غزة- «القدس العربي»: تحت وطأة ركامٍ لا يرحم، وفي قلب جغرافيا الموت التي رسمتها طائرات الاحتلال، تتجسّد تراجيديا الصمود في غزة بأبشع صورها؛ حيث تغدو جدران المنازل المصدوعة حكاياتٍ منسية تحت غبار الدمار. هنا، في حيّ الشيخ رضوان بمدينة غزة، لا يُتنفّس الهواء، بل تفوح فقط رائحة الإسمنت المحطّم، وبرودة الشتاء القاسية التي تتسلّل من بين شقوق الجدران، لترسم ملامح حياةٍ معلّقة بين ثبات الإرادة وهشاشة المكان.
في هذا الركن المنسي من المدينة، تعيش عائلة أبو النور الغول؛ ثلاثون فردًا يتقاسمون منزلًا آيلًا للسقوط، كأنهم يتقاسمون خوفًا واحدًا طويلًا لا ينتهي. البيت، الذي نجا جزئيًا من القصف، لم ينجُ من مصيرٍ أشد قسوة: أن يتحوّل إلى فخٍّ يومي يهدد ساكنيه بالموت في كل لحظة صمت.
عدسة كاميرا «القدس العربي» أبت إلا أن تنظر بعينٍ حانية إلى خطوات أمّ النور، المسنّة الستينية، ربّة الأسرة المنكوبة. تتوكأ على عصاها ووجعها، وتنزل درجاتٍ من الحطام، وكأنها تعبر جسرًا مهترئًا يربط بين ذكريات الأمس وخوف الغد. خطواتها بطيئة، محسوبة، كأنها تخشى أن توقظ الجدران المتعبة من سباتها الهش. هنا لا يبدو البيت مكانًا للسكن، «بل شاهدًا على عمرٍ كاملٍ انكسر دفعة واحدة»، هكذا لخّصت المرأة، المتعثّرة في السن والهمّ، وجعها في جملة واحدة.
في الداخل، ينقلب مفهوم «البيت»، كما وثّقته «القدس العربي»، من مأوى آمن إلى ساحةٍ للمواجهة اليومية مع الفناء. الأسقف المتدلّية كخناجر من الإسمنت، والشقوق التي تشبه ندوبًا غائرة في جسد المكان، تروي قصة عائلةٍ ترفض الرحيل، رغم أن الموت يتربّص بها فوق رؤوسها.
في صالة المنزل يقف أبو النور، ربّ الأسرة، رجل مسنّ في أواخر الستينيات من عمره، يتأمّل بعينٍ اعتادت الترقّب السقفَ الذي لامس الأرض من شدّة الانحناء. صوته يخرج منخفضًا، كأن الجدران تسمع: «نحن نحاول البقاء في هذا المنزل، لكننا نعيش في خوفٍ دائم. في أية لحظة قد ينهار علينا، كما حدث لجيراننا في المباني المجاورة. الرعب لم يفارقنا حتى الآن، فالانهيار الذي وقع كان أشد وطأة من صوت الانفجار نفسه».
بين كلماته، يمرّ صريرٌ خفيف صادر عن الحديد العاري في الجدران، فيتوقّف الحديث لحظة، ثم يُستأنف، كما لو أن الخوف نفسه صار جزءًا من الحوار اليومي. في هذا البيت، لا أحد يرفع صوته، ولا أحد يطمئن بالكامل.
الملابس المغسولة معلّقة على حبالٍ مشدودة بين ركامٍ وبقايا جدار، تتأرجح مع رياح الشتاء كأنها رايات استمرار الحياة في قلب العدم. قمصان أطفال، أثواب نساء، وبقايا معاطف شتوية، كلّها تشهد على وجود ثلاثين إنسانًا يحاولون التمسّك بعادة بسيطة: أن تكون لهم ملابس نظيفة، حتى لو كان السقف فوق رؤوسهم مهدّدًا بالانهيار.
ملامح العائلة تجسّد صمتًا أبلغ من كل الكلمات. عيون الأطفال التي اعتادت رؤية القضبان الحديدية البارزة من الجدران بدل الألعاب، ووجوه الكبار المثقلة بهموم المنخفضات الجوية التي تزيد من وطأة الأسقف المتهالكة. هنا، لا يُسأل الطفل عمّا يريد أن يصبح حين يكبر، بل عمّا إذا كان سينجو من الشتاء القادم.
كل قطرة مطر تسقط لا تروي عطشًا، بل تزيد من احتمالية الانهيار الوشيك، محوّلةً المطر من «غيث» إلى «عبء» ثقيل قد ينهي ما تبقّى من أنفاس. السقف المتآكل لا يحتمل، والمياه تجد طريقها بسهولة إلى الداخل، كما لو أن البيت قد استسلم تمامًا.
تقول أمّ النور، بعينين أنهكهما السهر: «عندما نذهب للنوم، ننام في الأجزاء المتبقية من المنزل، وكل شيء يتسرّب منه الماء. المياه قد غمرتنا، والمفروشات كلها مبلّلة. المياه تصل أحيانًا إلى ربع متر، وهذا أمر لا يرضي الله».
تتوقّف قليلًا، تمسح دموعها بطرف شالٍ قديم، ثم تتابع وكأنها تحاسب الزمن: «نحن خائفون من موجة أمطار جديدة. سنغرق تمامًا. السطح لم يعد يحتمل، وكل منخفض جوي هو تهديد جديد».
ثلاثون روحًا
ثلاثون فردًا يعيشون في هذا الهيكل العظمي لبيتٍ فقد روحه، ولم يتبقَّ منه سوى كرامة ساكنيه وجرّات مياه صفراء تقف كشواهد على رحلة البحث الشاقة عن أدنى مقومات البقاء وسط بحرٍ من الحطام. ستّ أسر تتقاسم المكان ذاته، والخوف ذاته، والانتظار ذاته.
تنطق أمّ النور بصوتٍ يرتجف: «نحن ثلاثون فردًا نعيش هنا. كيف لا نخاف؟ نخاف على أطفالنا قبل أي شيء. ولكن إلى أين نذهب؟ حتى الخيمة لا تصلح للعيش. ما هي الخيمة؟ لدينا أطفال صغار، نريد كرفانًا نقيم فيه».
في حديثها، يظهر ثقل العمر والمرض. زوجها المسنّ يعاني من السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض مزمنة، ولا يقوى على العيش في خيمة، ولا على مواجهة برد الشتاء في العراء. «من الظلم أن يقيم رجل مسنّ في خيمة»، تقولها وكأنها حقيقة بديهية لا تحتاج إلى شرح.
كرامةٌ مهدورة
«بعد أن كنا معزّزين مكرّمين في بيوتنا، حيث كان منزلنا يضم عشر شقق، لم يكن أبناؤنا يتجاوزون باب الحي»، يعلو صوت أمّ النور بتلك الكلمات، ثم ينكسر: «أمّا الآن، فنحن نعيش في الشارع. ملابسنا تُنشر في الشارع، لا نجد مكانًا للإقامة، ولا نستطيع فعل شيء».
في الجملة السابقة، تختصر المرأة مسافة السقوط من بيتٍ واسعٍ إلى ركنٍ مهدّد، ومن خصوصيةٍ كاملة إلى حياة مكشوفة أمام الجميع. الكرامة هنا لا تُهدر دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، مع كل ليلة مطر، وكل رفض لمناشدة.
حصارٌ صامت
إنها ليست مجرد حجارة مكدّسة، بل نبضات قلوبٍ تتسارع مع كل صريرٍ يصدره السقف المنحني. في غزة، يصبح السكن في منزلٍ آيل للسقوط فصلًا من فصول حرب الإبادة، حيث لا يكتفي الاحتلال بقتل البشر بالصواريخ، بل يتركهم في مواجهة مباشرة مع الطبيعة وقوانين الجاذبية الغادرة. وسط الحصار المشدّد، والقيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على دخول المساعدات، وتعطيل عمل المنظمات الإنسانية رغم الهدنة، تقف عائلة أبو النور في انتظار خيمة لا تأتي، وشادر يُرفض، وكأن الطلب ذاته صار ترفًا لا يحق لهم.
بحرقة تقول أمّ النور: «طالبنا لجنة الطوارئ بإعطائنا شادرًا، لكنهم يرفضون ويقولون لنا: لا يوجد لكم».
صرخةُ انتظار
ورغم كلمات أمّ النور التي أبكت جدران المنزل ترابًا، يظل الموت شبحًا حاضرًا في زوايا الغرف، بانتظار عاصفةٍ قد تكتب الفصل الأخير من هذه الحكاية المثقلة بالوجع. في كل ليلة، حين يهدأ الصوت، لا يهدأ الخوف. وحين ينام الأطفال، لا تنام الأسقف.
لا تطلب عائلة أبو النور سوى أن يُنظر إليها. ترفع أمّهم صوتها، لا لتصرخ، بل لتُسمَع: «انظروا إلينا… انظروا إلينا. لا أحد ينظر إلينا، ولا حتى البشر يبالون بنا». فبين سقفٍ مائل ومطرٍ قاتل، تعيش ثلاثون روحًا انتظارًا مفتوحًا لا يعرف نهاية: انتظار خيمة، انتظار شادر، انتظار رحمة، في مدينة اعتادت أن تحيا على هامش الإنسانية، وأن تؤجّل السقوط يومًا بعد يوم.
