بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

نيويورك تايمز: افتراضات إدارة ترامب عن ضعف النظام الإيراني خاطئة.. فقد استعاد قوته بعد الهزيمة والاحتجاجات

نيويورك تايمز: افتراضات إدارة ترامب عن ضعف النظام الإيراني خاطئة.. فقد استعاد قوته بعد الهزيمة والاحتجاجات

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقال رأي شارك فيه كل من رويل مارك غريشت من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية وري تاكيه من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، قالا فيه إن من الخطأ أن يعول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ضعف إيران.

وأضافا أن الاحتجاجات الأخيرة التي عمت إيران في الشهر الماضي كانت المرة الأولى التي يواجه فيها النظام الحاكم انتفاضة بعد هزيمة حربية. فقد كشف قتل النخبة الحاكمة لآلاف المتظاهرين أن الهزيمة العسكرية لم تفض إلى الاستسلام.

ومع حشد قوة أمريكية كبيرة في المنطقة، تظهر الحقيقة المرة بأن النظام يبدو اليوم قويا وبنفس القدر من التحدي كما كان قبل الاضطرابات الأخيرة.

مع حشد قوة أمريكية كبيرة في المنطقة، تظهر الحقيقة المرة بأن النظام يبدو اليوم قويا وبنفس القدر من التحدي كما كان قبل الاضطرابات الأخيرة

وقالا إن النخبة الحاكمة تشرذمت بعد حرب الـ12 يوما التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة في حزيران/يونيو العام الماضي، وأدت إلى تدمير المنشآت النووية وقتل العديد من القيادات العسكرية وعلماء الذرة الإيرانيين. ولهذا تبنى النظام نهجا تصالحيا عندما اندلعت الاحتجاجات في نهاية كانون الأول/ديسمبر بسبب انهيار العملة.

ويعلق الكاتبان أن حكام إيران الحاليين نسوا، على ما يبدو، ديناميات ثورة 1979 التي أوصلتهم إلى السلطة بعد تصاعد الاحتجاجات ضد نظام شاه رضا بهلوي. عندها تصاعدت حدة الثورة عندما أيقن المتظاهرون أن الشاه ليس مستعدا لذبح شعبه، وكان خيار التظاهر بالنسبة للمتظاهرين آمنا. وعليه اشتدت حدة التظاهرات في كانون الثاني/يناير واجتاحت أجزاء واسعة من البلاد.

وعند هذه النقطة تجمع أركان النظام حول المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي سخر من الاحتجاجات. وفي 5 كانون الثاني/يناير، بدأ رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجي الهجوم قائلا: “لا تسامح مع مثيري الشغب، وهذه المرة لن يكون هناك أي تساهل”. ومن هنا تماسكت النخب التي تسيطر على الجيش والاقتصاد الإيراني، وشنت قوات الأمن هجوما. ووفقا لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، بلغ عدد القتلى 7,008 أشخاص، ووصل عدد المعتقلين حتى 13 شباط/فبراير إلى 53,344 معتقلا. ومن المرجح أن ترتفع هذه الأرقام مع إحصاء المزيد من القتلى، وظهور المزيد من المفقودين في السجون، وملاحقة أجهزة الأمن للمتظاهرين.

كما وسع النظام قائمة أهدافه، حيث اعتقل أعضاء من الجبهة الإصلاحية التي كانت تعتبر سابقا مقبولة، بمن فيهم رئيسة الجبهة آذر منصوري، رغم إطلاق سراحها لاحقا. وقد اتهمهم القضاء بـ”تنظيم وقيادة أنشطة واسعة النطاق تهدف إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي”. ولن يتسامح بعد الآن مع أي تذبذب في صفوف الشخصيات العامة.

وقد تكون إدارة ترامب توصلت، بعد حربها العام الماضي وتوسع دائرة الاحتجاجات الأخيرة في إيران، إلى حقيقة مفادها أن النظام ضعيف ولن يكون قادرا على التفاوض بقوة في الجولة الحالية. وانطلاقا من ميلها الدائم إلى استعراض القوة، نشرت إدارة البيت الأبيض قوة عسكرية ضخمة في المنطقة، وأعلنت أنها ستدرس خيار العمل العسكري في حال فشل المفاوضات.

إلا أن جولتين من المفاوضات في عمان وجنيف تدحضان فكرة خضوع إيران للترهيب، حيث انتهت الجولة الثانية يوم الثلاثاء بدون حديث أي من الجانبين عن إحراز تقدم واضح. وذكرت التقارير أن إيران قالت إنها ستقدم مقترحات أكثر تفصيلا خلال الأسبوعين المقبلين. فيما أصر وزير الخارجية ماركو روبيو في البداية على أن المحادثات، لكي تكون مثمرة، يجب أن تشمل البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، ودعم إيران للمنظمات المسلحة في المنطقة، و”معاملة الشعب الإيراني”.

حصرت طهران النقاشات في القضية النووية، ورفضت التراجع عن موقفها القائل بحقها في تخصيب اليورانيوم محليا

ويبدو أن شيئا من ذلك لم يحدث. ففي “محادثات التقارب”، التي يتبادل فيها العمانيون الرسائل بين الجانبين، حصرت طهران النقاشات في القضية النووية، ورفضت التراجع عن موقفها القائل بحقها في تخصيب اليورانيوم محليا. ولزيادة الطين بلة، أعلنت إيران أنها أجرت مناورات بحرية يوم الثلاثاء في مضيق هرمز، وهو ممر مائي هام، ما أدى إلى إغلاقه لفترة وجيزة.

ويرى الكاتبان أن النظام الإيراني بالتأكيد لا يرغب في مواجهة أخرى مع الرئيس ترامب. ومثل معظم الفاعلين الدوليين، لا يزال رجال الدين يحاولون فهمه. وقد حاول علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، استمالة ترامب بالإشارة إلى أنه في حال نجاح المحادثات حول الملف النووي فإنه “يمكن توسيعها لتشمل مجالات أخرى في المراحل اللاحقة”. وتسعى طهران جاهدة للحفاظ على خطوطها الحمراء مع توفير سبيل لترامب لتجنب الحرب، وقد ينجح هذا المسعى.

ومن الواضح أن النظام الإيراني لم يعد ينظر إلى قصف أمريكا أو إسرائيل له كتهديد وجودي. ومن غير المرجح أن يتغير هذا الوضع حتى لو توفي خامنئي. فالجمهورية الإسلامية ليست ديكتاتورية فردية، بل هي نظام أيديولوجي تقوده نخبة متعددة المستويات تستفيد منه. وربما نظر الأمريكيون الذين حضروا المحادثات إلى الإيرانيين بأنهم جاءوا إليها كمتوسلين، فيما يرى خامنئي ورجاله أنفسهم كناجين.

ويعلق الكاتبان أن هذا التفكير قد يقود إلى سقوطهم في النهاية، فالنظام الديني وإن استعاد السيطرة على شوارع إيران، إلا أن الأسباب الجذرية للسخط الشعبي لا تزال قائمة. فلم يكشف النظام عن أي خطط لمعالجة التدهور الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد، والفساد المستشري، والانقسامات الطبقية، أو المشاكل البيئية التي تؤدي إلى نقص حاد في المياه. فلا بد من اندلاع انتفاضة أخرى في وقت ما، وعندها لا يمكن قمع ملايين الإيرانيين إلى الأبد. لكن في الوقت الراهن، لا بد من التسليم بأن عمر الجمهورية الإسلامية قد امتد بفعل موجة القتل الأخيرة، حيث أعاد النظام إحياء “الهيبة”، أو الرهبة المرعبة، التي يقوم عليها هذا الاستبداد.