بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

إبستين وجمهورية الأثرياء: سقط الرجل وبقي النظام!

إبستين وجمهورية الأثرياء: سقط الرجل وبقي النظام!

لا مفر اليوم. أينما وليت وجهك نحو الشاشات المحلية أو العالمية، ستطاردك رائحة الفضيحة، التي أزكمت أنوف العالم. طوفان جديد من الوثائق والتسريبات ينفجر في وجه الجميع، ليعيد فتح الصندوق الأسود لـ «جيفري إبستين»؛ ذلك العقل المدبر الذي بنى في العتمة إمبراطورية نفوذ طاغية، قوامها استعباد الأرواح، وشراء الذمم، وابتزاز سادة العالم. وتتسابق القنوات الإخبارية لعرض أسماء الشخصيات اللامعة التي وردت في رسائله الإلكترونية، وتُعقد حولها طاولات الحوار والتحليل المليئة بعلامات التعجب والدهشة. يشعر المشاهد العادي بصدمة وهو يرى قادة سياسيين، ومفكرين، ومصرفيين، نجوماً يتساقطون في شباك هذه الفضيحة. ومع ذلك، فإن قراءة متأنية وعقلانية لهذه التسريبات تقودنا إلى استنتاج بسيط: هذه الفضيحة متوقعة تماماً، وتمثل نتاجاً طبيعياً لبيئة النظام الأمريكي، الذي تتزاوج فيها الثروة الفاحشة مع السلطة المطلقة.

تتجاوز القضية تفاصيل الانتهاكات الفردية لتسلط الضوء على تشريح دقيق لطبقة الـ 0.01 % من أثرياء العالم. الثراء الفاحش، في بنيته العميقة وفي غياب المساءلة الصارمة، يحمل في طياته بالضرورة بذور الفساد بأشكال متعددة. وما كذب العربي الذي قال «إن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»، فالأثرياء الذين يمتلكون القدرة على شراء كل شيء، يتجهون تدريجياً نحو شراء القيم، والمبادئ، وحتى القوانين.

ما فعله إبستين هو تأسيس منظومة خداع اجتماعي؛ حيث استثمر في رغبات واحتياجات وانحرافات هذه الطبقة المخملية، محولاً العلاقات الإنسانية إلى عملة صعبة تُصرف في بنوك النفوذ والمعلومات، ليضمن استمرار عجلته في الدوران حتى وهو قابع خلف القضبان.

طاولة التناقضات: التقاء الأضداد في حضرة المال

لو أردنا تلخيص المشهد العبثي لهذا النظام، يكفي أن ننظر إلى القائمة الطويلة من الأشخاص، الذين تبين أنهم كانوا على علاقة وثيقة بإبستين: رؤساء أمريكيون من الحزبين، ولوردات وسفراء وأمراء بريطانيون، بل ورموز من المفترض أن ثراءها يجنبها الوقوع في قبضة الابتزاز (بيل غيتس)، أو أن موقعها الرمزي يبعدها عن الشبهات (البابا يوحنا بولس الثاني).

تكتمل الصورة السريالية حين تكشف الرسائل عن علاقات وطيدة جمعت إبستين بشخصيات، مثل المفكر اليساري البارز نعوم تشومسكي، والمنظر اليميني المتطرف ستيف بانون.

تشومسكي، الذي طالما انتقد النخب المتسلطة في كتابه «صناعة الموافقة»، وجد نفسه يتلقى تحويلات مالية تفوق الربع مليون دولار من حسابات مرتبطة بإبستين، ويطلب منه استشارات مالية، بل ويتطوع لاحقاً ليقلل من شأن الاتهامات الموجهة إليه، واصفاً إياها بـ «الهيستيريا». وفي الوقت ذاته، كان بانون يخطط لإنتاج فيلم وثائقي لتلميع صورة إبستين.

لقد نجح إبستين في الجمع بين أقصى اليسار وأقصى اليمين، ليثبت أن المال والنفوذ يذيبان الفوارق الأيديولوجية الوهمية كافة، التي تُباع للجماهير عبر الشاشات.

شراء المناصب وتسريب أسرار الدول

تكشف الوثائق بوضوح كيف تلجأ نخب العواصم الكبرى إلى غرف خلفية لتبادل المصالح بعيداً عن أعين الرقابة الشعبية. الخطورة هنا تتجاوز الرشوة التقليدية إلى تسريب أسرار تمس الأمن الاقتصادي لدول بأكملها. الرسائل أظهرت كيف شارك البريطاني بيتر ماندلسون خططاً سرية لإنقاذ اليورو بقيمة 500 مليار يورو مع إبستين قبل إعلانها الرسمي، وكيف خضع لضغوط الأخير لتخفيف الضرائب على مكافآت المصرفيين. في المقابل، كان مديرو البنوك الكبرى، مثل جيس ستالي، يستشيرون إبستين، وهو في زنزانته حول كيفية التفاوض على رواتبهم المليونية. هذا التواطؤ يؤكد أن المناصب والقرارات السيادية في النظام الرأسمالي العالمي معروضة للبيع لمن يدفع، ولمن يمتلك مفاتيح الشبكة.

غياب الديمقراطية الحقيقية وسيطرة اللوبيات

يسوق النظام الأمريكي نفسه على أنه حارس الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، وتُبنى على هذا الأساس السرديات التي تتحكم بالرأسمالية العالمية. وتأتي قضية إبستين لتسقط هذا القناع، كاشفة عن بنية هيكلية تحكمها اللوبيات، وجماعات المصالح، ورؤوس الأموال. الديمقراطية الحقيقية تتطلب شفافية ومساواة أمام القانون، وهي عناصر غائبة تماماً في تعامل النظام الأمريكي مع طبقة المليارديرات.

الملياردير ليون بلاك دفع 158 مليون دولار لإبستين مقابل «استشارات ضريبية»، في حين أن إبستين لم يكن يمتلك أي مؤهلات أكاديمية في هذا المجال. هذه الأموال الطائلة هي في حقيقتها ثمن الانتماء إلى «النادي المغلق»، حيث تُصنع القرارات، وتُحمى الثروات من الضرائب عبر ملاذات آمنة، ووفق ترتيبات تعقد في جزر معزولة كجزيرة إبستين. هذا مشهد يفرغ مفهوم الديمقراطية برمته من مضمونه، ويحوله إلى مسرحية تُدار من قبل أقلية تملك المال وتوظفه لشراء النفوذ والحماية القانونية. الجماهير تذهب إلى صناديق الاقتراع، بينما تُتخذ القرارات الفعلية في حفلات العشاء الخاصة وعلى متن الطائرات الخاصة.

تصحيح مؤقت أم نذير أزمة عالمية؟

يحتفي البعض اليوم بسقوط إبستين وموته في السجن، ومحاسبة بعض شركائه، معتبرين ذلك دليلاً على أن «النظام يصحح نفسه». هذا الطرح يمثل نظرة سطحية للأمور. النظام الرأسمالي يمتلك براغماتية عالية تجعله يتخلص من أفراده الذين أصبحوا عبئاً عليه، بهدف حماية الهيكل العام من الانهيار. التخلص من إبستين يشبه بتر عضو مصاب بالغرغرينا لإنقاذ الجسد المريض، دون معالجة أسباب المرض الحقيقية المتمثلة في تركز الثروة وانعدام الرقابة.

نحن لسنا أمام «نهاية التاريخ» التي بشر بها البعض، حيث تنتصر الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية كنظام نهائي ومثالي للبشرية. ما نشهده هو تصدعات خطيرة في جدار هذا النظام. غياب القيادة الأخلاقية، وسيطرة النخبة الفاسدة على مقدرات العالم، يقود كوكبنا نحو أزمات وجودية.

تتفاقم التحديات من التغير المناخي إلى التفاوت الاقتصادي الصارخ، في ظل إدارة عالمية مرتهنة لمصالح ضيقة لطبقة فاسدة منحرفة.

هل ثمة من أمل في النجاة؟

رغم الجذور المتعفنة للنظام الرأسمالي الحالي، فإن التغيير يلوح في الأفق بوصفه حركة تتشكل داخل التناقضات التي أنتجها هذا النظام ذاته، ويبدو أنه يتأرجح بين مسارات ممكنة:

المسار الأول، مسار حالم، يستند إلى صحوة تنبثق من داخل قلب الهيمنة الحالية، حيث يستعيد الشعب الأمريكي موقعه بوصفه الفاعل الذي يمنح الشرعية، ويقرر كسر قبضة حكم الأثرياء واللوبيات التي اختطفت ديمقراطيته النظرية، وحولتها إلى إطار تتحرك داخله القوة بعيداً عن الإرادة العامة. هذا المسار يفترض نشوء ثورة وعي تعيد هيكلة النظامين الاقتصادي والسياسي، وتجتث سطوة المال السياسي من موقعها الذي سمح لها بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والثروة. وإذا تحقق هذا التحول، فقد يشكل لحظة انعطاف تفتح المجال أمام إصلاح جذري يتجاوز حدوده الوطنية، ويمتد أثره إلى بنية النظام العالمي.

المسار الثاني، مسار واقعي، يتجسد في تحول جيوسياسي تدريجي شامل، حيث تصعد الصين بخطى ثابتة نحو موقع القيادة العالمية، في حركة تعكس إعادة توزيع لمراكز القوة داخل النظام الدولي. هذا الصعود يحمل إمكانية تبلور نموذج يعيد تعريف قواعد التوازن، وينهي هيمنة القطب الواحد والرأسمالية الغربية المتوحشة، ويفرض معادلة جديدة تعيد ترتيب الاقتصاد العالمي وفق قواعد مختلفة عن سياسة الترقيع والنهب التي حكمت المرحلة السابقة.

أما المسار الثالث، والأكثر قتامة، فيتشكل عبر استمرار التجاهل والإنكار حتى يبلغ التراكم مداه، وتصل البشرية إلى نقطة اللا عودة، حيث تنفجر التناقضات التي جرى احتواؤها طويلاً في صورة «كارثة كبرى» تعصف باستقرار الكوكب برمته، سواء تجسدت في حرب عالمية مدمرة، أو في انهيار اقتصادي شامل يعيد رسم ملامح النظام الدولي من أساسه.

في النهاية، تمضي الفضائيات إلى حدث آخر، وتنسحب أسماء اليوم إلى أرشيف النسيان، بينما يبقى الجذر الفاسد مستقراً في عمق البنية التي أنتجته. هنا، يتحدد الأفق بين إرادة واعية تمتلك القدرة على اقتلاع هذا الجذر من موضعه، وبين مسار آخر تتحرك فيه قوى التاريخ والطبيعة وفق منطقها الخاص، فتفرض لحظة التحول بأدوات أشد قسوة، وتعيد تشكيل العالم وفق إيقاع لا يخضع لإرادة من تأخروا عن إدراك حتميته.


كاتبة لبنانية

ندى حطيط