اعتمد خصوم الإسلام على تكتيك “اجتزاء النصوص”، للترويج لطروحاتهم حول “الإرهاب الإسلامي”، الاجتزاء على طريقة “فويل للمصلين”، الذي يعكس المعاني والدلالات، ويشوه المقاصد والغايات.
والاجتزاء المفضل لديهم في هذا السياق هو النص الوارد في الآية 191، من سورة البقرة: “واقتلوهم حيث ثقفتموهم…”، وهو نص، حسب هؤلاء الذين يخونون الأمانة العلمية، والموضوعية البحثية، يدعو لقتل غير المسلمين، واستباحة أموالهم وأعراضهم، ويدعم هؤلاء الأفاكون دعاواهم بأفعال بعض المنظمات المتطرفة، لتكتمل لديهم عناصر الدعوى، من النص القرآني، والفعل المسلح، وسنعود لمناقشة هذا الاجتزاء مع نهاية المقال.
والآن، وبما أننا نعيش أيام رمضان فإن المسلمين يسمونه “شهر القرآن”، وذلك لبدء نزول الوحي في الإسلام على نبيه عليه الصلاة والسلام في هذا الشهر. ومن التقاليد الإسلامية المعروفة في رمضان الإكثار من قراءة القرآن وتدبره. حيث ينبغي للذين يجتزئون نصوص القرآن أن يفهموا أبعاد تسمية كتاب الإسلام بالقرآن، وهي تسمية تنفتح على دلالات القراءة، بمعناها التدبري العميق الذي يتنافى مع حيل الاجتزاء والبتر، حيث ورد في القرآن تشنيع كبير على أصحاب القراءات المجتزأة “الذين جعلوا القرآن عضين”.
وفي هذا السياق ينبغي التنويه إلى اسم آخر للقرآن، وهو “الكتاب”، وهي تسمية وإن تضمنت معنى القراءة، إلا أنها تحيل إلى الأبعاد الكتابية أو الخطّيّة في القرآن. وبالمجمل فإن تسمية هذه النصوص المقدسة باسم القرآن والكتاب تحيل إلى بداية عصر جديد من القراءة والكتابة في بيئة كان عدد من يقرؤون ويكتبون فيها قليلا جدا.
وبالعودة إلى موضوع العنف والإرهاب في الإسلام فإن أهم ما شدني وأنا أقرأ في نصوص القرآن تلك الآيات التي توضح بجلاء حقيقة موقف الإسلام من الحرب والسلم، حيث تلمع نصوص واضحة، تدحض كل دعاوى التشهير ضد الإسلام التي تديرها دوائر أكاديمية وإعلامية تهدف لوصم الإسلام بالتطرف والإرهاب، حتى أصبح مصطلح “الإرهاب الإسلامي” علكة الأفواه الفارغة، وفكرة العقول الضحلة التي لم تدرك جوهر الرسالة في دين اسمه مشتق من الحذر الثلاثي الذي اشتقت منه مفردة “سلام”، التي هي بدورها تحية المنتمين لهذا الدين المشرق الذي ورد في كتابه المقدس الآية القرآنية 190 من سورة البقرة: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”، وهي آية محكمة، تسلط الضوء على الآية التي بعدها، والتي ورد فيها النص المجتزأ الذي بدأنا به المقال.
والآية 190 لا تحتاج إلى تفسير، لأنها قطعية الدلالة، واضحة المعنى، في الأمر بقتال أولئك الذين يقاتلون المسلمين، أي الذين يدخلون في حالة حرب مستمرة ضد المسلمين، كما يدل الفعل المضارع الذي ورد في “الذين يقاتلونكم”، حيث يشير المضارع إلى استمرار الأعداء في الأعمال القتالية، حتى أصبحوا في “حالة حرب” مع النبي وأصحابه.
وقد قسم الفقهاء المسلمون قديماً “الآخر غير المسلم” إلى فئات مختلفة، كلها معصومة الدم والمال، إلا فئة واحدة، وهذه الفئات هي:
“الكافر المحارب” أو المقاتل، وهو الذي أعلن الحرب على المسلمين، وهذا يجوز قتاله، كما ورد في الآية: “إُذن للذين يقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير”. ثم تحول “الإذن” بالقتال الذي يعني “الجواز”، تحول الإذن إلى “أمر” يعني “الوجوب”، بعد أن اشتدت عداوة “الكافر المحارب”، كما رأينا في الآية: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم…”، وهذه هي الفئة الوحيدة التي يجوز قتالها، بل ويجب قتالها، وفقاً لتقديرات الجواز والوجوب، وحسب الظروف والأحوال، وهي فئة المحاربين من الرجال، غير كبار السن والشيوخ والنساء والأطفال وذوي الإعاقات الجسدية والذهنية، ورجال الدين المنقطعين لواجباتهم الدينية ، وجاء الجواز والوجوب مع النهي عن قطع الأشجار، وإتلاف الثمار وإهلاك الحيوانات، إلا لضرورات الحرب التي لا بد منها، كما ذكر فقهاء المسلمين.
والفئة الثانية هي فئة “الكافر المعاهد”، وهو الذي تربطه بالمسلمين معاهدة سلام أو عدم اعتداء، أو هدنة حرب، وهذا يحرم قتاله، وهناك تشنيع كبير على من قاتله من المسلمين، لأن آية قرآنية جليلة الهدف، عظيمة الدلالة تنص على: “وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا”، وهناك نص، لا لبس فيه في الحديث النبوي يقول: “من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة”.
وأما الفئة الثالثة، فهي الفئة التي أطلق عليها الفقه مصطلح “أهل الذمة”، وهذا المصطلح أصبح يُنظر إليه اليوم، على أنه مصطلح “سلبي”، رغم أن فحواه أن هذه الفئة هي في ذمة الله ورسوله والمسلمين، أي أنه يجب حمايتهم والدفاع عنهم، دون أن يتوجب عليهم القتال، مع المسلمين، ذلك أنهم يدفعون نوعاً من الضريبة التي تعفيهم من القتال، مقابل حماية الدولة لهم، وهؤلاء بالاصطلاح الفقهي هم “أهل الكتاب من يهود ونصارى” الذين يعيشون مع المسلمين، في بلادهم، والذين يجب على المسلمين الدفاع عنهم، ولا يجب عليهم القتال مع المسلمين، إلا في حال رغبوا في ذلك. وهنا يرجع الفقهاء إلى “وثيقة المدينة” التي تم الاتفاق عليها في المدينة المنورة، بين المسلمين واليهود وغيرهم، وتنص على أن “أهل المدينة أمة واحدة”، وهي الوثيقة التي أصل بها الفقهاء لمصطلح “المواطنة”، في “الدولة المدنية” الحديثة، وهو المصطلح الذي ينص على وحدة أبناء الوطن، وإن تعددت أديانهم. وفي كل الحالات يحرم قتال “أهل الذمة” بالاصطلاح القديم، أو “المواطنين المختلفين دينياً”، بالاصطلاح الحديث، فهؤلاء في الفقه القديم له “ذمة الله وذمة رسوله وذمة المسلمين”، وفي الفقه الحديث هم “شركاء في الوطن”، دون تمييز ديني ضدهم.
اجتزاء نصوص القرآن ما هو إلا محاولة لإفراغها من دلالاتها ومقاصدها، بهدف تشويه الإسلام، بالاتكاء على نصوص مجتزأة، والاستشهاد بأفعال متطرفة.
والفئة الرابعة من غير المسلمين هم الذين يسميهم فقهاء المسلمين “الكافر المستأمِن “، أي الذي طلب الأمان، سواء كان محارباً من قبل أو مسالما، وهذا يدخل في “أمان المسلمين وذمتهم” كذلك، ويحرم قتاله، ويضرب الفقهاء المعاصرون مثلاً لهذه الفئة بالذين يدخلون البلد بتأشيرة دخول، فإنه في حماية الدولة، وقد ألزم القرآن النبيَ والمسلمين بحماية من استأمنهم واستجار بهم، في الآية: “وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه…”.
وهكذا فإنه من بين أربع فئات لـ”الآخر الديني” يمنع الإسلام منعاً قاطعاً قتال فئات ثلاث، ويجيز قتال فئة واحدة هي فئة المحاربين، أو المقاتلين، الذين بدؤوا العدوان، فأجاز الإسلام استعمال القوة ضدهم، ثم أوجب هذا الاستعمال، حسب الظروف والحالات، وهذه الحقيقة كفيلة بالرد على أولئك الذين يدّعون – بمناسبة وغير مناسبة – أن الإسلام يحرض على العنف، وعلى قتل غير المسلمين، ضمن قضايا أخرى تُثار ضد الإسلام، تتعلق بالمرأة والطفل، وغيرهما مما يروج له من أن “الشريعة الإسلامية” هي منظومة متخلفة، تنتمي للبيئة البدوية الصحراوية، ولعصور متخلفة قديمة.
وبالعودة للنص الذي يحلو لخصوم الإسلام اجتزاؤه: “واقتلوهم حيث ثقفتموهم”، دعونا نورد الآية والآيات التي ورد النص ضمنها، لنكتشف حجم التزييف والتحريف الذي يحاول خصوم الإسلام إدخاله على معاني القرآن، ليتم تصديره، على أنه كتاب عنف وقتل وإرهاب.
ورد النص المذكور، ضمن الآية “واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم، كذلك جزاء الكافرين”.
وهنا الأمر بقتال المقاتلين، وليس المسالمين، والأمر بقتالهم، لأنهم بدؤوا القتال، وأخرجوا المهاجرين من مكة.
ومع كل العنف القتالي المذكور إلا أن الآيتين التاليتين تنصان على: “فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم”، وعلى “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين”.
وهذا نص واضح في وجوب قتال أولئك الذين “فتنوا المسلمين المستضعفين في مكة، وعذبوهم ليردوهم عن دينهم، فالقتال يأتي هنا، منعاً للفتنة، ولحماية المستضعفين ليثبتوا على دينهم، ليكون الدين لله، مع التشديد على منع “العدوان”، إلا على الظالمين، حسب نص الآية الكريمة.
هنا يبدو واضحاً أن اجتزاء نصوص القرآن ما هو إلا محاولة لإفراغ النص القرآني من دلالاته ومقاصده، بهدف تشويه الإسلام، بالاتكاء على نصوص مجتزأة، والاستشهاد بأفعال متطرفة، تبرأت منها جميع المراجع الإسلامية المعروفة.

محمد جميح
كاتب يمني

