كلّ يوم يُفتح فيه ملف من ملفات الحاكم السابق رياض سلامة، تتأكد أمام اللبنانيين حقيقة واحدة: مصرف لبنان لم يكن يُدار كحاكمية نقدية، بل تحوّل، خلال سنوات حكم سلامة، إلى صندوق أسود لتوزيع أموال اللبنانيين على المحاسيب والمقرّبين والشركات المشبوهة، فيما كان اللبناني يُذلّ على أبواب المصارف لاسترجاع جزء من جنى عمره.
وفي هذا الإطار، علم “ليبانون ديبايت” أنّ الجلسة الأولى في ملف شركة “V Invest” تُعقد غداً أمام القضاء، في واحدة من أخطر القضايا المالية التي تكشف كيف كانت عشرات ملايين الدولارات تُحوّل من مصرف لبنان إلى شركات تدور حولها شبهات خطيرة، وسط حماية سياسية ومالية وقضائية امتدّت لسنوات.
وبحسب المعلومات التي حصل عليها “ليبانون ديبايت”، فإنّ التحويلات إلى شركة “V Invest” بدأت عام 2017، مباشرة بعد توقّف التحويلات إلى شركة “Forry”، حيث بدأ رياض سلامة، وفق المعطيات، بتحويل الأموال إلى هذه الشركة الجديدة، في ما بدا وكأنّه استبدال لمسار مالي بمسار آخر داخل الشبكة نفسها.
وتكشف المعطيات أنّ رياض سلامة حوّل نحو 70 مليون دولار من أموال مصرف لبنان إلى “V Invest”، التي يُفترض أنّها تعمل في مجال الشحن، لكن الصدمة الكبرى أنّ التحريات أظهرت أنّ الشركة غير مسجّلة أصلاً في لبنان، ما يعني أنّ عشرات ملايين الدولارات خرجت من مصرف لبنان إلى شركة لا تتمتّع بأي وضع قانوني واضح داخل البلاد.
فكيف لشركة غير مسجّلة أن تتعامل بمبالغ ضخمة مع مصرف لبنان؟ ومن الذي أمّن لها الغطاء؟ وكيف مرّت هذه التحويلات داخل النظام المصرفي والرقابي من دون أي مساءلة؟
الأخطر أنّ الشركة يترأسها محامٍ من آل الحوت، تمّ استدعاؤه إلى التحقيق غداً، في مشهد يختصر حجم الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة والقطاعات المهنية. وهنا يبرز السؤال القانوني المباشر: كيف يجمع محامٍ بين ممارسة مهنة المحاماة وبين إدارة شركة مالية أو تجارية، في حين أنّ قانون تنظيم مهنة المحاماة لا يجيز للمحامي تولّي إدارة الشركات التجارية أو ممارسة الأعمال التجارية بصورة مباشرة؟
وتفيد المعلومات بأنّ الأموال المحوّلة عبر “V Invest” وصلت إلى أفراد من عائلة رياض سلامة وأصدقاء مقرّبين منه، ومن بينهم الممثلة ستيفاني صليبا، ما يعزّز الشبهات بأنّ الشركة لم تكن سوى قناة مالية لتمرير الأموال وتوزيعها داخل شبكة المصالح المرتبطة بالحاكم السابق.
هذا الملف لا يبدو مجرّد قضية مالية عابرة، بل صورة كاملة عن آلية حكم مالي قامت على تهريب الأموال، حماية النافذين، وتفريغ الدولة من مؤسساتها ورقابتها. فبينما كان اللبنانيون يغرقون في الانهيار والفقر وخسارة ودائعهم، كانت ملايين الدولارات تتحرّك بهدوء بين الشركات والحسابات والمقرّبين، تحت أعين منظومة كاملة شاركت بالصمت أو التغطية أو الاستفادة.
