الحياة في أوروبا وأميركا: بين الدعم الحقيقي والمظاهر الكاذبة
لا يزال كثير من الناس في بلادنا يعتقدون أن أي شخص يعيش في أوروبا أو أميركا هو إنسان “ناجح”، مرتاح، وقد حقق كل أحلامه. وعند زيارة هذا الشخص لوطنه الأصلي، تبدأ المقارنات فورًا: الملابس الماركات، الصور، المطاعم، السيارات… ويصدر الحكم بسرعة. لكن الحقيقة أن هذه الصورة أغلبها مظاهر فارغة، ولا تعكس الواقع اليومي للغربة.
الحياة في الخارج صعبة، لكن الفرق الكبير بين أوروبا وأميركا يكمن في دور الدولة.
في معظم دول أوروبا، تقدم الدولة دعمًا واضحًا للناس، مثل التأمين الصحي، والمساعدات الاجتماعية، وتعويض البطالة، والتعليم شبه المجاني، ودعم العائلات. أي شخص يمر بظرف صعب يجد نظامًا واقفًا إلى جانبه. ليس رفاهية، بل أمان. لهذا يعيش كثير من الناس في أوروبا حياة “مستورة”، ليسوا أغنياء، لكنهم يعيشون بدون خوف دائم من الغد.
لكن هذا الدعم له ثمن؛ فالضرائب مرتفعة، والرواتب أحيانًا لا تكفي للترف، بل لتأمين حياة كريمة. لذلك، من يرى شخصًا من أوروبا يظهر بمظاهر فاخرة، غالبًا ما تكون هذه المظاهر محسوبة من المصروف الأساسي، وليست دليلًا على حياة ملكية. أوروبا تمنح الاستقرار، لا الثروة بالضرورة.
أما أميركا، فالقصة مختلفة تمامًا.
فأميركا بلد رأسمالي بامتياز؛ الدولة لا تقدم دعمًا كبيرًا، وإنما يعتمد الفرد على نفسه. إذا اجتهد وعمل بجد وطور نفسه أو أنشأ مشروعًا ناجحًا، هناك فرص حقيقية لتحقيق نجاح كبير. ولكن في المقابل، إذا تعثر، فلا أحد يتدخل لمساعدته. التأمين الصحي غالي، الإيجارات مرتفعة، وكل شيء محسوب على الفرد.
في أميركا، لا قيمة للمظاهر؛ فالمجتمع لا يهتم بالملابس أو الماركات، بل يقيم الإنسان بإنجازاته وجهده. فقد ترى مليونيرًا يرتدي تيشيرت عادي أو أحذية بسيطة، وقد ترى شخصًا يرتدي أفخم الماركات وهو غارق بالديون.
وقد أصبح مشهدًا متكررًا ومملًا: شخص يعيش في أوروبا أو أميركا يعود لزيارة بلده الأصلي، ويبدأ فجأة في استعراض نفسه وكأنّه وصل قمة النجاح، بالملابس الماركات والكلام المتعالي والتصرفات المتفاخرة. والناس، للأسف، تنبهر وتصدق.
لكن الحقيقة أن أغلب هذه الزيارات مؤقتة؛ فالشخص يعيش في الخارج حياة مليئة بالعمل والضغط والوحدة، ويظل “معلقًا” بين بلدين. ما يُعرض من صور ومظاهر لا يحكي عن التعب النفسي، ولا عن شعور الغربة المستمر، ولا عن تحديات الحياة اليومية.
لذلك، لا ينبغي أن تنخدع المظاهر؛ فاللباس ليس دليل نجاح، والسفر ليس دليل راحة. أوروبا تقدم دعمًا مع حياة محدودة، وأميركا تقدم فرصًا مع مخاطر عالية. والنجاح الحقيقي ليس في إبهار الناس، بل في أن تعيش حياة كريمة، مرتاحًا نفسيًا، ومتصالحًا مع واقعك. و كلنا رأينا و ما زلنا نرى ظاهرة الأهالي في مجتمعاتنا بتزويج بناتهم لشباب مسافرين، معتبرين السفر بحد ذاته علامة تميّز ونجاح حتى وإن كان الشاب فاشل، او يتعاطى الممنوعات أو يعمل بها، ويظهر وكأنه يمتلك المال بينما الواقع مختلف. وغالبًا ما يتجاهل الأهالي السؤال عن شخصيته أو التحقق من حقيقته، مكتفين كونه في بلاد الاغتراب، وكأن السفر وحده يمنح الشاب قيمة إضافية تجعل الزواج منه مرغوبًا. في النهاية، لكل شخص قصته، ولكل بلد ثمنه، ولكن ما هو مؤكد أن المظاهر تخدع دائمًا، والحقيقة أعمق بكثير من صورة أو زيارة قصيرة. *رأي_أسماء*
