قد يكون مفهوما أن تسعى طهران لتجاوب ما مع فرصة مفاوضات أخيرة تجمعها بواشنطن، ربما على سبيل تبرئة الذمة أمام النفس، وبذل جهد دبلوماسي مضاف لمحاولة تجنب الضربة الأمريكية «الإسرائيلية» المقررة حتما، لكن إيران تعرف ربما قبل وبعد غيرها، أن الأماني بالخصوص تظل معلقة في الهواء، وأن الحقائق تظل سارية إلى غاياتها، وأن حشدا عسكريا هائلا، كالذي تواصله واشنطن بالقرب من إيران، كل هذه الطاقة الحربية الفوارة بالنيران، لابد لها من تفريغ في ميدان، ولو افترضنا ـ جدلا ـ أن تقدما ما حدث في قضية البرنامج النووي الإيراني، على ما يشاع، فلن يكون ذلك كافيا لتجنب الحرب، خصوصا مع سقوط أوراق التوت الذابلة عن وجه الحملة الأمريكية الحالية ضد إيران.
ادعى الأمريكيون في البداية، أنهم ذاهبون لنصرة المتظاهرين ضد قمع السلطة الإيرانية الحاكمة، ثم اختفت هذه القصة تماما من أحاديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا يغلق فمه، بعد أن قال إن النظام الإيراني توقف تماما عن إعدام المعارضين، وقفزت إلى السطح المسائل القديمة الجديدة، وأولها مسح وجود البرنامج النووي الإيراني، وليس فقط وقف تخصيب اليورانيوم إلى حد التصفير، وتسليم مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين في المئة، ثم الحد من البرنامج الصاروخى الإيراني، وربما تسليم وتدمير الصواريخ الباليستية، التي يطول مداها كيان الاحتلال «الإسرائيلي»، ثم التوقف عن أي دعم، أو تواصل مع الجماعات العربية الحليفة لإيران، وأهمها جماعة «الحوثيين» في اليمن، وجماعة «حزب الله» في لبنان وجماعات ولائية في العراق، إضافة لجماعات المقاومة الفلسطينية طبعا، وكلها ـ كما ترى ـ مطالب تعجيزية، قد يعني مجرد بحثها، أو القبول بعناوينها في أي تفاوض، أن النظام الإيراني قرر أن ينتحر طوعا تجنبا لخطر النحر الحربي.
النظام الإيراني، رغم مآزقه السياسية والاقتصادية، لا يريد من التفاوض إلا تفكيك الضغوط الخارجية والإقليمية بالذات، وكسب وقت للاستعداد الحربي، وهو عين ما يفعله الأمريكيون والإسرائيليون معهم
وربما لا يتوقع عاقل أن تمضى أي مفاوضات إلى غاياتها الأمريكية «الإسرائيلية» المعلنة، فالنظام الإيراني، رغم مآزقه السياسية والاقتصادية بالذات، لا يريد من قصص التفاوض إلا تفكيك الضغوط الخارجية والإقليمية بالذات، وربما كسبٌ أكثر لوقت الاستعداد الحربي، وهو عين ما يفعله الأمريكيون و»الإسرائيليون» معهم، وربما تكون هذه هي نقطة الاتفاق الضمنية الوحيدة في المشهد المنظور، و»إسرائيل» هى القوة المحركة الأساسية لخطط واشنطن، ليس فقط بنوعية وكثافة التحركات العسكرية «الإسرائيلية» الذاهبة إلى واشنطن، التي شملت قادة جيش الاحتلال، وأجهزة مخابراته، والسعي لاستثمار حماقات ترامب وميوله الاستعراضية، ودفع البنتاغون، لجلب نحو نصف إجمالى قواته وغواصاته وصواريخه ومدمراته وحاملات طائراته إلى المنطقة، وبهدف مزدوج، هو حماية كيان الاحتلال من ضربات إيرانية واردة، وتوجيه ضربة أمريكية مزلزلة إلى إيران، وبدعوى أولوية استئصال النظام الإيراني، وهو هدف يبدو أكبر من قدرات الأمريكيين و»الإسرائيليين» معا في هذه اللحظة بالذات، فقد لا يكون من جدال في امتياز القوة الأمريكية عالميا، وفي قدرتها على التحطيم والتدمير، وتنفيذ تكتيكات الصدمة والرعب، لكن هذا كله يبدو بغير نتيجة مؤكدة في إسقاط النظام، حتى لو جرى ـ جدلا ـ اغتيال علي خامنئي القائد الأعلى للنظام الإيراني الحالي، أو شن عمليات «كوماندوز» خاطفة استنادا لشبكة واسعة من العملاء المسلحين في الداخل الإيرانى.
والنظام الإيراني في هذه اللحظة بين واحد من مصيرين، إما أن يتجاوب مع الإملاءات الأمريكية «الإسرائيلية»، وينزع كامل سلاحه بالتفاوض، وهو ما يبدو مستبعدا، فوق كونه متناقضا مع طبيعة النظام نفسه، التي تدفعه إلى تفضيل خيار المواجهة الحربية على إهانة وإذلال التفاوض العبثي المطروح، وهو ما تذهب إليه الأمور فعليا، إن لم تكن ذهبت من زمن، تواترت فيه عمليات التحرش العنيف، على طريقة إسقاط طائرة «إف ـ 35 « أمريكية لطائرة مسيرة إيرانية، قال الإيرانيون أن الاتصال انقطع بها بينما كانت في رحلة مراقبة واستطلاع للأساطيل وحاملة الطائرات الأمريكية «إبراهام لينكولن» في عرض البحر، وجرت قبلها سلسلة انفجارات غامضة في عدد من المواقع والمدن الإيرانية، مع حوادث اقتراب زوارق إيرانية من سفن أمريكية عند مدخل الخليج، وكلها إشارات صغيرة تومئ للحرب الأوسع، التي قد يكون أخطر ما فيها جويا، محاولة أمريكا و»إسرائيل» فرض سيادة مطلقة على الأجواء الإيرانية، وعلى طريقة ما جرى في مفتتح حرب يونيو 2025 ذات الاثني عشر يوما، التي استفاقت فيها إيران سريعا بعد صدمة اغتيالات الجنرالات والعلماء، ونفذت ردا متقنا مؤثرا، أوجع كيان الاحتلال بالضربات الصاروخية الكبرى، ودفع ترامب وقتها بعد تنفيذ عمليته «مطرقة منتصف الليل» إلى التجاوب مع طلب «إسرائيلي» عاجل بوقف إطلاق النار، وهو ما يسعى الأمريكيون و»الإسرائيليون» إلى توقيه هذه المرة، عبر توفير حماية دفاعية أشمل للكيان، بحاملة الطائرات الأمريكية «روزفلت» في البحر المتوسط، وبزاد أوسع من بطاريات صواريخ «باتريوت» و»ثاد» على الأرض، أو على مدمرات قرب ميناء «إيلات»، وقد جرت مؤخرا مناورة بحرية لافتة بين الجيش الأمريكي وجيش الكيان، إضافة لتزويد الكيان بصفقة أسلحة مستعجلة، تصل قيمتها إلى نحو 7 مليارات دولار.
وفى المقابل، سعت إيران إلى مزيد من تحصين الأجواء، عبر إمدادات صينية عاجلة من الرادارات وصواريخ الدفاع الجوي، إضافة إلى إمدادات روسية من الوسائل الجوية عموما، فوق الاستفادة من دروس الحرب السابقة، وإدخال نظم تشويش واتصالات أحدث، وإحكام إخفاء وتوزيع منصات الصواريخ على خرائط جديدة، والمزج المحسوب بين عقائد الدفاع وأساليب الهجوم، فقد يكون للطرف الأمريكي «الإسرائيلي» غلبة ظاهرة في طاقة نيران الميدان، لكن فوارق التحمل تبدو ظاهرة لصالح إيران، والحرب في جملتها ربما تكون حربا غير متناظرة، خصوصا إذا تحولت إلى صدام إقليمي مفتوح، تدخل فيه جماعات التحالف الإيراني على نحو جدي أوسع، وقد أعلنت جماعة «الحوثي» رسميا، أنها ستدخل الحرب مناصرة لإيران، ربما على نحو أكثر قطعية مما أعلنه «حزب الله»، وجماعة «الحوثي» ـ أيا ما كان الرأي في سياستها اليمنية الداخلية، أثبتت تفوقا عسكريا في شن الهجمات الصاروخية على الكيان، وفي مواجهات البحر مع الأمريكيين وحاملات طائراتهم، واضطرت إدارة جو بايدن ومن بعدها إدارة ترامب، إلى وقف القصف الأعمى للأراضي اليمنية، في حين لم يتوقف «الحوثي» عن قصف «إسرائيل» حتى إعلان وقف إطلاق النار في غزة، الذي انخفضت بعده معدلات حرب الإبادة الجماعية في غزة، لكنها لم تتوقف أبدا، بل زادت وتيرتها مؤخرا، وبلغ عدد الشهداء الجدد في غزة إلى نحو الستمئة غالبهم من النساء والأطفال، وهو ما يجري مثله وأعنف في لبنان، رغم إعلان وقف النار قبل «غزة» بعام وأكثر، والهدف المعلن للأمريكيين و»الإسرائيليين» في لبنان كما في فلسطين، هو نزع سلاح المقاومة كليا، تماما كما يطالبون الآن بنزع سلاح إيران السند الوحيد لجماعات المقاومة في المنطقة.
وقد لا يكون من معنى لإجراء مقارنات نوعية، أو كمية بين ما يملكه الحلف الأمريكي «الإسرائيلي» من سلاح وتكنولوجيا حربية ومخابراتية، وما يحوزه الحلف الإيراني وجماعاته، حتى مع احتساب الدعم الصيني والروسي المحسوس أكثر هذه المرة، فالكفة راجحة بما لا يقاس لحساب العدو الأمريكي «الإسرائيلي»، لكن النتائج لا تبدو مؤكدة لصالحه بالضرورة، والنظام الإيراني لن يسقط غالبا، ليس فقط بسبب تخوف ـ ربما ذعر ـ الأمريكيين و»الإسرائيليين» من خوض حرب برية ممتدة في الداخل الإيراني، بل أيضا بسبب الطبيعة غير المتناظرة للحرب نفسها، تماما كما جرى عليه الأمر في جولات سابقة، أعلن فيها الأمريكيون و»الإسرائيليون» عن فوز ساحق، لكن حقائق الميدان عادت لتؤكد نفسها، فقد أفرط العدو الأمريكي «الإسرائيلي» في القتل والتدمير والإبادة، لكنه لم يحقق أبدا نصرا حاسما مطلقا، ولم يصل أبدا إلى الأهداف التي رسمها، وها هو يحاول من جديد، ربما لإدراكه المستعاد أن الحروب غير منتهية، وأن حلف المقاومة يعيد بناء ذاته رغم الظروف الدولية والإقليمية المعاكسة، ويستأنف الصدام الحربي، بينما لا يدرك العدو طبيعة الحروب الاستشهادية الساعية لاكتساب ما تيسر من التكنولوجيا الحربية المضافة، فبوسعها دائما أن تنهض من رماد، وأن تتحدى طغيان السلاح والتكنولوجيا، وأن تقاوم بما تملك من حق وتصميم عليه، ولست خبيرا عسكريا ولا أدعىي، وإن كنت أدعي أن إيران لن تسقط هذه المرة أيضا ولا جماعات المقاومة الحليفة، ومهما بلغت الحرب من ضراوة وتدمير ورعب وحرائق الجحيم.

عبدالحليم قنديل
كاتب مصري

