استمر الفتح الشكلي لمعبر رفح المخصص لخروج وعودة المرضى إلى قطاع غزة، بسبب الإجراءات الإسرائيلية المشددة، والتي تحكمت بعدد العائدين بعد إخضاعهم لعمليات تفتيش دقيقة خلال العودة، أخرت وصولهم إلى ذويهم حتى ساعة متأخرة من الليل. وتحدث العائدون عن إذلال كبير بسبب القيود الإسرائيلية التي حولت المعبر إلى ما يشبه السجن.
ولليوم الثاني على التوالي، فتحت سلطات الاحتلال معبر رفح البري، لخروج ودخول عدد محدود جدا من مرضى غزة، وعودة عدد أقل من الذين أنهوا علاجهم في المشافي المصرية.
آلية سفر صعبة
وبعد تجميع المغادرين من مرضى ومرافقيهم، في نقطة عند مشفى الهلال الأحمر غرب مدينة خان يونس، بإشراف من منظمة الصحة العالمية، نقل هؤلاء عبر حافلة بعد التدقيق في هوياتهم إلى معبر كرم أبو سالم الإسرائيلي على الحدود الشرقية لمدينة رفح، ومنه نقلوا كما اليوم الأول إلى معبر رفح.
وجرى تجميع المواطنين واستقلالهم الحافلة في ساعة مبكرة من صبيحة الثلاثاء، بعد أن حمل كل منهم حقيبة صغيرة الحجم، والأوراق الثبوتية اللازمة لسفره بما فيها التقارير والتحويلة الطبية.
ووفقا لمصادر في وزارة الصحة بغزة، التي توكل لها مهمة اختيار المرضى، فإن 16 مريضا، هم الدفعة الثانية من المسافرين للعلاج بالخارج، وهو عدد قليل جدا إذا ما قورن بـ20 ألف مريض ينتظرون الخروج للعلاج في الخارج، لعدم توفر علاج لهم في مشافي غزة.
وقالت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إنها واصلت جهودها الإنسانية في إجلاء المرضى للعلاج في الخارج، حيث جرى استقبال 16 مريضًا يرافقهم 40 مرافقًا في مستشفى التأهيل الطبي التابع للجمعية بمدينة خان يونس، ضمن تنسيق مع منظمة الصحة العالمية وفي اليوم الثاني لفتح معبر رفح البري.
وبالحديث عن معاناة السفر بسبب الإجراءات المعقدة التي فرضتها سلطات الاحتلال في الجانب الفلسطيني من المعبر، فقد بدا التعب والإرهاق على وجوه العائدين إلى غزة.
وبكى الكثير منهم لحظة نزولهم من الحافلات عند اللقاء بأقاربهم، وقد أعلنت وزارة الداخلية في غزة، أنها بعد متابعة الأجهزة المختصة بعمل المعبر، تبين أنه غادر قطاع غزة 8 مواطنين من المرضى ومرافقيهم، في حين وصل القطاع 12 مواطناً في ساعة متأخرة من الليل، وهم 9 نساء و3 أطفال، حيث قُدمت لهم الرعاية الفورية وإتمام إجراءات الوصول.
ووفقا لمصادر في الجانب الفلسطيني من المعبر، فإن السلطات الإسرائيلية رفضت دخول غالبية العائدين، وأرجعت 30 منهم في اليوم الأول، ومنعتهم من العودة إلى القطاع.
استجواب واستعانة بالمليشيات
لكن الأخطر كان ما روته سيدة مسنة، عما واجهه العائدون بعد إجراءات مريرة في الجانب الفلسطيني من المعبر، الذي يخضع لمراقبة وتفتيش إسرائيلي، حيث قالت إنه جرى إيقاف الحافلة التي تقلهم في منطقة نفوذ إحدى المليشيات المسلحة التي تلاقي دعما من إسرائيل شرق مدينة رفح، وهناك قام اثنان ومعهم فتاة من المليشيا باقتياد العائدين إلى ثكنة إسرائيلية، حيث أخضعوا للتحقيق لمدة ساعتين من قبل ضباط إسرائيليين.
وقد أشادت هذه السيدة بإجراءات السفر التي تمت على الجانب المصري من المعبر، وقالت إن الطواقم هناك سهّلت عملية العودة، قبل أن يواجهوا تعقيدات وتشديدا كبيرا من سلطات الاحتلال.
وانهارت إحدى السيدات وهي في العقد الثالث من العمر بالبكاء، ورددت وهي تصرح “لا للتهجير، ما حد يهاجر”، وقالت في تسجيل مصور جرى تناقله على مواقع التواصل الاجتماعي، إنها ووالدتها وسيدة أخرى، جرى تعصيب أعينهن واقتيادهن للتحقيق، من بين الـ12 العائدين.
وقالت: “سألنا (الضابط الإسرائيلي)، عن حاجات ما بنعرفها ولا إلنا دخل فيها”، لافتة إلى أن الأسئلة تمحورت حول حركة “حماس” والهجرة من غزة وأحداث السابع من أكتوبر.
وأشارت إلى أن الضابط الإسرائيلي طلب من إحدى النساء التعامل معهم، وأنه هددهن بقتل أطفالهن وأخذهن أسيرات، لافتة إلى أن الإجراءات توحي بخطط لخفض عدد المسافرين العائدين إلى غزة.
وقالت إن جنود الاحتلال منعوهم من حمل أي أشياء إلى غزة سوى الملابس، وأن أحد الجنود صادر دمية من يد طفلة وقال حين طلبتها “ممنوع”.
ونقل رجل رواية إحدى قريباته العائدات إن الجانب الفلسطيني من المعبر تحول إلى “سجن”، حيث الأسلاك الشائكة في كل مكان.
وأشار إلى أن العائدين تعرضوا بعد التفتيش الدقيق من الجانب الإسرائيلي لمصادرة أجهزة اتصال وأدوات كهربائية وكل ما هو طعام، وأضاف: “أبلغتنا أن العائدين تعرضوا لاستجواب ميداني من قبل ضباط إسرائيليين”، لافتا إلى أن الأسئلة تمحورت حول ما الذي كان يفعله العائدون في مصر، فيما كان التفتيش الذاتي دقيقا جدا، ولم يسمح لكل مسافر سوى بحقيبة سفر واحدة.
وأقام الجيش الإسرائيلي العديد من الإنشاءات داخل المعبر، كان من بينها وضع أسلاك شائكة حول ممرات الدخول والخروج، إضافة إلى وضع كاميرات وأجهزة مراقبة دقيقة.
واستبدل مكاتب الموظفين وصالات السفر التي كانت قائمة قبل تدميرها خلال اجتياح رفح، بغرف متنقلة “كرفانات”، ومكث المسافرون لساعات طويلة في الجانب الفلسطيني قبل نقلهم إلى داخل قطاع غزة.
وبدا أن الهدف من وراء ذلك هو إذلال العائدين، ودفع الباقين الراغبين في العودة إلى العدول عن قراراتهم، فيما لا يزال الكثير من العالقين في مصر يواصلون التسجيل عبر رابط إلكتروني أنشأته السفارة الفلسطينية في القاهرة.
وقال الناطق باسم حركة فتح منذر الحايك معقبا على هذه الإجراءات: “الاحتلال يواصل فرض قيود صارمة على معبر رفح، ويتنصل من التفاهمات المتعلقة بسفر المرضى، رغم وجود آلية دولية ومراقبين من الاتحاد الأوروبي”.

