في قلب مدينة غزة المثقلة بالجراح، وفي أروقة “مجمع الشفاء الطبي” الذي صار مرآة مفتوحة للفقد الفلسطيني، كُتبت الفصول الأخيرة من حكاية شهداء الإبادة المفرج عنهم من قبل الاحتلال. هنا، عند بوابة “الإدارة العامة للطب الشرعي”، لا تبدأ الجنازات، بل تبدأ الأسئلة الثقيلة: من عاد؟ ومن ما زال غائبًا؟ ومن تحوّل إلى رقم بلا اسم، أو أشلاء بلا ملامح.
على عتبات المجمع، تقف سيارات الصليب الأحمر ببياضها البارد، فيما تتبادل الطواقم الدولية والمحلية نظرات مقتضبة لا تحتاج إلى ترجمة. الهدوء الظاهري يخفي خلفه صخبًا داخليًا؛ صخب قلوب تنتظر خبرًا قد يطفئ نارًا أو يزيدها اشتعالًا. شاحنات التبريد المصطفة ليست مجرد وسائل نقل، بل صارت رموزًا لرحلة قاسية بين الاحتجاز والمجهول.

في الساحة الأمامية، يتجمع أهالي المفقودين. رجال ونساء، شيوخ وأمهات، يحملون صورًا ذاب حبرها من كثرة المسح بالدموع. بعضهم تحرك فور سماعه بوجود عملية تسليم، دون أن يعرف إن كان اسمه سيُستدعى أم سيعود أدراجه مثقلًا بخيبة جديدة. هنا، يصبح الانتظار طقسًا يوميًا، وتتحول الساعات إلى أعوام.
داخل المبنى، حيث الضوء خافت ورائحة المعقمات تختلط برائحة الفقد، تُفتح الأكياس البيضاء تباعًا. أكياس بلاستيكية تحمل بقايا أجساد غيّبها الاحتلال لشهور، ثم أعادها بلا هوية واضحة. على كل كيس رقم، وعلى بعض الأكياس قصاصة ورقية تحمل وصفًا باردًا: “هيكل عظمي غير مكتمل”، “بقايا عظام”، “جثمان متحلل”.

أمام شاشات الطب الشرعي، يجلس الأهالي في مواجهة صور قاسية. عملية “التعرّف البصري” لا تمنح اليقين بقدر ما تعمّق الجرح. يبحثون في العظام عن أثر يعرفونه: سن مكسور، كسر قديم، قطعة قماش عالقة. كل تفصيلة تتحول إلى خيط أمل هش، سرعان ما ينقطع.
وفي الخارج، تستمر الحركة الصامتة. طواقم الصليب الأحمر تغادر بعد التسليم، فيما يبقى الأهالي عالقين بين سؤالين: هل عاد الغائب فعلًا؟ أم أن الغموض سيُدفن معه في قبر بلا اسم؟ إنها عودة أخيرة، لكنها لا تشبه العودة، بل تشبه امتحانًا قاسيًا للكرامة الإنسانية.

عظام بلا ملامح
وصلت إلى “مجمع الشفاء الطبي” في مدينة غزة دفعة جديدة من جثامين الشهداء، بلغت 15 جثمانًا، جرى تسليمها من الجانب الإسرائيلي عبر “اللجنة الدولية للصليب الأحمر”، في إطار الترتيبات الإنسانية المرتبطة بوقف إطلاق النار.
واستقبلت الطواقم المختصة الجثامين داخل قسم الطب الشرعي، وسط إجراءات توثيق أولية وبحضور ممثلين عن الجهات الرسمية. وجاءت هذه الدفعة ضمن سلسلة عمليات تسليم متقطعة، في ظل غياب أي معلومات واضحة حول هويات الشهداء أو مصير بقية الجثامين المحتجزة.

أمام “مجمع الشفاء”، وقفت ريم علي اللوح (36 عامًا) بين الحشود، ينتابها شعور بالوحدة. جاءت محاولة التعرّف على جثمان شقيقها، لكنها خرجت أكثر ضياعًا. تقول بصوت متكسر إن ما رأته لا يمكن لعقل أن يستوعبه؛ عظام بلا ملامح، أجساد بلا ملابس، وأمل يُطلب منها أن تصنعه من فراغ.
تشرح ريم أن الجهات تطلب من الأهالي التعرّف على الشهداء من بقايا الملابس أو العلامات الخارجية، لكن ما وصل لا يحمل شيئًا من ذلك. “كيف يُطلب منا أن نصدّق أن هذا هو أخي؟” تسأل، وتؤكد أن ما يُعرض عليهم لا يمنح يقينًا، بل يفتح أبواب الشك على مصراعيها.
بالنسبة لها، تتحول عملية الدفن الجماعي إلى جرح إضافي. ترى أن دفن الجثامين دون هوية لا يطفئ نار الانتظار، بل يمددها.
تقول لـ”القدس العربي”: “نحن لا نريد طقوسًا شكلية، نريد معرفة حقيقية”، مطالبة بفحوصات علمية تليق بحجم الفاجعة.
ريم تتحدث عن شعور بالخذلان؛ خذلان من العالم الذي يتحرك بكل ثقله من أجل معرفة مصير فرد إسرائيلي، بينما تُترك آلاف العائلات الفلسطينية في العتمة. ترى أن الكرامة لا تُجزأ، وأن الشهيد يستحق اسمًا وقبرًا معروفًا.
وتضيف، وهي تغالب دموعها، أن حالتها النفسية تدهورت منذ فقدان عائلتها، وأن ما رأته داخل الطب الشرعي فاق قدرتها على الاحتمال. “المنظر مرعب”، تصف، مؤكدة أن هذه التجربة سترافقها ككابوس طويل، ما لم تُعرف الحقيقة كاملة.

وساطة إنسانية
من جانبها، تقول أماني النعوق، المتحدثة باسم “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” في قطاع غزة، إن اللجنة سهّلت تسليم خمسة عشر جثمانًا فلسطينيًا من الجانب الإسرائيلي، جرى نقلها وتسليمها رسميًا إلى سلطات الطب الشرعي في قطاع غزة، في إطار الجهود الإنسانية المرتبطة بتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار. وتوضح أن هذه العملية جاءت بعد أشهر من العمل المتواصل، بهدف إنهاء معاناة عائلات ظلت تنتظر معرفة مصير أبنائها.
وتشير النعوق إلى أنه منذ انطلاق عمليات النقل في تشرين الأول / أكتوبر من العام المنصرم، قامت “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” بتسهيل نقل عشرين إسرائيليًا كانوا محتجزين في قطاع غزة على قيد الحياة، إضافة إلى ألف وثمانمائة وثمانية معتقلين فلسطينيين، كما استكملت دورها في إعادة جثامين سبعة وعشرين إسرائيليًا، وثلاثمائة وستين جثمانًا فلسطينيًا، في سياق مهام إنسانية معقدة نُفذت في ظروف استثنائية.
وتؤكد لـ”القدس العربي” أن اللجنة اضطلعت بهذه المهام بصفتها وسيطًا إنسانيًا محايدًا، وبناءً على طلب الأطراف المعنية وموافقتها، مشددة على أن الهدف من إعادة الجثامين يتمثل في تمكين العائلات من ممارسة حقها الإنساني في الحداد، وإنهاء حالة الانتظار القاسي التي يعيشها أهالي المفقودين.
وتلفت النعوق الانتباه إلى أن تنفيذ هذه العمليات جرى ضمن إطار اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن استمرار الاتفاق بعد هذه المرحلة يُعد ضرورة إنسانية ملحّة، ليس فقط لاستكمال الملفات العالقة، بل أيضًا لضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني في جميع الأوقات.
وتختتم بالقول إن هذه الدفعة تمثل نهاية عمليات نقل الجثامين التي نفذتها اللجنة منذ تشرين الأول / أكتوبر 2025، لكنها تشدد على أن المعاناة الإنسانية في غزة ما زالت تتطلب تحركًا دوليًا أوسع.

توثيق ناقص
الدكتور معين الوحيدي، رئيس اللجنة الخاصة باستقبال وانتشال جثامين الشهداء، يؤكد أن الدفعة الأخيرة التي وصلت عبر الصليب الأحمر بلغت خمسة عشر جثمانًا، ليرتفع العدد الإجمالي منذ تشرين الأول / أكتوبر إلى نحو 360 جثمانًا.
يشرح أن الجهات العدلية، ممثلة بالطب الشرعي والأدلة الجنائية، بدأت فورًا بتطبيق بروتوكولات التوثيق والاستعراف، في محاولة لاستخلاص أي دلائل تساعد في التعرف على الهويات.
ويؤكد لـ”القدس العربي” أن الجثامين وصلت في حالة معقدة بسبب طول مدة الاحتجاز، مشيرًا إلى الاعتماد على وسائل تقليدية في التعرف على الجثامين، مثل الصور والمعاينات البصرية.
غير أن الوحيدي يقر بوجود تحديات كبيرة، أبرزها غياب إمكانيات الفحص المتقدم، مثل تحاليل الحمض النووي، ما يجعل عملية التعرف محدودة ومرهقة للأهالي.
ويضيف أنه في حال تعذر التعرف على الجثمان، تُطبق بروتوكولات الجثامين المجهولة، ويتم دفنها بما يحفظ كرامتها، في انتظار أي معلومات مستقبلية قد تظهر.
ويختتم بالتأكيد على أن اللجنة لا تملك معلومات حول أعداد الجثامين المحتجزة لدى الاحتلال، أو ما إذا كان هناك دفعات قادمة من الشهداء، ما يبقي حالة الانتظار مفتوحة على المجهول.

تيه الانتظار
أدت عشوائية الاحتلال في إدارة ملف الشهداء والمفقودين من قطاع غزة، إلى جانب تعنته في حجب المعلومات ورفض الإفصاح عن مصير المحتجزين لديه، إلى دفع مئات العائلات الفلسطينية في رحلات بحث لا تنتهي عن أبنائها.
ومع كل دفعة جثامين تصل إلى القطاع، تتجدد حالة الانتظار القاسي، دون إجابات حاسمة أو بيانات رسمية واضحة. وهكذا تتحول معاناة الفقد إلى مسار مفتوح من الشك والألم، يتوارثه الأهالي بين المقابر والمشافي ومقرات الطب الشرعي.
أم شادي البلبيسي لم تعد تميّز بين الأيام. منذ تسعة أشهر، فقدت زوجها وابنها الوحيد في حي الشجاعية. خرجا من منطقة النزوح لجلب بعض الملابس من منزلهما شمال القطاع، ولم يعودا. ومنذ ذلك اليوم، تحولت حياتها إلى رحلة بحث لا تنتهي.
تقول إنها هرعت إلى كل جهة ممكنة، وأبلغت الصليب الأحمر، وراجعت المؤسسات، لكنها لم تتلقَّ أي معلومة. ومع كل إعلان عن وصول جثامين، تجد نفسها تركض من جديد، مدفوعة بأمل يتآكل.
تروي لـ”القدس العربي” كيف ذهبت بنفسها إلى منطقة فقدانهما، رافعة راية بيضاء، محاولة أن تُظهر للجنود أنها أم تبحث عن أسرتها، لكنها عادت خالية الوفاض. ومنذ ذلك الحين، يتناوب عليها اليأس والصبر.
تتساءل بحزن: هل ستقضي عمرها كله في البحث بين الجثامين؟ وكيف ستربي بناتها الثلاث وحدها، وهي لا تعرف مصير زوجها وابنها؟ بالنسبة لها، المعرفة حق إنساني قبل أن تكون مطلبًا عاطفيًا.
توجه أم شادي رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، تطالبه بالضغط لمعرفة مصير المفقودين. تؤكد أن الأهالي لا يطلبون المستحيل، بل حقًا أساسيًا في المعرفة، دون أن يغامروا بحياتهم في مناطق الخطر: “أريد فقط أن أعرف.. هل هم أحياء أم أموات أم معتقلين”.
ورغم كل شيء، تصر على الاستمرار. تقول إنها لن تيأس، وستبقى تبحث حتى آخر يوم في عمرها، متقبلة ما يكتبه الله، لكنها رافضة للاستسلام.

سرقة أعضاء
بعد تسلم جثامين الشهداء الغزيين عبر القنوات الرسمية، كشف محمد أبو سلمية، مدير “مجمع الشفاء الطبي”، عن فصل جديد بالغ القسوة من فصول التعامل مع الجثامين الفلسطينية، جرى بعيدًا عن أي صفقات أو ترتيبات معلنة. ويوضح أن قوات الاحتلال ألقت، في الخامس من شباط / فبراير 2026، شحنة ضخمة من الأشلاء والجثامين في قطاع غزة، دون أي معلومات أو بيانات مرافقة.
ويشير أبو سلمية إلى أن الشحنة ضمت عشرات الأكياس التي احتوت على جماجم منفصلة، وعظام بشرية، ورفات متحللة، بدا أن بعضها نُبش من مقابر قديمة، فيما وُجدت بين الجثامين جثامين لنساء، وشهيدان حديثا الاستشهاد ما زالت ملامحهما واضحة، إضافة إلى جثمان فتى لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.
ويضيف لـ”القدس العربي” أن بعض الأكياس احتوت على أعضاء بشرية مختلطة تعود لأكثر من جثمان، ما عقد بشكل كبير عمل الطواقم الطبية والشرعية، وعمّق من معاناة العائلات التي تنتظر أي خيط يقودها إلى معرفة مصير أبنائها.
الأخطر، بحسب أبو سلمية، أن الفحوصات الأولية أظهرت وجود آثار قص بأدوات طبية على عدد من الجماجم، إلى جانب علامات عمليات جراحية واضحة على بعض الأجساد، ما يثير تساؤلات خطيرة حول احتمالات التلاعب بالجثامين أو سرقة أعضاء بشرية، وهي شبهات لم يتسن بعد التحقق منها بشكل قاطع، لكنها تستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا.
ويرى مدير “مجمع الشفاء الطبي” أن ما جرى يمثل تصعيدًا في سياسة امتهان الجسد الفلسطيني، لا تقتصر على القتل فقط، بل تمتد إلى ما بعد الموت، في انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية ولأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، متسائلًا عن حجم الإهانة التي يُطلب من الفلسطينيين احتمالها قبل أن يعترف العالم بحجم الجريمة الواقعة على الإنسان الفلسطيني حيًا وميتًا.



