بعد نحو ثلاث سنوات من توقف النشاط الكروي، تستعد كرة القدم الفلسطينية للعودة إلى الملاعب، لكن العودة هذه المرة لا تبدأ من صافرة الحكم وحدها، إذ تحمل معها أسماء 1014 رياضيا استشهدوا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وفق ما أعلنه “الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم”.
وفي الرابع من أيلول / سبتمبر المقبل، تنطلق بطولة “كأس الألف شهيد”، في محاولة لاستعادة النشاط الرياضي من جهة، وتحويل الملاعب إلى مساحة لحفظ أسماء الرياضيين الذين غابوا عنها من جهة أخرى.
وأعلن رئيس “الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم” الفريق جبريل الرجوب، الاثنين، خلال مؤتمر صحافي عقد في “أكاديمية جوزيف بلاتر” بمدينة البيرة، استئناف النشاط الكروي، قائلا إن العودة تأتي بعد سنوات قاسية توقفت خلالها معظم المسابقات والأنشطة الرياضية، فيما تعرضت الحركة الرياضية لخسائر طالت اللاعبين والمنشآت والأندية ومقرات المؤسسات الرياضية.
ووصف الرجوب المرحلة المقبلة أنها “وقفة تقييمية للماضي من أجل أن نستطيع بناء المستقبل”، داعيا الرياضيين الفلسطينيين إلى الانطلاق بإرادة موحدة لإعادة الحياة إلى “الجسد الرياضي”، ومنح الفلسطينيين في الوطن والشتات “الأمل وفسحة من الفرحة”.
لكن اسم البطولة يحمل الرسالة الأوضح.
ففي حديث مع “القدس العربي”، قال الرجوب إن اختيار اسم “كأس الألف شهيد” جاء تخليدا لأسماء الشهداء الرياضيين الذين سقطوا خلال حرب الإبادة، والبالغ عددهم 1014 شهيدا.
وأوضح أن البطولة لن تكتفي بحمل الاسم، بل ستكون أسماء الشهداء حاضرة في تفاصيلها المختلفة، من أسماء الفرق والكأس إلى الفعاليات المصاحبة، فيما يعتزم الاتحاد صناعة ثلاث نسخ من الكأس، في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، تحمل أسماء الشهداء الرياضيين.
وأكد الرجوب أن البطولة ستكون سنوية، موضحا أن لدى الاتحاد خطة لإدخالها ضمن البرنامج الرسمي، لتصبح فعالية ثابتة في الروزنامة الرياضية الفلسطينية، وليس حدثا مرتبطا بمرحلة زمنية محددة.
ثلاث رسائل من “كأس الألف شهيد”
ويرى الرجوب أن البطولة تحمل ثلاث رسائل أساسية، أولها إلى المجتمع الدولي، بما في ذلك “فيفا” والاتحادات القارية والدولية، لوضعها أمام ما تعرضت له الرياضة الفلسطينية من “تضحيات ومعاناة وعذابات”، في ظل استهداف المنشآت الرياضية واغتيال رموز رياضية.
وقال في حديث مع “القدس العربي”: “إحنا في عندنا ثلاث رسائل. رسالة للمجتمع الدولي، بما في ذلك الفيفا والاتحادات القارية والدولية، نقدم فيها تضحيات ومعاناة وعذابات الرياضة الفلسطينية، باستهداف المنشآت، واغتيال بعض رموز مثل سليمان العبيد ونغم أبو سمرة وآخرين”.
وأضاف أن عدد الرياضيين الذين استشهدوا بلغ، وفق ما أعلنه الاتحاد، 1014 رياضيا، قائلا: “وأعتقد بدنا يفتحوا الذاكرة، ويكون عندهم موقف”.
أما الرسالة الثانية، فهي لعائلات الشهداء، للتأكيد على أن أبناءهم لن يتحولوا إلى أرقام منسية، بل سيبقون حاضرين في الذاكرة الرياضية الفلسطينية.
وقال الرجوب: “هاي رسالة لأسرهم، إنه هم موجودين في وعينا، وإحنا رح نخلدهم، وإحنا مش رح ننساهم”.
أما الرسالة الثالثة، فتوجه بها إلى المجتمع الفلسطيني نفسه، مؤكدا أن الانحياز إلى الشهداء وتخليدهم يمثل قيمة وطنية وإنسانية وأخلاقية.
وقال: “إحنا بنقول لشعبنا بأنه التحيز لهؤلاء هو قيمة بكل المعاني، الوطنية، الإنسانية، الأخلاقية”، مضيفا أن واجب الفلسطينيين هو “أن ينحنوا أمام عظمة الشهيد، ومعاناة الأسير، وعذابات الجريح”.
وقال إن هذه الشرائح الثلاث “لها مكانة التقديس” في الوعي الوطني الفلسطيني في الوطن والشتات.
من الشهداء إلى ملف الانتهاكات
ولا يقف ملف الرياضة الفلسطينية أمام “فيفا” عند قضية الشهداء وحدها، ويقول الرجوب إن قضية الشهداء هي جزء من ملف أكبر يتعلق بالانتهاكات الإسرائيلية بحق الرياضة الفلسطينية.
وأوضح، في حديث مع “القدس العربي”، أن الملف يشمل، إلى جانب الشهداء، الإعاقة الحركية والاعتقال وتدمير الملاعب والأندية والمقرات، واعتقال اللاعبين، وغيرها من أشكال الاستهداف.
وقال لـ”القدس العربي”: “هو ملف كبير، يعني هو مش محصور فقط في موضوع الشهداء”، مشيرا كذلك إلى أن ملف أندية المستوطنات يندرج ضمن القضية التي يطرحها “الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم” أمام المؤسسات الرياضية الدولية.
ويؤكد الاتحاد أن هذا الملف موجود في أروقة “فيفا” منذ سنوات طويلة، فيما لم يحسم الرجوب خلال الحديث المدة الزمنية الدقيقة لبدء طرحه أمام الاتحاد الدولي.
وتتعلق مطالب الاتحاد الفلسطيني، وفق ما يطرحه الرجوب، بالتعامل مع الانتهاكات التي تطال الرياضة الفلسطينية بمختلف أشكالها، وحماية حق اللاعبين والأندية في ممارسة النشاط الرياضي، وعدم المساس بمكونات الحركة الرياضية الفلسطينية.
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” قد فرض عقوبات على “الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم” في سياق هذا الملف، إلا أن الرجوب أشار إلى أن هذه العقوبات، حتى وإن كانت خطوة في المسار، “مش رادعة” من وجهة النظر الفلسطينية.
وهنا يتجاوز “كأس الألف شهيد” كونها بطولة رياضية لتصبح جزءا من محاولة أوسع لإبقاء قضية الرياضة الفلسطينية حاضرة في المؤسسات الرياضية الدولية، ووضع ما تعرض له الرياضيون والمنشآت والأندية أمام المجتمع الرياضي الدولي.
وتنطلق البطولة في الرابع من أيلول / سبتمبر عند السادسة مساء بثلاث مباريات متزامنة، في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان.
فعلى استاد فيصل الحسيني في المحافظات الشمالية، يلتقي جبل المكبر وشباب الخليل، بينما تجمع المباراة في المحافظات الجنوبية شباب رفح وخدمات رفح، في حين يلتقي الأنصار والنهضة في مخيم عين الحلوة بلبنان.
وتضم البطولة 226 ناديا، موزعة بين المحافظات الشمالية وقطاع غزة ولبنان، وستقام المرحلة الأولى وفق نظام المجموعات على مستوى المحافظات والفروع، بوصفها “دوريا تنشيطيا”، على أن يشهد الموسم المقبل دوريا تصنيفيا.
ويعتزم الاتحاد تقديم مبلغ موحد لكل ناد يستوفي الحد الأدنى من الشروط، للمساهمة في توفير التجهيزات ووسائل المواصلات اللازمة لاستئناف النشاط، في ظل الضائقة المالية التي تواجه الاتحاد والأندية.
وأشار الرجوب إلى أن الحكومة الفلسطينية كانت الممول الرئيسي للأنشطة الرياضية خلال الفترة الماضية، إلى جانب مشاريع دعم قدمتها “فيفا” ومؤسسات واتحادات رياضية خارجية، فيما لم يتمكن الاتحاد حتى الآن من الحصول على قرض مصرفي كان يسعى إليه لدعم استئناف النشاط.
وفي قطاع غزة، حيث تعرضت منشآت رياضية لأضرار واسعة، قال الرجوب إن “فيفا” أكدت أن الخيارات مفتوحة أمام استعادة النشاط الرياضي في حال توافرت إمكانية الوصول إلى القطاع.
أما في القدس، فيعمل الاتحاد على مشروع لإنشاء مركز فني حديث، قال الرجوب إن العمل فيه بدأ بالفعل، وإنه سيكون “حاضنة فنية لكل الفلسطينيين”، ضمن رؤية تهدف إلى تطوير اللاعب والمدرب والمعالج والطواقم الفنية والألعاب الرياضية المختلفة.
وبالتوازي مع العودة المحلية، تستعد فلسطين للمشاركة في دورة الألعاب الآسيوية المقبلة في اليابان ببعثة تضم 108 رياضيين، بينهم 67 لاعبا ولاعبة سيشاركون في 19 لعبة رياضية، كما يشارك المنتخب الوطني الأول في بطولة ودية في الصين خلال أيلول / سبتمبر.
وتأتي هذه العودة في ظل محاولة لإعادة بناء منظومة الرياضة الفلسطينية، بعد سنوات من التوقف والخسائر، وإعادة وصل الملاعب في الضفة وغزة والقدس ولبنان بالمسار الرياضي الفلسطيني العام.
وبينما تستعد الأندية للعودة إلى المنافسة، تبدو “كأس الألف شهيد” أكثر من بطولة تستعيد بها الكرة الفلسطينية نشاطها. فهي تحمل أسماء 1014 شهيدا إلى قلب الملاعب، وتضع تخليدهم ضمن برنامج رياضي سنوي، فيما تفتح في الوقت ذاته نافذة على ملف الانتهاكات الإسرائيلية بحق الرياضة الفلسطينية أمام “فيفا”.
ومن هنا، فإن صافرة البداية في الرابع من أيلول / سبتمبر لن تعني فقط عودة المباريات بعد ثلاث سنوات من التوقف، بل ستكون أيضا لحظة تستعيد فيها الرياضة الفلسطينية جزءا من حضورها، وتؤكد أن أسماء من غابوا عن الملاعب ستبقى حاضرة فيها، وأن ملف الرياضة الفلسطينية لن يختزل في الشهداء وحدهم، بل يمتد إلى كل ما يقول الاتحاد إنه انتهاكات طالت اللاعب والنادي والمنشأة والقدرة على ممارسة الرياضة نفسها.
