يشهد قطاع غزة حالة من الخوف والترقب في ظل تصاعد التوترات الإقليمية عقب إندلاع المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وما تبعها من تهديدات واحتمالات اتساع رقعة المواجهة، ومن تطورات انعكست بشكل مباشر على الحياة اليومية لسكان القطاع، الذين سارعوا إلى تخزين المواد الغذائية والسلع الأساسية خشية تدهور الأوضاع.
وشهدت الأسواق المحلية في مدن عدة من قطاع غزة ازدحاما غير مسبوق، حيث ازدحمت المخابز والمحال التموينية بأعداد هائلة من المواطنين، فيما ارتفع الطلب على الدقيق، والأرز، والسكر، والزيوت، والمعلبات، إضافة إلى المياه المعدنية ومواد التعقيم والعديد من المواد الغذائية.
لا ينفصل هذا السلوك عن التجارب السابقة التي عاشها سكان القطاع خلال جولات التصعيد المتكررة مع إسرائيل، حيث اعتاد الأهالي على فترات من القصف المكثف، وانقطاع الكهرباء وصعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية، لذلك يرى كثيرون أن التخزين خطوة احترازية في واقع أمني هش، كما أن الحصار المفروض منذ سنوات، جعل مسألة توفر السلع مرتبطة بالوضع الأمني والسياسي، ما يعزز الشعور بعدم اليقين كلما تصاعدت التوترات في المنطقة.
وفي مدينة غزة، شهدت المولات التجارية تزاحما وإقبالا كبيرا من المواطنين خوفا من مجاعة. ويقول أبو أحمد صاحب مركز تجاري في مدينة غزة، إن حركة البيع تضاعفت خلال ساعات قليلة، موضحا أن كثيرا من العائلات باتت تشتري كميات تكفي لأسابيع، تحسبا لإغلاق المعابر أو تعطل سلاسل التوريد، هذا الإقبال الكثيف أدى إلى نقص مؤقت في بعض السلع، وأثار مخاوف من ارتفاع الأسعار إذا استمر التوتر وأغلق الاحتلال المعابر مع غزة.
ويضيف لـ«القدس العربي»، أن هناك كميات كبيرة من البضائع حاليا داخل غزة ولا داعي إلى الهلع والخوف، خاصة وأن المعابر مع غزة لا تزال مفتوحة، وتدخل كميات البضائع بشكل منتظم من دون أي تغييرات على حركة المعابر، كما أن المستودعات التجارية ممتلئة بالبضائع التي تكفي لأسابيع وربما لأشهر.
ودعا كافة التجار إلى تهدئة الأوضاع، وعدم استغلال حاجة السكان ورفع الأسعار، خاصة وأن سكان غزة لم يتعافوا بعد من تداعيات المجاعة التي تعرضوا لها، وراح ضحيتها المئات من الأطفال وكبار السن والشبان الذين كانوا يخاطرون بأنفسهم للحصول على الطحين.
وانتشرت عناصر الشرطة في مختلف مناطق قطاع غزة، في ظل حالة الهلع ومحاولة بعض التجار استغلال الأوضاع ورفع الأسعار، حيث يشتكي مواطنون من غلاء حاد في أسعار العديد من السلع الأساسية كالطحين، والسكر، وزيت الطعام، عدا عن إغلاق عدد من التجار في غزة مستودعات البضائع لبيعها لاحقا بأسعار مرتفعة.
ويربط محللون بين الضربات الأخيرة والتخوف من انخراط أطراف إقليمية أخرى في الصراع، وهو ما قد ينعكس على غزة، وحالة القلق الشعبي تعكس هشاشة الوضع الإنساني والاقتصادي في القطاع، فالعديد من العائلات بدأت أيضا في تجهيز حقائب طوارئ، تحتوي على وثائق رسمية وأدوية وملابس أساسية تحسبا لأي تطورات مفاجئة.
ويقول الخبير في الشأن الإسرائيلي شريف السيد الأوضاع في غزة هادئة ولا داعي للقلق، لكن خوف المواطنين من تجارب الحرب والمجاعة السابقة، ومحاولة التجار استغلال الظروف الحالية ورفع الأسعار، زاد من إرباك الجبهة الداخلية، ورفع من مستوى التوتر بين المواطنين، الذين سارعوا لتخزين المواد الغذائية الأساسية.
ولفت إلى أن المشكلة بالنسبة للغزيين تكمن في اعتمادهم على الاحتلال الإسرائيلي في إدخال البضائع والأدوية والوقود وكافة السلع والبضائع، التي تأتي من دول العالم إلى موانئ الاحتلال ومن ثم إلى غزة، والخوف هنا من توقف حركة العمل في موانئ الاحتلال إذا تصاعدت الضربات الإيرانية، بالتالي ينعكس ذلك سلبا على الأوضاع المعيشية والإنسانية في غزة.
ويضيف لـ «القدس العربي»أن على المواطنين أخذ كل درجات الحذر، وتأمين أنفسهم من المواد الغذائية تحسبا من تصاعد الهجمات وتوقف حركة التجارة في الشرق الأوسط، خاصة وأن المنطقة تشهد إرباكا كبيرا في حركة الملاحة، بسبب كثافة الهجمات وصواريخ الاعتراض التي تطلق من دول عدة، لذلك يجب أن تكون هناك عمليات ردع لكل من يحاول إثارة الفوضى في غزة، وتوفير البضائع بكميات كبيرة وعدم السماح بتخزينها من قبل التجار.
في مقابل ذلك، دعت شبكة المنظمات الأهلية وعدد من المؤسسات الحقوقية والإنسانية في غزة، إلى ضرورة تحييد المدنيين عن أي تصعيد محتمل، وضمان استمرار تدفق المساعدات والسلع الأساسية إلى القطاع، لتفادي تفاقم الأزمة الإنسانية، كما شددت على أهمية استقرار الأسواق ومنع الاحتكار أو استغلال الظروف لرفع الأسعار، داعين الجهات الحكومية العاملة في غزة إلى التعامل بقوة ضد كل من يحاول إثارة الخوف والهلع بين المواطنين، والتخفيف من معاناتهم في ظل ما يواجهونه من أوضاع صعبة، إثر الحرب الممتدة على مدار ثلاثة أعوام.
ويعيش سكان قطاع غزة أوضاعا معيشية صعبة، في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتضرر البنية التحتية ومع كل تصعيد إقليمي تتجدد المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع، يكون المدنيون أول المتضررين منها. وبينما يترقب الأهالي ما ستسفر عنه التطورات السياسية والعسكرية يبقى المشهد في غزة مشحونا بالقلق، وتبقى رفوف المتاجر وشوارع الأسواق شاهدة على حالة ترقب ثقيلة، يعيشها أكثر من مليوني إنسان ينتظرون انفراجا طال أمده.

