
تحولت الهدنة الحربية الهشة إلى مناسبة لتقديم عروض لحزب الله، في محاولة لإقناعه بتسليم سلاحه والدخول بشكل أكثر عمقاً وتأثيراً داخل «سيستم» الدولة، أو هكذا يُقال. البعض مثلاً، يقرأ ما يحكى عن "عروض" على أنها عروض الفرصة الأخيرة، أو قبل الدخول في حرب جديدة. والعنوان المطروح، أو الذي يمكن القول إنه يُستخدم في محاولة إقناع الحزب، هو أنه ما زال يمتلك فرصاً قوية ناجمة عن احتفاظه بجزء من قوته العسكرية، وأن هذه هي اللحظة المثالية لمقايضة تلك القوة بمكتسبات، أو كما يحلو للعارضين وصفها: المناسبة والفرصة الأخيرة قبل مضي إسرائيل في شن حربها على الحزب، تحت عنوان القضاء عليه.
إذاً، يوحي أوروبيون وبعض العرب بأنهم حريصون على حزب الله بصفته يمثل مكوناً لبنانياً أساسياً، ويوحون بأنهم يرفضون الخطط الإسرائيلية القائمة على فكرة القضاء عليه وتدمير مؤسساته وتهجير بيئته. وربما أن أحد بواعث القلق لا يكمن في الحفاظ على المكون الشيعي بقدر ما يرتبط بحماية أوروبا مما تخشاه، وهو تحرك موجات نزوح كبيرة صوب القارة الأوروبية انطلاقاً من الضفة الشرقية للبحر المتوسط.
عملياً، وبحسب مقربين من الضاحية، يتعاطى الحزب مع ما يصله من مقترحات بنفس إيجابي. فهو يستمع، ويقيّم العروض، ويعرضها على لجان داخلية، ويدخل في حلقات نقاش مع العارضين، وليس بالضرورة أن يعطيهم جواباً نهائياً عن تلك العروض.
ويتردد مؤخراً أن مقترحات، وردت إلى قيادة الحزب، من خلال سفراء أو مسؤولين في أجهزة مخابرات عربية وغربية، لها علاقة بمصير سلاحه، وبحضوره داخل الدولة الجديدة، وبحصته فيها، مع ضمان أن ينال الحزب حصته، طبعاً لقاء تسليم الأسلحة الثقيلة التي يمتلكها، وتحديداً الصواريخ على اختلاف تقنياتها وأحجامها ومدياتها، ونماذج المسيرات المتنوعة.
ولعل أكثر مشروع عُرض وكان محل نقاش، ذلك الذي تقدم به المصريون مطلع العام الجاري، وقام على فكرة تحييد السلاح الثقيل ووضعه في مخازن تحت إمرة الجيش اللبناني. وقد خصصوا مساراً تقنياً واضحاً يقوم على ست مراحل، يتم تنفيذ كل مرحلة على حدى، وتشمل في نهايتها إنسحاباً إسرائيلياً كاملاً وبسط سلطة الدولة وإعادة الإعمار بمراقبة دولية، تنتهي بعد نحو ست سنوات أو أكثر، وهي المدة التي يبقى فيها السلاح محيداً أو مجمداً العمل به، ما يترك احتمال استخدامه وارداً في حال تعرض لبنان لاعتداء، لكنه يشترط أن يتم ذلك بموافقة الدولة وبالتعاون بينها وبين الحزب، أي أن يكون قرار استخدامه بيد الدولة. وفُهم آنذاك أن المصريين طرحوا معادلة تقوم على استفادة الجيش اللبناني من القدرات كافة التي يتمتع بها الحزب.
بعدها، أتى البريطانيون بعرض آخر أكثر عمقاً قدمه سفيرها في بيروت ونقل إلى الحزب كما يتردد. وقد نظر إليه، بالنسبة للبعض، على أنه يمثل حلاً عملياً. فاقترح البريطانيون اعتماد الحل الذي اتُّبع مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، فيما سُمّي آنذاك «اتفاق الجمعة العظيمة»، الذي أنهى النزاع في إيرلندا الشمالية عام 1998، بدعم أساسي من إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون. وقام الاتفاق على مبادئ عدة، من بينها تقاسم السلطة بين القوى المتنازعة، ولا سيما الكاثوليك والبروتستانت، مع بقاء إيرلندا الشمالية ضمن المملكة المتحدة، ونزع السلاح بشكل متدرج.
وبمعنى آخر، يجري الاتفاق، بموجب مقترح مفاوضات مع الحزب، على وضع سلاحه ضمن حالة الـ«Decommissioning of weapons»، أي إخراج الأسلحة من الخدمة وجعلها غير قابلة للاستخدام ثم يتم الإستفادة من مخزونه من القوة البشرية في مؤسسة الجيش. وصحيح أنه يمكن النظر إلى المبدأ على أنه شبيه، أو متمم، لفكرة التحييد التي عرضها المصريون، لكنه في الواقع يختلف عنها، إذ يقوم الطرح البريطاني على إخراج السلاح من الاستخدام بشكل نهائي، لا تحييده لفترة معينة. ويأتي ذلك تتويجاً لمسار تفاوضي، بحيث ينال الحزب مكتسبات لقاء كل جولة من جولات تسليم سلاحه، وصولاً إلى استفادته بأقصى درجة من عملية التخلي عن السلاح ضمن ترتيبات دولة أو حكومة حديثة.
وعلى النمط نفسه، الذي يحاول خلق ظروف لإقناع الحزب بتسليم سلاحه بطرق سلمية كما يُدّعى، ولو أن الحزب بات مقتنعاً بأن الحرب التي تُشن عليه تقوم على تخييره بين تسليم السلاح بالقوة وبشكل مجاني من دون مكتسبات، أو تسليمه مقابل امتيازات داخل الدولة، تتردد أنباء عن مقترح قدمه سفير أوروبي مدعوماً بكتلة عربية، يقوم على منح الحزب حق تسمية قائد الجيش بعد الدخول في مسار أي حل، سواء الآن أو لاحقاً.
وبحسب مصدر سياسي، بلغ المقترح المزعوم حد منح الحزب ضمانات مكتوبة في محاولة لإقناعه، رغم اقتناع الحزب بأن مشروعاً من هذا النوع، يُقدم الآن، لا يرمي فقط إلى مقايضته، وإنما إلى قيادة مشروع مشكل مع قيادة الجيش خصوصاً، ومع المسيحيين عموماً، يأتي بديلاً من محاولة مأسسة اشتباك عسكري يُراد له أن يكون حكماً بين الحزب والجيش برغبة إسرائيلية. كما يأتي كنوع من تظهير الحزب على أنه يبحث عن تقويض حضور المسيحيين سياسياً وسلبهم مكتسبات حققوها منذ نشوء الجمهورية، بما يزيد دوافع الاشتباك في وقت تُعتبر فيه العلاقة، بشكل عام، بين الحزب والمسيحيين غير سوية.
في الواقع، فإن الحزب، الذي اكتفى -كما يتردد- بتجاهل الطرح، يدرك تماماً أنه يقف حالياً أمام اختبار يرمي إلى تمزيق ما تبقى من وحدة اللبنانيين، وتصويره على أنه يعمل على عقد مقايضة على حساب طوائف أخرى لإيجاد حل لسلاحه. وهو أسلوب لن يؤدي، كما يعتقد، إلى توفير ظروف السلام، وإنما إلى إحياء نزاعات لبنانية داخلية ذات موروثات قديمة.
أذكر، ذات مرة، أن النائب الراحل غسان سكاف أخبرني بوجود صيغة يعمل عليها، لقيت موافقة أميركية، تقوم على عرض امتيازات ومكتسبات للحزب لقاء تسليم سلاحه، منها التوافق على تعديل دستوري يتيح إنشاء منصب نائب لرئيس الجمهورية، بصلاحيات مكتوبة، يُمنح للطائفة الشيعية. وقال آنذاك إنه عرض المشروع على قيادة الحزب وينتظر جواباً. كان ذلك بعد عدوان أيلول/تشرين الثاني 2024. توفي النائب غسان سكاف ولم يأتِ الجواب.
وعلى النحو ذاته، ولكن في زمن سبق الحرب، أبدى مسؤول كنسي وآخر سياسي، في جلسة مغلقة حضرتها، اعتقادهما بأن أي حل سياسي في لبنان سيأتي على حساب المسيحيين، وأنهم سيدفعون الثمن من حصتهم السياسية داخل الحكم، وأنهم غير مستعدين لذلك الآن.
وفي السياق ذاته، سبق أن طرح المبعوث الرئاسي الأميركي توم براك أفكاره القائمة على إعادة توزيع الحصص السياسية في لبنان على الطوائف، من بوابة حل شامل يبدأ بتسليم الحزب سلاحه الثقيل. وفُهم يومها أن الأفكار التي سوّقها قبل حرب آذار 2026 تقوم على عرض حل على الحزب كبديل من الحل العسكري.
وفي كل المسارات التي تحدثنا عنها، يحضر العامل الأميركي بقوة، وسط معطيات عن محاولات أميركية، معلنة وغير معلنة، لفتح قناة حوار، ولو بصيغة غير مباشرة، مع الحزب.
