالفة صريحة للدستور المصري والتزامات الدولة الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وجددت دعوتها إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين بسبب آرائهم أو نشاطهم السلمي، ومراجعة القضايا السياسية بما يضمن إنصاف الضحايا، ووقف توظيف منظومة العدالة الجنائية خارج إطارها القانوني الطبيعي.
في السياق، عقد عقدت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي في مصر، مؤتمرا صحافيا طالبت فيه بالإفراج عن كل سجناء الرأي وعرض آخر التطورات بشأن تسليم المذكرة للنائب العام.
وكانت اللجنة سلمت مذكرة للنائب العام المصري للمطالبة بالإفراج عن جميع سجناء الرأي، خاصة الذين مضى على حبسهم احتياطيًا أكثر من عامين، وهي أقصى مدة للحبس الاحتياطي طبقًا للقانون.
وحملت المذكرة توقيع رؤساء الأحزاب، وشخصيات عامة، وأسر السجناء، والمحامين والحقوقيين والصحافيين من أعضاء اللجنة وغيرهم.
وتتواصل أزمة المعتقلين في مصر، في وقت تقول منظمات حقوقية إن عددهم بالآلاف، بينما تنفي الحكومة المصرية وجود معتقلين، وتؤكد أن كافة الموجودين في السجناء محتجزون على ذمة قضايا جنائية.
ويمثل الإهمال الطبي والتدوير على قضايا جديدة أبرز الانتقادات التي تواجهها الحكومة المصرية في هذا الملف.
الإهمال الطبي
«أصبحتُ مصابًا بشللٍ رباعي، جميع فقرات العمود الفقري تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل»، بهذه الكلمات الصادمة، تحدث المحامي أحمد نظير الحلو، أمام محكمة الجنايات المنعقدة في مجمع محاكم بدر.
وحسب محامين حضروا الجلسة، بدا الأستاذ الحلو منهكًا تمامًا، غير قادر على الحركة، متكئًا على اثنين من الحراس. وبعد إلحاح شديد من زملائه المحامين القائمين بالدفاع عنه، سمحت له المحكمة بالخروج من القفص والمثول أمامها، حيث ألقى كلمات موجعة عبّر فيها عن تدهور حالته الصحية والنفسية بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحبس غير المبرر.
وأكد أن حالته وصلت إلى الإصابة بشلل رباعي، وأن جميع فقرات العمود الفقري تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل، موجّهًا الشكر لكل من تذكّره من زملائه الحاضرين، في مشهد إنساني بالغ القسوة.
وكانت أسرة الحلو تقدمت بعدة بلاغات رسمية للمطالبة بعلاجه وإنقاذه من التدهور المتسارع في حالته الصحية، إلا أن جميع هذه البلاغات قوبلت بعدم التلبية السريعة مما تسبب في تأخر حالته الصحية.
ويعاني الحلو من مشكلات خطيرة في الغضروف، وقرحة مزمنة في المعدة، إلى جانب مضاعفات صحية أخرى ناتجة عن ظروف الحبس المطوّل والرعاية الطبية المتردية.
وفي 4 ديسمبر/ كانون الأول 2014، قررت نيابة أمن الدولة العليا إحالة الحلو إلى المحاكمة أمام دوائر محكمة الجنايات المنعقدة بمجمع محاكم بدر (دوائر الإرهاب).
وتعود وقائع القضية إلى 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، حين ألقت قوات الأمن الوطني في القاهرة القبض على الحلو من أمام منزله في منطقة التجمع الخامس، عقب عودته من عمله. وظل محتجزًا قسرًا لمدة أسبوع داخل مقار الأمن الوطني، في ظل إنكار تام لمكان احتجازه، بينما حاولت أسرته الاستعلام عنه وقدّمت بلاغات عديدة تفيد باعتقاله تعسفيًا وإخفائه قسرًا.
وفي 13 نوفمبر 2022، ظهر الحلو أمام نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 1940 لسنة 2022 حصر أمن دولة عليا، ووجهت إليه اتهامات ببث ونشر وإذاعة أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والانضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها والترويج لها.
وعلى مدار عامين كاملين، جرى تجديد حبسه احتياطيًا بشكل دوري، دون مبررات قانونية حقيقية، رغم كونه محاميًا معروفًا، في إطار ما وصفه حقوقيون بالتنكيل المتعمد والعقاب خارج إطار القانون. ويأتي اعتقال أحمد الحلو، عضو نقابة المحامين المصرية، ضمن حملة أمنية واسعة طالت مئات المواطنين والنشطاء، على خلفية رفضهم للأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية، تزامنًا مع دعوات التظاهر في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022.
سجن بدر
إلى ذلك، دخلت الاحتجاجات سجن بدر 3 أسبوعها الثالث، بعد لجوء المعتقلين إلى حجب الكاميرات داخل الزنازين والاستمرار في الطرق على الأبواب وترديد الهتافات، احتجاجًا على الوفيات المتكررة الناتجة عن الإهمال الطبي المتعمد. وحسب مركز «الشهاب لحقوق الإنسان»، شهد عام 2025 وحده نحو 8 حالات وفاة داخل سجن بدر 3، بينها 5 حالات خلال آخر خمسة أشهر فقط، وجميعها ترتبط بأنماط متكررة من الإهمال الطبي.
ونقل المركز استغاثة من السجناء، تحدثوا فيها عن أنماط الإهمال الممنهج التي يواجهونها، ومنها تشخيصات خاطئة وصرف علاجات غير مناسبة، وتأخير متعمد في تقديم العلاج ومنع المرضى من الوصول إلى العيادات أو المستشفيات المختصة، ورعاية صحية شكلية. وحسب الإغاثة، يعاني المعتقلون من تقييد صارم للرعاية الصحية، إذ يُسمح بالنزول إلى العيادات يومًا واحدًا فقط أسبوعيًا، حتى في الحالات الحرجة، وعند تدهور الحالة، يتم التأخير المتعمد بذريعة الترحيل أو انتظار «موافقات أمنية».
وتشير الشهادات إلى أن الأطباء العاملين بالسجن يعتمدون على بروتوكولات علاج قديمة وتشخيص شفهي، ما يؤدي إلى أخطاء جسيمة، رغم وجود معتقلين من الأطباء وأساتذة كليات الطب داخل السجن.
في الوقت نفسه أعلنت سناء عبد الجواد، زوجة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين محمد البلتاجي، انقطاع أخبار زوجها منذ عدة أشهر، محذرة من أوضاع وصفتها بـ«الإنسانية القاسية» داخل سجن بدر ـ قطاع 3.
وقالت عبد الجواد، في منشور عبر حسابها الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي، إن أسرتها «لا تعلم أي شيء عن حالة محمد البلتاجي منذ أشهر»، مشيرة إلى أن آخر ما وصلهم هو أنه تم إبعاده إلى مكان احتجاز منفرد وبعيد، قبل أن يعلموا لاحقاً بنقله إلى مستشفى السجن، دون تقديم أي معلومات رسمية عن حالته الصحية أو أسباب وجوده هناك.
وأضافت أن ما يحدث داخل سجن بدر 3 لا يقتصر على حالة زوجها فقط، بل يمتد إلى تكرار حالات وفاة بين المحتجزين، وازدياد الإصابة بالأمراض الخطيرة وعلى رأسها السرطان، فضلاً عن معاناة واسعة من البرد الشديد، بعد سحب الأغطية والملابس الثقيلة من النزلاء.
وأكدت عبد الجواد أن أغلب المحتجزين في هذا القطاع هم من كبار السن والمرضى، معتبرة أن حرمانهم من وسائل التدفئة والرعاية الصحية يمثل «قسوة غير مبررة وانتهاكا صارخا لأبسط معايير الإنسانية خلف الأسوار».
وتساءلت في منشورها: «أي قسوة هذه؟ وأي إنسانية تُنتهك داخل السجون؟»، قبل أن تختتم رسالتها بتأكيدها أن «الظلم لا يدوم»، وأن ما يجري «مرصود ومعلوم»، على حد تعبيرها. وفق مركز الشهاب لحقوق الإنسان، ما يحدث داخل سجن بدر 3، يهدد حياة مئات المعتقلين، ويُعد انتهاكًا صارخًا للحق في الحياة والرعاية الصحية، ويرقى إلى مستوى الإهمال الطبي الجسيم الممنهج.
وطالب المركز بفتح تحقيق مستقل وفوري في وقائع الوفيات والإهمال الطبي، وتمكين المعتقلين من رعاية صحية كاملة دون قيود تعسفية، ونقل الحالات الحرجة فورًا إلى مستشفيات جامعية مستقلة، ووقف الأطباء المتورطين عن العمل لحين انتهاء التحقيق، والسماح بزيارات طبية وحقوقية مستقلة للسجن، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الإهمال أو إساءة المعاملة.
