ليبانون ديبايت"- محمد علوش
تقول مصادر قريبة من حزب الله إنّ ما يجري اليوم في لبنان تحوّل إلى مسار ضاغط ومفتوح على احتمالات خطرة، عنوانه فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تحت ضغط خارجي مباشر، وبمساعدة أدوات داخلية مستعدّة لتقديم تنازلات بلا أي مقابل. فكل المقاربات الوطنية الهادئة التي قام بها الحزب، بحسب هذه المصادر، للوصول إلى حد أدنى من التفاهم الداخلي، قد تضيع في المرحلة المقبلة، بسبب إصرار البعض على القفز فوق التفاهمات والتوجّه نحو خيارات أحادية على حساب الاستقرار الداخلي. فهل يدقّ حزب الله ناقوس الخطر داخلياً؟
ترى المصادر، عبر “ليبانون ديبايت”، أنّ أخطر ما في المرحلة الراهنة هو التعامل مع ملف سلاح المقاومة بوصفه بنداً تقنياً يمكن حسمه بقرارات حكومية، في تجاهل كامل للسياق الذي نشأ فيه هذا السلاح، وللتضحيات التي دُفعت ثمناً لاتفاق وقف إطلاق النار، وللوقائع الميدانية التي لا تزال قائمة جنوباً. فالدولة، وفق هذا المنطق، تقدّم عملياً هدية مجانية لإسرائيل، التي لم تنسحب، ولم توقف اعتداءاتها، ولم تُحرّر الأسرى، ولم تتخلَّ عن أطماعها التوسّعية. وهذا هو الأهم، وهو ما غاب عن ذكره رئيس الجمهورية في سياق مقاربته لملف السلاح والاحتلال الإسرائيلي والتفاوض القائم.
وكان لافتاً موقف نائب رئيس المكتب السياسي في حزب الله محمود قماطي حول اهتزاز الاستقرار الداخلي والتوجّه نحو الفوضى، وهو ما تراه المصادر بمثابة إنذار أطلقه الحزب للداخل قبل الخارج. إذ تلفت المصادر إلى أنّ الحديث المتصاعد عن حصر السلاح شمال الليطاني، قبل إنجاز أي من الشروط الوطنية البديهية، لا يُقرأ إلا كتمهيد لفوضى داخلية، لأنّه يمسّ جوهر الصراع مع العدو، ويحوّل الجيش اللبناني من مؤسسة وطنية مهمتها الدفاع عن البلاد، إلى أداة يُراد لها أن تطمئن إسرائيل وتؤمّن لها حدودها. وهذا، برأي الحزب، خط أحمر لن يقبل به لا الجيش ولا المقاومة، لأن هذا التوجّه يُشجّع إسرائيل على المزيد من العدوان، طالما أنّ الموقف الداخلي متقبّل له.
وبعد كلام وزير الخارجية يوسف رجي وتبريره لإسرائيل عدوانها على لبنان، وتشويه اتفاق وقف إطلاق النار، سيتّجه حزب الله إلى التصعيد بوجه الحكومة والفريق القواتي فيها. وفي هذا الإطار، تميّز المصادر بين فريق داخل السلطة يجهل حقيقة المشروع الإسرائيلي في لبنان والمنطقة، وبين فريق آخر أكثر خطورة، يدرك تماماً أبعاد المخطّط الأميركي ـ الإسرائيلي، لكنه يختار الانخراط فيه لأسباب سياسية وشخصية، ولو أدّى ذلك إلى زعزعة الكيان اللبناني من أساسه. وتؤكّد أنّ هذا المسار، إذا استمر، لن يقود إلى استقرار ولا إلى دولة قوية، بل إلى انقسام حاد، وربما إلى انفجار داخلي لا يريده أحد.
أما عن سؤال المواجهة، فتقول المصادر إنّ حزب الله لا يبحث عنها، ولا يريد جرّ البلد إليها، لكنه في الوقت نفسه لا يتعامل مع الضغوط المتصاعدة بوصفها قابلة للاحتواء إلى ما لا نهاية. الحزب، بحسب هذه القراءة، يراهن أولاً على وعي الجيش وقيادته، وعلى إدراكها أنّ الزجّ بالمؤسسة العسكرية في مواجهة مع شعبها هو وصفة أكيدة للانهيار، كما يراهن على أنّ التوازن الداخلي الهش لا يحتمل مغامرات سياسية تُفرض من الخارج، ولا قرارات أحادية تمسّ السلم الأهلي.
وتربط المصادر بين الضغوط على لبنان وما يجري على مستوى الإقليم، ولا سيما التهديدات المتصاعدة ضد إيران. فالحزب ينظر إلى أي حرب على إيران بوصفها حدثاً زلزالياً لن تبقى ارتداداته داخل إيران نفسها، لأن حرباً من هذا النوع، إن وقعت، وهو ما ليس معلوماً بعد إن كانت ستقع أو كيف سيكون شكلها، ستعيد خلط الأوراق في المنطقة كلها، وستزيد منسوب الضغط على الجميع، بمن فيهم لبنان. ومن هنا، ترى هذه المصادر أنّ تسريع ملف حصر السلاح، في هذا التوقيت تحديداً، ليس معزولاً عن محاولة تحييد لبنان مسبقاً عمّا يجري وتركه ساحة مستباحة أمام إسرائيل التي تُحضّر لمواجهة إقليمية كبرى.
وفي ما يخصّ كيفية المواجهة، تؤكّد المصادر أنّ الحزب لا يزال يضع الحوار في مقدّمة خياراته، ويعتبر أنّ التوصّل إلى استراتيجية دفاعية وطنية هو المدخل الوحيد الحقيقي لحماية لبنان، لا استهداف سلاح المقاومة بمعزل عن بقية عوامل القوة والضعف في الدولة. لكنها تحذّر، في الوقت نفسه، من أنّ تجاهل هذا الخيار والاستمرار في فرض الوقائع سيدفع البلاد نحو انعدام الاستقرار، وربما إلى سيناريوهات أكثر سوداوية.
