نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعدته نحال توسي وجاك ديستش وبول ماكليري قالوا فيه إن البنتاغون أعد خططا لمواصلة الحرب ضد إيران حتى أيلول/ سبتمبر المقبل، في تناقض جديد مع تصريحات الرئيس دونالد ترامب الذي قال إن الحرب قد تستمر لأسابيع، مما يهدد بأن تخيّم هذه الحرب على رئاسته.
وجاء في التقرير أن البنتاغون وسّع من عمليات الاستخبارات تحضيرا لحرب طويلة. وكشف التقرير أن القيادة المركزية الأمريكية طلبت من البنتاغون نشر تعزيزات إضافية من ضباط الاستخبارات العسكرية في مقرها الرئيسي في تامبا، فلوريدا. وستدعم هذه التعزيزات العمليات ضد إيران لمدة لا تقل عن مئة يوم، وربما حتى سبتمبر/ أيلول وفقا لإشعار حصلت عليه “بوليتيكو”.
ويعد هذا الطلب أول خطوة معروفة من إدارة ترامب لزيادة عدد أفراد الاستخبارات استعدادا للحرب، ويشير إلى أن واشنطن تحضر لحملة أطول بكثير مما قدمته الإدارة للرأي العام في البداية.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الحملة العسكرية قد تستمر من أربعة إلى خمسة أسابيع، لكنه حذر من أنها قد “تمتد لفترة أطول بكثير”.
كما يظهر هذا الجهد السريع لتعبئة المزيد من الأفراد والموارد مدى عدم استعداد واشنطن لحجم الصراع الذي شنته بالتعاون مع إسرائيل. فعادة ما يخطط لعمليات عسكرية بهذا الحجم قبل أشهر، إلا أن هذا التدافع المفاجئ داخل البنتاغون يشير إلى أن المسؤولين قللوا من شأن تداعيات الهجوم على إيران.
وكانت المجلة قد نقلت في 25 شباط/ فبراير عن مسؤولين أمريكيين قولهم إنهم يفضلون عملية ضد إيران تبدأ بهجوم إسرائيلي، ليكون ذريعة لدى الولايات المتحدة للدخول في الحرب.
وتوقعت المجلة أن يؤدي طول الصراع إلى تعزيز الخلافات داخل قاعدة ترامب الشعبية وسط التحضيرات لانتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.
وقالت المجلة إن وزارة الخارجية الأمريكية تعزز أيضا مواردها لإجلاء الأمريكيين العالقين في الشرق الأوسط، إلى جانب جهود البنتاغون، في أحدث المؤشرات على أن إدارة ترامب لم تكن مستعدة تماما للحرب الأوسع التي تواجهها الآن.
ووسط انتقادات للإدارة لتأخرها في تنبيه المواطنين الأمريكيين بضرورة المغادرة أو مساعدة العالقين آنذاك، ترسل وزارة الخارجية موظفين إضافيين إلى أثينا لمساعدة المواطنين الأمريكيين، وذلك حسب مسؤول حالي وسابق في الوزارة مطلعين على الشؤون القنصلية. وقال مسؤول في وزارة الخارجية مطلع على الإجراءات صباح الأربعاء إن كبار قادة الوزارة تولوا زمام عملية الإجلاء، التي عادة ما يتولاها المسؤولون القنصليون والإدارات المختصة.
ويعد طلب البنتاغون هو أول طلب معروف من الإدارة الأمريكية لتعزيز الاستخبارات في الحرب على إيران، ومؤشرا على أن البنتاغون بدأ بالفعل بتخصيص تمويل لعمليات قد تمتد لفترة أطول بكثير من الجدول الزمني الأولي الذي حدده الرئيس دونالد ترامب للصراع، أي أربعة أسابيع.
ويبرز هذا التسرع في إضافة أفراد وموارد لدعم الجهود التي غالبا ما تنظم قبل وقت طويل من أي عمل عسكري أمريكي، كيف أن فريق ترامب لم يتوقع بشكل كامل التداعيات الواسعة للحرب التي شنها بالتعاون مع إسرائيل يوم السبت. وقال الدبلوماسي الأمريكي السابق المختص بشؤون الشرق الأوسط، جيرالد فيرشتين: “ما شهدناه هو عملية مرتجلة تماما، حيث بدا وكأن لا أحد يفهم أو يعتقد أن العمل العسكري وشيك. يبدو أنهم استيقظوا صباح السبت وقرروا بدء حرب”.
وفي الوقت الذي نفذت فيه إسرائيل والولايات المتحدة عملية واسعة استهدفت مسؤولين وبنى تحتية إيرانية، إلا أن المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين لم يحددوا بعد هدفا نهائيا واضحا للعملية. كما واجه ترامب ومساعدوه صعوبة في تقديم أسباب مقنعة لضرورة تنفيذ الضربات في هذا الوقت بالذات.
وردت إيران بإطلاق النار على أهداف أمريكية وغيرها في أنحاء الشرق الأوسط. ولقي ستة جنود أمريكيين على الأقل حتفهم في الكويت، مما أثار تساؤلات حول مدى كفاية تحصينات منشآتهم ضد ما يبدو أنه هجوم بطائرة مسيّرة. كما استهدفت بعض المنشآت الدبلوماسية الأمريكية، وتتزايد المخاوف من احتمال نفاد الذخائر لدى الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط. وقال مسؤول أمريكي إن البنتاغون يسعى أيضا إلى شحن المزيد من أنظمة الدفاع الجوي إلى المنطقة، لا سيما أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة الأصغر حجمًا والأقل تكلفة التي تعمل الوزارة على تطويرها منذ عدة سنوات.
وقد أثار الهجوم الذي أودى بحياة الجنود الأمريكيين قلقا بالغا لدى مخطّطي الحرب، لأنه نفذ بطائرة “شاهد” المسيرة الرخيصة نسبيا، والتي غالبا ما تحلق دون أن ترصدها الرادارات. وتستخدم الولايات المتحدة، في الوقت الراهن على الأقل، صواريخ تصل تكلفتها إلى ملايين الدولارات للتصدي لهذه الطائرات المسيرة، التي لا تكلف سوى جزء بسيط من ذلك. وتمتلك إيران آلافا من هذه الطائرات المسيرة في ترسانتها، وقد اخترقت العشرات منها بالفعل الدفاعات الجوية القائمة. وأضاف المسؤول أن العديد من الطائرات المسيرة المضادة التي يمكن للولايات المتحدة الرد بها لم تستخدم في القتال، إذ لم تواجه القوات الأمريكية تهديدا مماثلا من الطائرات المسيرة من قبل.
وقالت المجلة إن الاستعدادات المحدودة لمساعدة الأمريكيين الراغبين في مغادرة المنطقة كان لها الأثر الأكبر والأسرع.
وبينما بدأت سفارتان أمريكيتان على الأقل، في لبنان وإسرائيل، بإخراج موظفيهما وعائلاتهم في الأيام الأخيرة قبل الضربات، لم تقدم معظم البعثات الدبلوماسية في المنطقة على مثل هذه الخطوات إلا بعد بدء الحرب.
وبعد يومين من الحرب، أي في يوم الاثنين، أصدرت وزارة الخارجية أول تنبيه رئيسي للأمريكيين، تحثهم فيه على “المغادرة فورا” من 14 دولة في المنطقة. في ذلك الوقت، كان من الصعب الحصول على تذكرة مغادرة بسبب إغلاق المجال الجوي الذي أدى إلى إلغاء العديد من الرحلات الجوية. ومنذ ذلك الحين، وسعت الوزارة نطاق تنبيهاتها وعمليات الإجلاء لتشمل دولتين أخريين على الأقل، هما قبرص وباكستان.
ونقلت المجلة عن جيفري فيلتمان، السفير الأمريكي السابق لدى لبنان والذي أشرف على إجلاء آلاف المواطنين الأمريكيين من لبنان عام 2006: “لقد كان تقصيرا تاما في أداء الواجب. إيران تشكل خطرا بلا شك، ولكن لم يكن هناك تهديد وشيك لنا، ومع ذلك ترك [ترامب] آلافا وربما مئات الآلاف من الأمريكيين في خطر دون التخطيط لكيفية إجلائهم”.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية مطلع على الإجراءات، إن عددا قليلا نسبيا من الأشخاص في الوزارة أطلعوا على خطط الحرب. وأقر المسؤول بأن ذلك ربما يكون قد ساهم في التحديات التي واجهت أوامر الإجلاء وتنبيهات السفر. وبشكل عام، قلصت إدارة ترامب عدد الأشخاص المشاركين في عملية صنع سياسات الأمن القومي وخفضت الاجتماعات التي كانت تعقد عادة بمشاركة العديد من الوزارات والهيئات.
وباستثناء ماركو روبيو وعدد قليل من كبار مساعديه، ظلت معظم وزارة الخارجية تجهل العديد من القرارات الرئيسية. ويشغل روبيو أيضا منصب مستشار الأمن القومي، ما يعني أنه يقضي معظم وقته في البيت الأبيض. ومع ذلك، أشار دبلوماسيون أمريكيون حاليون وسابقون إلى أن احتمال دخول الولايات المتحدة في حرب في الشرق الأوسط لم يكن سرا. فقد كثقت الإدارة وعلى مدى أسابيع من وجودها العسكري بالمنطقة وواصلت وإصدار تحذيرات لإيران. لذا، كان ينبغي على المسؤولين في وزارة الخارجية، بمن فيهم المعينون سياسيا في مكتب الشؤون القنصلية، أن يكونوا على دراية بضرورة تقليص عدد موظفي السفارة، وحث الأمريكيين على مغادرة المنطقة قبل أيام أو أسابيع، كما يرى البعض.
وقال مسؤول سابق في وزارة الخارجية مطلع على الشؤون القنصلية: “لم يكن هناك أي مبرر لعدم إعداد خطط لمغادرة الموظفين في ظل هذه الظروف، لا سيما وأن وزارة الدفاع كانت على علم بالردود العسكرية الإيرانية المحتملة”. واستغل الديمقراطيون فشل عملية الإجلاء لانتقاد إدارة ترامب بشدة. كان ذلك بمثابة عكس للموقف: فقد انتقد الجمهوريون إدارة بايدن بشدة بسبب تعاملها مع إجلاء الأمريكيين والحلفاء الأفغان في الأيام الأخيرة من انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021.

