تؤكد باحثة إسرائيلية في كلية علم الإجرام في جامعة حيفا، دكتور إيلات ماعوز، أن وصف تنظيمات المجرمين الفاعلة داخل البلدات العربية ليست “عصابات إجرام” بل “عصابات مافيا” قامت ونشأت بتشجيع السلطات الإسرائيلية لتحقيق عدة أطماع.
وجاءت أقوال ماعوز ضمن مؤتمر نظّمته جامعة تل أبيب بمشاركة عدد من الباحثين العرب واليهود حول استشراء الجريمة في الشارع العربي. وتابعت ماعوز: “تتداخل في عصابات المافيا عدة جهات إسرائيلية ومحلية منها ما يرتبط بالحكم المحلي وجهات اقتصادية- سياسية. كذلك سلطات الشرطة والشاباك التي تفضّل هذا الرئيس أو ذاك من رؤساء السلطات المحلية العربية حتى لو كان متداخلا مع المافيا طالما أنه يخدم سياساتها ويبقى متعلقا بها ويمنع المظاهرات في مدينته وهي تقول له: تعاون معنا وإلا نفضح تورطك ونجرّمك. هذا ليس تفكيرا تواطئيا، بل هذا واقع موجود. هكذا تعمل المنظومة. ومنذ سنوات دخلت فيها المافيا الإجرامية وهي لا تعمل لوحدها ولو كانت تعمل لوحدها وهي المشكلة الوحيدة، لكان سهلا دحرها، بيد أنه من الصعب تصفيتها لأنها تخدم مصالح جهات كثيرة: الهوامش الاجتماعية، والشباب دون العمل، وفئات تريد التقدم نحو السوق والموارد وتصطدم بجدار العنصرية الإسرائيلية، وكذلك الدولة وجهات في المركز اليهودي تستثمر ذلك، وفي هذه المنطقة بين المركز والهامش تولد المافيا. هناك مصالح وهناك ببساطة اقتصاد سياسي تستفيد منه إسرائيل”.
ويتقاطع قول ماعوز مع ما قاله المفتش السابق للشرطة الإسرائيلية يعقوب شبتاي في مداخلته ضمن المؤتمر، بأن السلطات الإسرائيلية تصادر مليارات من هذه العصابات التي تراكم أرباحا خرافية عبر الأتاوات والترهيب وتبييض الأموال وغيرها.
إسرائيل قادرة ولا تريد
في المؤتمر، أكد عضو الكنيست يوآف سغالوفيتش في محاضرته أن إسرائيل تستطيع تصفية عصابات الإجرام في الشارع العربي كما فعلت في المدن اليهودية في الماضي لو توفرت الرغبة بذلك، منوهّا أن حكومة نتنياهو وبن غفير حكومة عنصرية قومية لا تريد الخير للمواطنين العرب.
وتابع سغالوفيتش: “كل مواطن يرى ويدرك أن الدولة مفقودة وليست صدفة”. من جهته أكد البروفيسور رائف زريق في كلمته خلال المؤتمر أن غياب الدولة هنا ليس صدفة، مشددا على أن الواقع يقول إن هناك “سياسات غياب” لا غياب سياسات”، بمعنى أن إسرائيل تعمل عمدا لتدمير المجتمع العربي الفلسطيني بإطلاق الجريمة، نافيا “عقلية أو ثقافة” عنف عربية متجذرة.
كما قال زريق إن سلطات الاحتلال تسعى للتحكم بالفلسطينيين داخل الضفة الغربية بعدة وسائل منها استغلال السلطة الفلسطينية، وهنا تفعل ذلك من خلال عصابات إجرام للسيطرة على فلسطينيي الداخل والتحكم بهم.
بخلاف مواقف أوساط إسرائيلية رسمية وغير رسمية واسعة، تؤكد معلقة إسرائيلية أن جرائم القتل المتصاعدة داخل الشارع العربي في إسرائيل لا تنّم عن “عقلية” أو “ثقافة” عربية، بل هي نتيجة لسياسات حكوماتها المتعاقبة التي تشجّع عصابات الإجرام.
سياسات إسرائيلية
وتؤكد المعلقة الصحافية الإسرائيلية ميراف بطيطو في مقال تنشره صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن استفحال الجريمة داخل المجتمع العربي لا ينم عن “عقلية عربية” كما يحلو لتوجهات سطحية وعنصرية، بل هي نتاج سياسات إسرائيلية عنصرية. وتوضح بطيطو أنه منذ 1948 وحتى 2009، كان عدد جرائم القتل في صفوف اليهود أكبر منها في الجانب العربي، مشددة على أن المعادلة قد انقلبت منذ 2010 غداة عودة نتنياهو للحكم، وهو من طرفه لم يصدر تعليمات لعصابات الإجرام بتوسيع دائرة إجرامها، لكنه قاد عملية صرف النظر عنها، وبالتالي هذا يعني تأييدها عمدا ولغايات معروفة.
قبل ذلك، كان رئيس تحالف الجبهة/ التغيير، النائب أيمن عودة، قد كشف عن دراسة أعدها مكتبه قبل أيام تبيّن ذات الأرقام والنتائج متهما حكومة إسرائيل المتعاقبة بالتواطؤ على المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل من خلال إشعال النار من داخل البيت، مذكّرا بأن نتنياهو طالما كان يرى بالمواطنين العرب في إسرائيل عدوا له، لاسيما أنهم نجحوا بإسقاطه من الحكم رغم أنه يتمتع بأغلبية نسبية في الجانب اليهودي، مما يدفعه دوما للتحريض عليهم ونزع الشرعية عن مواطنتهم.
في سياق متصل، تستعد الفعاليات السياسية للمزيد من فعاليات الاحتجاج على تواطؤ الحكومة الإسرائيلية مع عصابات الإجرام خلال شهر رمضان، وسط دعوات لزيادة الحراكات الاجتماعية والتربوية للحد من ظاهرة العنف المستشري إلى جانب الجريمة.
وكان يوم الاثنين قد شهد مقتل رجل من مدينة طمرة العربية بعد أيام من مقتل جارته برصاصة وهي داخل بيتها، وذلك على خلفية نزاع أولاد في الحي. فيما قُتل رجل وولده في مدينة أم الفحم برصاص عصابة إجرام محلية وفق ما يؤكده أهالي المدينة.

