خطت دولة الاحتلال الإسرائيلي باتجاه مزيد من تكريس التمييز تجاه مواطنيها الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948، فصادقت لجنة الانتخابات المركزية، الأربعاء، على شطب “القائمة العربية الموحدة”، برئاسة منصور عباس، كما قررت شطب ترشيح رئيس حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” سامي أبو شحادة، والنائب عوفر كاسيف مرشح “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة”، وكلاهما من “القائمة المشتركة”، من انتخابات الكنيست المقررة في شهر تشرين الأول / أكتوبر، على أن تنتقل قرارات الشطب إلى المحكمة العليا للبت فيها.
وصادقت اللجنة على شطب “القائمة العربية الموحدة”، برئاسة منصور عباس، بأغلبية 18 عضوًا مقابل خمسة معارضين، بينهم ممثلو الأحزاب العربية، وامتناع عضو واحد عن التصويت.
وجاء القرار ضمن سلسلة من طلبات الشطب التي تبحثها لجنة الانتخابات المركزية قبيل انتخابات الكنيست الـ26.
وفي وقت سابق الأربعاء، قررت اللجنة، بأغلبية 19 عضوًا مقابل خمسة معارضين، شطب ترشيح عضو الكنيست عوفر كاسيف من “القائمة المشتركة”، بناء على طلب قدمه حزب “الليكود”.
وذكرت القناة “13” العبرية أن لجنة الانتخابات المركزية، التي تعقد جلساتها يومي الأربعاء والخميس لمناقشة طلبات شطب قوائم ومرشحين من انتخابات الكنيست، قررت منع كاسيف من خوض الانتخابات.
واستند طلب الشطب إلى المادة “7أ” من “قانون أساس: الكنيست”، التي تتيح منع مرشح أو قائمة من خوض الانتخابات في حالات بينها “دعم الكفاح المسلح من جانب دولة معادية أو منظمة تصنفها إسرائيل إرهابية”.
ويُعرف كاسيف، وحزبه الشيوعي، بمواقف معارضة للاحتلال ولسياسات حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تجاه الشعب الفلسطيني، ولا سيما حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة منذ عام 2023.
كذلك صادقت لجنة الانتخابات المركزية على شطب ترشيح رئيس حزب “التجمع الوطني الديمقراطي”، سامي أبو شحادة، بزعم “دعمه الكفاح المسلح أو منظمة إرهابية ضد إسرائيل”.
وحظي طلب حزب “عظمة يهودية” (عوتسما يهوديت)، برئاسة إيتمار بن غفير، لشطب ترشيح أبو شحادة، بتأييد 31 صوتًا، بينهم رئيس لجنة الانتخابات القاضي نوعام سولبرغ، في سابقة لم تحدث من قبل، إذ امتنع جميع من سبقوه عن التصويت في مثل هذه الطلبات، مقابل أربعة أصوات معارضة، هي أصوات الأحزاب العربية.
أبو شحادة يردّ
وفي رده على قرار الشطب، قال رئيس حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” والمرشح في “القائمة المشتركة”، سامي أبو شحادة، إن “لجنة الانتخابات التي قررت شطبنا اليوم لا تستهدفني وحدي، بل تسعى إلى شطب صوت مجتمع كامل، وإقصائه عن الحلبة السياسية وضرب نسبة التصويت في المجتمع العربي”.
من جهته، قال نائب الأمين العام لحزب “التجمع”، يوسف طاطور في بيان “نمر اليوم بمحطة تستدعي منا أعلى درجات التكاتف والوحدة والمسؤولية، والوقوف صفًا واحدًا إلى جانب رفيقنا ورئيس قائمتنا البرلمانية والحزب سامي أبو شحادة، في مواجهة قرار شطبه ومحاولات الإقصاء السياسي له، ومن خلاله لحزبنا ولمشروعنا السياسي. ما يجري اليوم هو امتداد لمسار من استهداف التجمع ومحاولات شطبه وملاحقته سياسيًا على مدار ثلاثة عقود”.
وذكّر بأن التجمع طرح “مشروعًا يقوم على المساواة الكاملة، والمواطنة المتساوية، والاعتراف بحقوق شعبنا الوطنية والجماعية؛ وهو المشروع الديمقراطي الذي تمسكنا به رغم كل محاولات التضييق والإقصاء والتحريض الدائم”.
وقال “نحن نعرف طريقنا ونعرف من أين نستمد شرعيتنا. بن غفير لا يمنحنا الشرعية، ولجنة الانتخابات لا تمنحنا الشرعية. شرعيتنا نستمدها من شعبنا وأهلنا، ومن ثقتهم بنا، ومن تاريخ طويل من العمل السياسي والوطني والديمقراطي”.
وتابع “لا ننسى أن من يطالب بشطبنا هو ذاته من أدين بدعم العنف والإرهاب، وتنضم إليه جوقة محرضين دعمت الإبادة وطالبت بالتجويع وحرضت على قتل مدنيين في غزة وغيرها”.
وأكد ضرورة خوض “المعركة القانونية والسياسية بكل مسؤولية، ولن ننسى معركتنا السياسية الأكبر، أي الدفاع عن شرعية مجتمعنا وحقوقه السياسية وإسقاط الحكومة ومشروعها السياسي الفاشي. وسنبقى واثقين بطريقنا. ومعك أبو الناجي وإلى جانبك”.
… وكاسيف
وقال كاسيف عقب قرار شطبه: “تسعى اللجنة ليس لإبعاد الأصوات العربية فحسب، بل أيضًا إلى إسكات أي صوت يحاول تقديم بديل حقيقي لخطاب الحروب والانتقام، وإقصائه من الكنيست”.
وتابع: “لا يوجد تناقض بين إدانتي لمذابح غزة وجرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في القطاع وفي الضفة الغربية، وإدانتي لمجزرة 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023”.
وأضاف كاسيف: “اتبعت دومًا نمط المعارضة المنهجية للعنف والنضال من أجل حقوق الإنسان والعدالة والسلام، وهو نمط مستمد من الفكر والتراث اليهودي أيضًا”.
خلفية القرارات
وكانت لجنة الانتخابات المركزية قد بدأت، صباح الأربعاء، اجتماعاتها لبحث سلسلة من طلبات شطب قوائم ومرشحين يخوضون انتخابات الكنيست الـ26، على أن تتواصل مداولاتها يوم الخميس.
وبدأت اللجنة النظر في طلبات شطب قوائم “المشتركة” و”الموحدة” و”الديمقراطيين” و”عظمة يهودية” و”الصهيونية الدينية”، إضافة إلى طلبي شطب المرشحين في “المشتركة”، و”الموحدة”.
وفي بداية حديثه، قال رئيس لجنة الانتخابات القاضي نوعام سولبرغ إنه يجب الاعتماد على نصوص وأقوال واضحة ومنهجية للتحريض على العمل المسلح أو نفي الطابع اليهودي والديمقراطي، وليس مجرد تحليلات وتصريحات هامشية.
وقبيل انعقاد اللجنة، أعلن حزب “يشار” برئاسة غادي آيزنكوت دعمه قرار شطب أبو شحادة، فيما أعلن رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان دعمه شطب “المشتركة” و”الموحدة” وسامي أبو شحادة وعوفر كاسيف.
أما رئيس المعارضة يائير لبيد، فقال إن المحكمة العليا ألغت مرارًا قرارات لجنة الانتخابات المركزية، وإنه لن يشارك في هذا “العرض المسرحي”، لكنه يؤيد من حيث المبدأ شطب أبو شحادة.
وكانت لجنة الانتخابات المركزية، وهي لجنة سياسية يتحكم بها الائتلاف الحاكم، قد ألغت منذ البداية طلبًا قدمه حزب “الديمقراطيين” لشطب ترشيح بن غفير.
كما قدم حزب “عظمة يهودية”، برئاسة بن غفير المدان بالإرهاب، طلبًا لشطب حزب غولان، نائب قائد الجيش سابقًا.
وسبق للجنة أن شطبت قوائم عربية في الكثير من الجولات الانتخابية، غير أن المحكمة العليا ألغت قرارات الشطب على أساس عدم وجود مسوغات قانونية كافية.
وكان مراقبون سياسيون وخبراء قانونيون قد توقعوا، قبل صدور القرارات، أن تبادر لجنة الانتخابات المركزية إلى شطب “المشتركة” و”الموحدة” وكاسيف وأبو شحادة، بدعم نواب من أحزاب المعارضة، وأن تلغي المحكمة العليا لاحقًا قرارات اللجنة.
غير أنهم قالوا إن مسألة سامي أبو شحادة مختلفة وأكثر تعقيدًا بسبب مقال نشره في 8 تشرين الأول / أكتوبر بعنوان “طوفان الأقصى: ملاحظات أولية”، قال في بدايته: “بات واضحًا أن معركة طوفان الأقصى حدث تاريخي مهم بالمفهوم العسكري والسياسي والاستراتيجي، وستكون له دلالاته وتبعاته ونتائجه مع انقشاع غبار المعركة”.
وقال في المقال أيضًا إن “ما جرى ويجري حتى هذه اللحظة يتماشى تمامًا مع قانون الفيزياء الذي نعرفه جميعًا، أن كثرة الضغط تؤدي إلى الانفجار. عشرات سنوات الاحتلال والحصار واغتيال القيادات والقتل اليومي للناس وانتهاكات حرمات أبناء الشعب الفلسطيني وممتلكاته ومقدساته، ذلك كله ليس من الممكن إلا أن يؤدي إلى ردة فعل. المفاجأة الحقيقية قدرة التحمل للشعب الفلسطيني إلى أن وصل إلى نقطة الانفجار”.
وفي المقال، وفي سياق المقارنات، قال أبو شحادة إنه “إذا استطاعت غزة الصغيرة والمحاصرة أن تقوم بذلك وعلى هذا المستوى، فغيرها يستطيع أن يقوم بذلك بشكل أنجع وأبسط”.
ودعا في المقال المقاومة إلى إشراك “منظمة التحرير الفلسطينية”، بكامل مكوناتها، في المسار السياسي الذي ستفتحه المعركة.
سوابق قضائية
وفي اليوم السابق لقرارات الشطب، قدمت المستشارة القضائية لحكومة الاحتلال، بهاراف ميارا، مذكرة إلى لجنة الانتخابات المركزية لم توقعها بنفسها، بل وقعها نوابها، ودعت فيها إلى فحص طلب شطب أبو شحادة بجدية، لكنها لم توص بالشطب وأبقت الباب غير مغلق تمامًا أمامه.
واستعرضت المستشارة بالتفصيل أمثلة من الماضي، شملت أحزابًا عربية ونوابًا عربًا، من عزمي بشارة وهبة يزبك وكاسيف وأحمد الطيبي، إضافة إلى نماذج من قرارات قضاة المحكمة العليا الذين تداولوا قرارات شطب للجنة الانتخابات المركزية بناء على “قانون أساس: الكنيست، المادة 7أ”.
وينص القانون على منع أي قائمة أو شخص من ترشيح نفسه في ثلاث حالات: مناصرة العنصرية بشكل دائم ومتراكم وفعال؛ ونفي دولة إسرائيل كدولة يهودية، شريطة أن تكون الأدلة كافية ومقنعة وواضحة وقاطعة، وأن تكون الأقوال مقرونة بالأفعال؛ والتماثل مع عدو للدولة وتأييد الكفاح المسلح ضدها.
وهنا تقول ميارا إن ما انطبق على “التجمع” وعزمي بشارة وغيرهما ينطبق على أبو شحادة: صحيح أنهم رفضوا الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وطرحوا شعار “دولة مواطنيها”، لكن ذلك غير كاف من أجل تفعيل بند هذا القانون ليكون سببًا كافيًا للشطب.
وبحسب ما جاء في المذكرة، فإن رفضهم الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية لا يعني القول إنهم يعملون من أجل تفكيكها، بقدر ما يعملون من أجل تغيير طبيعتها فقط، مستندة إلى أن بشارة وغيره أقروا بحق تقرير المصير لليهود في البلاد وبإحياء اللغة العبرية وغيرها كجزء من قيام الشعب اليهودي قوميًّا.
أما الحالة الثالثة التي يلزم فيها القانون بالشطب، فهي التماثل مع عدو للدولة وتأييد الكفاح المسلح ضدها.
وبادرت مذكرة المستشارة إلى ترجمة مقال سامي أبو شحادة كاملًا، ووصفت المقال بأنه خطير بسبب مضمونه وتوقيته، لكنها لم تخلص في السطر الأخير من مذكرتها إلى التوصية بشطبه.
وقالت ميارا في مذكرتها: “صحيح أنه لا توجد كمية كبيرة من الأدلة حول نشاط متكرر ومنهجي على مدار سنوات لتأييد عدو ولطريق الإرهاب من أجل تحقيق الهدف، لكن المقال يستبطن خطورة خاصة في ظروف السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وهي حدث دام لم يبحث بعد في المحكمة العليا”.
ومن جهة أخرى، قالت ميارا إن أبو شحادة لم يتحفظ في المقال من الهجمة الإجرامية، وإن المقال يحتوي على رسائل تبدو مانحة للشرعية للهجمة، مع التركيز على ثمارها المحتملة.
وشددت ميارا، بخط بارز، على الفقرة في المقال التي تتحدث عن قدرة “غزة الصغيرة المحاصرة”، ورفضت ادعاء أبو شحادة أن ما كتبه كان مقالًا تحليليًا لا تعبيرًا عن موقف سياسي.
وأضافت: “بل للأسف، ما ورد في المقال دعم للكفاح المسلح لمنظمة إرهابية ضد إسرائيل”.
وقالت ميارا إن توقيت المقال صعب جدًا، كونه كتب في 7 تشرين الأول / أكتوبر وأرسل إلى الصحيفة، فنشر في اليوم التالي، 8 تشرين الأول / أكتوبر.
ورفضت توضيح أبو شحادة الوارد في تصريحه إلى لجنة الانتخابات المركزية، الذي قال فيه إنه كتب المقال قبل أن تتضح معالم هجمة “حماس”، وإنه لو كان يعلم بأعداد القتلى من المدنيين لغير رأيه وأدانها.
وقال أبو شحادة في تصريحه: “أنا ملتزم بالمواثيق الكونية الخاصة بحياة الإنسان وكرامته وحقوقه، وهجمة حماس كادت تطالني أنا وعائلتي في يافا”.
غير أن ميارا رفضت ذلك، وقالت إن “الصورة كانت واضحة” منذ الساعات الأولى لـ”طوفان الأقصى”، وإن أبو شحادة، في تصريحه، يذكر بدعوته المقاومة إلى العمل الدبلوماسي وإلى ضم “منظمة التحرير الفلسطينية”، لكنه يتجاهل نقاطًا أخرى وردت في مقاله.
كما رفضت ميارا ورقة رأي قدمها المحاضر في العلوم السياسية في جامعة حيفا البروفيسور أسعد غانم وفيها اعتبر أن مقال أبو شحادة تحليلي لا مقال رأي.
