يثير قرار ما يُسمى بـ"مجلس السلام" مواصلة سياسته الرافضة لإشراك وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في أعماله بقطاع غزة، تساؤلات تتجاوز البعد الإنساني المباشر، لتطال مستقبل الوكالة وولايتها الدولية، وانعكاسات ذلك على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة.
وفي وقت يقدم فيه المجلس موقفه في إطار الحديث عن الاعتماد على "شركاء موثوقين" وتوفير احتياجات سكان القطاع، يحذر مختصون فلسطينيون من أن استبعاد الوكالة الأممية قد يؤدي عملياً إلى إضعاف قدرتها على تنفيذ ولايتها، ويفتح الباب أمام إعادة صياغة الدور الدولي في غزة، بما قد ينعكس على طبيعة التعاطي مع قضية اللاجئين وحقوقهم.
ويرى أستاذ القانون الدولي والخبير في الشؤون القانونية للاجئين الفلسطينيين، مدير المؤسسة الفلسطينية لحقوق الانسان "شاهد"، محمود الحنفي، أن جوهر الإشكالية يكمن أولاً في الطبيعة القانونية لـ"أونروا" والجهة التي تملك صلاحية تحديد ولايتها أو إنهائها.
وقال الحنفي، في تصريح خاص لـ"قدس برس"، إن "أونروا" أُنشئت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لعام 1949، مشدداً على أن الوكالة "لم تنشئها دولة بعينها، وإنما أنشأها المجتمع الدولي وإرادة دولية"، وأن الجمعية العامة واصلت لاحقاً تجديد ولايتها ودعم استمرار عملها.
وأوضح أن إلغاء الولاية القانونية لـ"أونروا" لا يمكن أن يتم بقرار من جهة أخرى غير الجهة التي أنشأتها، قائلاً: "الذي أنشأ هو الذي يلغي، والذي أنشأ "أونروا" هي الجمعية العامة، ومن يستطيع أن يلغيها هي الجمعية العامة".
تفريغ الولاية من مضمونها
وحذّر الحنفي من أن استبعاد "أونروا" من العمل لا يعني بالضرورة إلغاء وجودها القانوني، لكنه قد يؤدي عملياً إلى "تفريغها من مضمونها"، عبر منعها من ممارسة مهامها وتقييد حركة موظفيها وقدرتها على العمل، بما قد يحولها مع مرور الوقت إلى منظمة قائمة من الناحية القانونية، لكنها ضعيفة أو غير فاعلة على المستوى العملي.
وأشار إلى أن خطورة هذا المسار لا تظهر بالضرورة بصورة فورية، وإنما في تداعياته بعيدة المدى، إذ إن إضعاف قدرة الوكالة على تقديم خدماتها قد يفتح لاحقاً الباب أمام التشكيك في جدوى استمرارها، بذريعة عدم قدرتها على أداء المهام التي أنشئت من أجلها.
وأكد أن القضية لا تتعلق بمنظمة إغاثية عادية، وإنما بوكالة دولية تمتلك خبرة تراكمية واسعة في التعامل مع قضايا اللاجئين الفلسطينيين وتقدم خدمات لملايين اللاجئين، مشدداً على أنه "لا تستطيع أي منظمة دولية أخرى القيام بمهامها" بالخبرة والقدرات نفسها.
وتوقف الحنفي كذلك عند ما وصفه بـ"التناقض" في التعامل مع "أونروا"، في ظل وجود أطر دولية أخرى يجري منحها أدواراً في قطاع غزة، متسائلاً عن كيفية إنشاء إطار دولي جديد تكون إحدى نتائجه العملية استبعاد إطار قائم أنشأته الأمم المتحدة نفسها.
وأوضح أن مجلس الأمن قد يمتلك القدرة على إنشاء آليات لإدخال المساعدات أو إعادة الإعمار أو تنفيذ مهام إنسانية بالتعاون مع منظمات دولية، لكن ذلك، وفق رؤيته، لا يلغي الولاية التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة للأونروا.
وحذّر من أن تداعيات استبعاد الوكالة من غزة قد لا تتوقف عند القطاع، إذ تشمل ولايتها اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وسوريا ولبنان والأردن، متسائلاً عما إذا كان المسار الحالي يمكن أن يمتد مستقبلاً إلى مناطق عملياتها الأخرى.
استبعاد أونروا يستهدف قضية اللاجئين ويمهّد لتحويلها من سياسية إلى إنسانية
من جهته، اعتبر مدير عام "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين" علي هويدي أن استبعاد "أونروا" من قطاع غزة يمثل تكريساً عملياً لسياسة تستهدف إنهاء عمل الوكالة في القطاع، محذراً من أن تداعياتها بعيدة المدى قد تطال قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
وقال هويدي في تصريح خاص لـ"قدس برس" إن الحفاظ على اللاجئين الفلسطينيين والخدمات المقدمة لهم "يستوجب تعزيز دور وكالة "أونروا"، مؤكداً عدم وجود مؤسسة أخرى قادرة على تحمل المسؤوليات التي تضطلع بها الوكالة، سواء لناحية حجم جهازها الوظيفي أو طبيعة الخدمات التي تقدمها.
وأشار إلى أن "أونروا" تقدم خدمات في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة، فضلاً عن أعمال البنية التحتية في مخيمات اللاجئين، معتبراً أن استبعادها يتماهى، بحسب تقديره، مع رؤية الإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي تجاه مستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وقال إن استهداف الوكالة يمثل، وفق قراءته، "مقدمة لاستهداف قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة"، محذراً من أن إضعاف حضورها قد يفضي تدريجياً إلى طمس البعد السياسي والقانوني لقضية اللاجئين.
الجمعية العامة صاحبة الولاية
وشدد هويدي على أن إنهاء عمل "أونروا" أو تعديل مهامها ومناطق عملياتها يعود إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبارها الجهة التي أنشأت الوكالة.
وأوضح أن "أونروا" تأسست عام 1949 بموجب القرار 302، وبالتالي فإن أي تغيير في ولايتها أو مهامها أو مناطق عملها "يتعلق فقط بالجمعية العامة للأمم المتحدة"، وفق تعبيره.
ودعا هويدي الأمم المتحدة إلى تحمل مسؤولياتها تجاه إحدى وكالاتها، منتقداً الاكتفاء ببيانات القلق والرفض والتحذير، دون اتخاذ إجراءات عملية، وطالب بتحرك دولي أكثر فاعلية لحماية عمل الوكالة ومنشآتها وموظفيها.
وفي ملف إعادة إعمار غزة، شدد على أهمية استمرار دور "أونروا"، ولا سيما في ما يتعلق بالبنية التحتية لمخيمات اللاجئين، إلى جانب قطاعات الصحة والتعليم والإغاثة.
وحذّر من أن استبعاد الوكالة على المدى البعيد قد يقود إلى إزالة مصطلح "لاجئ" من التداول السياسي والتعامل مع الفلسطينيين في غزة بوصفهم سكاناً يحتاجون إلى الغذاء والدواء والإيواء والخدمات الإنسانية فقط.
وقال إن الاحتياجات الإنسانية للاجئين مهمة، "لكن حاجتهم الأساسية والرئيسية هي حاجة سياسية"، في إشارة إلى قضية حق العودة.
إقصاء المؤسسات الدولية قد يعيد صياغة قضية غزة وفق رؤية إسرائيلية
وفي قراءة سياسية للمسار، قال الباحث في الشأن الإسرائيلي، محمد القيق، إن التعامل مع ملف قطاع غزة يجب ألا يكون بمعزل عن المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية، محذراً من أن إقصاء المؤسسات ذات التوافق الدولي من القطاع قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة القضية الفلسطينية وفق رؤية إسرائيلية وأمريكية.
وأوضح القيق أن الاحتلال الإسرائيلي يرى في الانقسام الفلسطيني بين قطاع غزة والضفة الغربية وسيلة للتهرب من استحقاق إقامة دولة فلسطينية مستقلة، معتبراً أن إلغاء حضور المؤسسات الدولية في غزة من شأنه، وفق تقديره، جعل القرار الدولي بشأن القطاع "بمقاس إسرائيل والولايات المتحدة".
ورأى أن "مجلس السلام" يسعى إلى تقديم نفسه كإطار بديل للتعامل مع النزاعات والصراعات، وأن موقفه من الأونروا يحمل، بحسب قراءته، دلالات تتجاوز الجانب الإنساني للوكالة، وتمس بصورة مباشرة قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة.
وقال إن عدم الاعتراف بدور "أونروا" يمثل، وفق رؤيته، محاولة لـ"إلغاء النكبة" وتجاوز تداعياتها السياسية والقانونية، مشيراً إلى أن إضعاف الوكالة وإقصاء دور الأمم المتحدة من غزة قد يؤديان إلى تراجع حضور القضية الفلسطينية في المؤسسات الدولية لصالح رواية أخرى حول الصراع.
وختم القيق بالقول إن ما يجري يمثل، وفق قراءته، محاولة لـ"إعادة رسم الرواية الإسرائيلية بمسميات جديدة، وهذه المرة تحت مسمى مجلس السلام".
استبعاد الأونروا يهدد حق العودة ويحوّل المساعدات إلى أداة ضغط
بدوره، حذّر الكاتب والمحلل السياسي سعيد إنجاص من التداعيات السياسية والإنسانية المترتبة على استبعاد الأونروا من قطاع غزة، معتبراً أن تغليف الخطوة بشعارات "تقليص الاعتماد على المساعدات" وبناء "اقتصاد مستدام" لا يلغي تداعياتها على قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وقال إنجاص إن استهداف "أونروا" لا يتعلق فقط بالدور الإغاثي والخدماتي الذي تؤديه، وإنما يمس أحد "الشواهد التاريخية" على قضية اللاجئين وحق العودة.
وأضاف أن الوكالة "ليست مجرد وكالة تقدم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية، بل تمثل أيضاً تجسيداً للمسؤولية الدولية تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين"، محذراً من أن استبدالها بهيئات أخرى قد ينقل المساعدات من إطارها الإنساني إلى إطار تحكمه شروط سياسية وأمنية.
وأشار إلى أن الأونروا تمتلك شبكة واسعة من المنشآت والخدمات داخل قطاع غزة، تشمل مراكز الإيواء والمدارس والمرافق الصحية، لافتاً إلى صعوبة إيجاد جهة قادرة على الحلول محل هذه المنظومة بصورة فورية وشاملة.
وانتقد إنجاص الحديث عن بناء "اقتصاد مستدام" في قطاع غزة في ظل الدمار والقيود المفروضة على الحركة والبنية التحتية والموارد الأساسية، متسائلاً: "كيف يمكن الحديث عن اقتصاد مستدام في بيئة تعاني من الدمار، وتفتقر إلى مقومات الطاقة والبنية التحتية وحرية الحركة، في ظل استمرار الاحتلال والحصار؟".
ورأى أن طرح التنمية الاقتصادية بمعزل عن معالجة الحقوق السياسية والوطنية للفلسطينيين قد يؤدي إلى "تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية ووطنية إلى ملف اقتصادي وإنساني".
وتأسست وكالة "أونروا" بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 الصادر في 8 كانون الأول/ديسمبر 1949، وبدأت عملياتها في أيار/مايو 1950. وينص القرار على إنشاء الوكالة لتنفيذ برامج الإغاثة والأشغال للاجئين الفلسطينيين، فيما تطورت ولايتها عبر قرارات لاحقة للجمعية العامة لتشمل مجموعة واسعة من الخدمات والمساعدات.
وفي 5 كانون الأول/ديسمبر 2025، جددت الجمعية العامة للأمم المتحدة ولاية أونروا حتى 30 حزيران/يونيو 2029، بأغلبية 151 دولة مقابل 10 دول، مع تأكيدها ضرورة استمرار عمل الوكالة وتقديم خدماتها للاجئين الفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضيتهم.
كما شددت الجمعية على أهمية عمل الوكالة واستمرار تقديم خدماتها في غزة وسائر مناطق عملياتها.
ويشمل نطاق عمليات أونروا قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، إضافة إلى الأردن ولبنان وسوريا، فيما تقدم خدمات في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية للمخيمات والحماية وغيرها. وتؤكد الأمم المتحدة أن قرارات الجمعية العامة هي المصدر الأساسي لولاية الوكالة.
ويأتي الجدل الحالي في ظل إعلان "مجلس السلام" في وقت سابق من العام رفض إشراك أونروا في ترتيباته المتعلقة بقطاع غزة، قبل أن يجدد في الأيام الأخيرة موقفه الرافض للتعاون معها، الأمر الذي أعاد ملف مستقبل الوكالة ودورها في القطاع إلى واجهة النقاش السياسي والإنساني.
