تساءلت صحيفة “الغارديان” في تقرير لمراسلها في واشنطن، ديفيد سميث، عن السبب الذي يجعل من خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس دونالد ترامب، مساء ليلة الثلاثاء بأنه الأقل أهمية مع أنه الأطول من ناحية المدة الزمنية في سياق خطاب الرؤساء الأمريكيين في مناسبات كهذه.
وقال سميث إن ترامب أراد إلقاء خطاب ملكي، حيث دخل قاعة مجلس النواب الأمريكي، كملك من العصور الوسطى، واصطف الجمهوريون متلهفين للمس ردائه الملكي (أو، في حالتين، لالتقاط صورة سيلفي معه، ولكن في غضون لحظات، تبدد هذا الوهم).
وبينما كان الرئيس الأمريكي يمشي نحو المنصة منتفخا من الإطراء، رفع النائب الديمقراطي آل غرين من تكساس لافتة مكتوبة بخط اليد: “السود ليسوا قرودا!”، في إشارة إلى مشاركة ترامب الأخيرة لمقطع فيديو عنصري يصور الرئيس السابق، باراك أوباما وزوجته ميشيل كقردين.
وعندما بدأ خطاب حالة الاتحاد الأول لترامب في ولايته الثانية، انقض الجمهوريون على غرين بتهديد وحاولوا نزع اللافتة، لكنه أصر حتى تم إخراجه للعام الثاني على التوالي. ومع مغادرته، دارت مناقشات حادة أخرى مع الجمهوريين، حاول بعضهم الهتاف “أمريكا! أمريكا!”.
وكانت هذه المرة الأولى، ولكن ليس الأخيرة، التي يتخذ فيها شخص من ذوي البشرة الملونة موقفا خلال خطاب ترامب الذي استمر 107 دقائق، بينما التزم آخرون الصمت أو حرضوه بصخب.
في تلك الليلة، سعى ترامب مجددا إلى تسميم السياسة الأمريكية وزرع الانقسام بين الأمريكيين على أسس مختلفة، لا سيما العنصرية.
وقال سميث إن هذا الرجل الذي يشبه مندوب مبيعات، بربطة عنقه الحمراء المعهودة وقميصه البرتقالي بدأ كلامه قائلا: “أمتنا عادت أكبر وأفضل وأغنى وأقوى من أي وقت مضى”.
وبناء على روايته، فقد بدأ التضخم وأسعار الرهن العقاري وأسعار الوقود بالانخفاض، بينما يشهد سوق الأسهم وإنتاج النفط والاستثمار الأجنبي المباشر ازدهارا، إلى جانب قطاعي البناء والوظائف الصناعية.
ولحسن حظ كاتب خطابات ترامب، فاز فريق الهوكي الأمريكي للرجال بالميدالية الذهبية الأولمبية قبل يومين. وقد أشاد الرئيس، نجم تلفزيون الواقع، بالفريق في قاعة الصحافة، ما أثار تصفيقا وهتافات مدوية من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. ولكن بينما هتف الجمهوريون بحماس “أمريكا! أمريكا!”، لم يشارك في الهتاف إلا عدد قليل من الديمقراطيين. وقال: “نحقق إنجازات كثيرة لدرجة أننا لا نعرف ماذا نفعل حيال ذلك”.
ورغم أنه لم يذكر قاعة رقصاته الفخمة في البيت الأبيض، إلا أنها كانت نسخة مثالية من أمريكا لن يتعرف عليها من يكافحون لتسديد فواتيرهم وتأمين لقمة عيشهم، فترامب ليس الرجل المناسب ليقول: “أشعر بمعاناتكم”.
وكما هو متوقع، وقف الجمهوريون وصفقوا وهتفوا. أما الديمقراطيون، الذين لوحوا العام الماضي بلافتات احتجاجية تشبه مضرب تنس الطاولة الشهير، فقد بقوا هذه المرة جالسين في مقاعدهم، يكتفون بالهمهمة، وتقليب العيون، وفتح أفواههم، وهز رؤوسهم، والتلويح بأيديهم، أو شعروا بالملل وانشغلوا بهواتفهم.
وبعد ذلك، انتقل ترامب للتعرفات الجمركية التي يحبها، واصفا قرار المحكمة العليا بإلغاء مشروعه المفضل بأنه “مؤسف للغاية” و”مخيب للآمال”، بينما ارتسمت على وجوه أربعة قضاة يرتدون أردية سوداء تعابير غامضة في الصف الأمامي. ومقارنة بنوبة غضبه في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، حين تخلى عن كل قواعد اللياقة والأدب، أظهر ترامب هذه المرة ضبطا للنفس يليق بطفل يرفض تناول المزيد من المثلجات، ومع ذلك لم يستمر هذا طويلا.
وبينما كان ترامب يتحدث عن الجريمة ونزاهة الانتخابات وقضايا المتحولين جنسيا، وجّه سهامه نحو الديمقراطيين قائلا: “هؤلاء الناس مجانين، أقول لكم، إنهم مجانين. يا إلهي، يا إلهي، نحن محظوظون بوجود بلد فيه أناس كهؤلاء. الديمقراطيون يدمرون بلدنا، لكننا أوقفناهم في اللحظة الأخيرة”.
وسرعان ما ذكر الجميع بأنه منذ اليوم الذي نزل فيه من السلم الذهبي قبل عقد من الزمن وهاجم المهاجرين، كانت قضية العرق دائما في صميم مشروعه. ونظر إلى صف الديمقراطيين، الذي بدا بمن فيهم جوناثان جاكسون، نجل داعية الحقوق المدنية الذي توفي الأسبوع الماضي، وكأنهم يمثلون تنوع المجتمع الأمريكي، بينما غلب على الجمهوريين البيض، باستثناءات قليلة.
وأعلن ترامب “حربا على الاحتيال” بقيادة نائبه جيه دي فانس، مستشهدا بعملية احتيال في الخدمات الاجتماعية في مينيسوتا، والتي قدرها زورا وبشكل سخيف بـ19 مليار دولار. وهنا صرخت إلهان عمر، النائبة الصومالية الأصل عن مينيسوتا، ورشيدة طليب، الأمريكية الفلسطينية من ميشيغان: “هذا كذب!” و”أنت كاذب!”.
ثم انطلق ترامب، الذي كان يحضر الحضور لخطابه، في هجوم عنصري ضد الأجانب وقال: “يذكرنا قراصنة الصومال الذين نهبوا مينيسوتا بأن هناك مناطق شاسعة في العالم حيث الرشوة والفساد والفوضى هي القاعدة، وليست الاستثناء. إن استيراد هذه الثقافات من خلال الهجرة غير المقيدة والحدود المفتوحة يجلب هذه المشاكل إلى هنا، إلى الولايات المتحدة الأمريكية.”
وهزّت عمر رأسها، ربما بحزن أكثر من الغضب.
وتحدى ترامب الديمقراطيين قائلا: “إذا كنتم توافقون على هذا الكلام، قفوا وأظهروا دعمكم: إن أول واجب للحكومة الأمريكية هو حماية المواطنين الأمريكيين، وليس المهاجرين غير الشرعيين”، وبقي الديمقراطيون جالسين. رد ترامب ساخرا: “يجب أن تخجلوا من أنفسكم لعدم وقوفكم”.
وتعلق الصحيفة أن هذا الكلام مثير للسخرية من الرجل الذي أرسل فرقة من البلطجية إلى مينيابوليس، مما أدى إلى مقتل مواطنين أمريكيين اثنين، رينيه غود وأليكس بريتي، دون داعٍ، ولم يذكرهما الرئيس في خطابه، مثلما فعل مع ضحايا الاعتداءات الجنسية على يد جيفري إبستين.
ومن هنا، رفعت عمر يدها إلى جانب فمها لتسمع صوتها، وصرخت بوضوح أخلاقي حاد: “لقد قتلتم أمريكيين! لقد قتلتم أمريكيين! لقد قتلتم أمريكيين! لقد قتلتم أمريكيين!”.
لحسن الحظ، كانت عمر وطليب، قد أنشأتا خدمة للتحقق من الحقائق في الوقت الفعلي للغرفة.
ثم تفاخر ترامب بأنه أنهى ثماني حروب، وعندها صرخت طليب: “هذا كذب! ما الذي تتحدث عنه؟”.
وقال ترامب: “لا أحد يهتم بحماية شباب أمريكا أكثر مني…”، فقاطعته طليب: “إذن انشر ملفات إبستين!”.
وتعهد ترامب بوقف التداول التجاري بناء على معلومات داخلية من قبل أعضاء الكونغرس، وعندها صرخ مارك تاكانو من كاليفورنيا: “ماذا عنك أولا!” وهتفت طليب: “أنت الرئيس الأكثر فسادا”.
وتعلق الصحيفة ان ترامب كلما أوغل في الكلام، قل جوهر ما يتحدث عنه.
فقد دخل قاعة المجلس بنسبة تأييد بلغت 39% ونسبة معارضة 60%، وفقا لاستطلاع رأي أجرته صحيفة “واشنطن بوست” وشبكة “اي بي سي نيوز” الإخبارية وشركة إيبسوس، وهي نسبة أقل من أي رئيس سابق يلقي خطابه الأول عن حالة الاتحاد. وعلى مدار ساعة و47 دقيقة، لم يقدم سوى القليل لتغيير هذه المعادلة.
فقد كان أطول خطاب عن حالة الاتحاد في التاريخ أيضا وأكثرها فقرا في المعلومات.
ولم يكن من المستغرب أن تنسحب عمر وطليب والعديد من الديمقراطيين الآخرين قبل النهاية. أما بالنسبة لغرين، فقد بقي مقعده فارغا أيضا باستثناء لافتة من الورق المقوى مكتوبة بخط اليد كتب عليها ببساطة وتحد: “آل غرين”.

