نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعدته سمر سعيد وجورجي كانتشي وجو والاس، قالوا فيه إن دولة الإمارات تدرس إمكانية تجميد الأرصدة الإيرانية لديها في محاولة لمعاقبة النظام الإيراني على الهجمات الصاروخية والمسيرات.
وقالوا إن أبو ظبي قد تجمد مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية الموجودة في الدولة الخليجية، وفقا لمصادر مطلعة على المناقشات، وهي خطوة إن نفذت فستقطع أحد أهم مصادر الدعم الاقتصادي لطهران. كما ستحد من وصول طهران إلى العملات الأجنبية وشبكات التجارة العالمية، في ظل اقتصادها المحلي الذي يعاني أصلا من التضخم، والذي بات غارقا في صراع عسكري.
وبحسب مصادر مطلعة، فقد حذر المسؤولون الإماراتيون، إيران سرا من هذا الإجراء المحتمل، وذلك بعدما أطلقت أكثر من ألف طائرة مسيرة وصاروخ على أهداف في الإمارات. ولم يتضح بعد متى، أو فيما إذا كانت الحكومة الإماراتية ستتخذ إجراء بهذا الصدد. ولم ترد وزارة الخارجية الإماراتية على طلب للتعليق.
ويقول محللون يتابعون أنشطة طهران ووزارة الخزانة الأمريكية، إن الإمارات طالما مثلت مركزا للشركات والأفراد الإيرانيين الباحثين عن ملاذ من العقوبات الغربية، كما سمحت البنية التحتية الإيرانية للتحايل على العقوبات الغربية المفروضة على إيران لمواصلة عمليات البيع.
ونقلت الصحيفة عن اسفنديار باتمانجيليدي، الرئيس التنفيذي لمركز الأبحاث “بورصة وبازار” المختص في الشأن الإيراني: “إن أي خطوة تتخذها الإمارات العربية المتحدة للحد من الأنشطة المالية الإيرانية هناك ستكون بالغة الأهمية، لأن الإمارات هي القناة الأهم لانخراط إيران في الاقتصاد العالمي”.
وأفاد مسؤولون مطلعون على الأمر بأن السلطات الإماراتية تدرس عدة إجراءات لتفكيك العمليات الإيرانية غير المشروعة.
وتتراوح هذه الإجراءات بين تجميد أصول الشركات الوهمية التي تتخذ من الإمارات مقرا لها والتي تستخدم لإخفاء التجارة وشن حملة مالية واسعة النطاق على مكاتب الصرافة المحلية التي تستخدم لتحويل الأموال خارج القنوات المصرفية الرسمية. وأوضح المسؤولون المطلعون على المناقشات أنه في حال قررت الإمارات التحرك ضد شبكة التمويل غير الرسمي الإيرانية، فسيكون الهدف الرئيسي هو الحسابات التابعة للحرس الثوري الإسلامي، الجماعة القوية المسؤولة عن الدفاع عن النظام وإدامته.
وأضافت الصحيفة أن إيران خصصت نسبة متزايدة من نفطها للحرس الثوري، بالإضافة إلى قطاعات أخرى من منظومة الدفاع والأمن، لبيعه في السوق الدولية، وفقا لتقرير صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية في حزيران/يونيوالماضي.
وتضيف “وول ستريت جورنال” أن الحكومة الإماراتية تدرس، إلى جانب الإجراءات المالية، اتخاذ خطوات مباشرة، مثل مصادرة السفن الإيرانية، حسبما أفاد مسؤولان مطلعان على المناقشات.
وتهدف هذه الخطوات إلى شل أسطول الظل الإيراني من ناقلات النفط والوسطاء العاملين عبر الموانئ الإماراتية وخطوط الملاحة.
وإذا قررت الإمارات التحرك ضد شبكة التمويل غير الرسمية لإيران، فسيكون الهدف الرئيسي حسابات تابعة للحرس الثوري وفقا لمسؤولين مطلعين على المناقشات.
وتعلق الصحيفة أن أي قرار إماراتي للحد من إلإمبراطورية المالية السرية سيشكل خروجا عن نهج الدولة التقليدي بالموازنة بين تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وقربها من إيران. وحتى الآن، امتنعت الدولة إلى حد كبير عن استخدام قطاعها المالي كسلاح ضد جارتها عبر الخليج العربي.
ففي محاولتها لأن تصبح مركزا ماليا دوليا، رحبت الإمارات برؤوس الأموال من جميع أنحاء العالم، بدون الاهتمام بمصادرها. وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت الإمارات من أبرز المستفيدين، حيث رحبت بتجار السلع الروسية وجذبت الأموال والمصرفيين الروس.
وحاول الغرب سابقا، بمن فيهم مسؤولون أمريكيون، الضغط على الإمارات لتشديد الرقابة على تدفقات الأموال ومكافحة التهرب من العقوبات. وفي عام 2022، أدرجت فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، وهي هيئة رقابية مالية عالمية مقرها باريس، الإمارات العربية المتحدة على “قائمتها الرمادية” لتقصيرها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بشكل كاف.
وقال مسؤول إماراتي سابقا لصحيفة “وول ستريت جورنال” بأن بلاده لديها آلية فعالة للتعامل مع الأفراد والشركات الخاضعة للعقوبات، وأن البنوك الإماراتية تراقب مدى الالتزام بها. وفي عام 2024، أفادت الصحيفة بأن البنك الرئيسي المملوك للدولة في دبي أغلق بعض الحسابات التي يملكها رجال أعمال روس وتجار نفط، وذلك بعد ضغوط من مسؤولين أمريكيين على الإمارات لإغلاق منفذ موسكو غير المباشر إلى النظام المالي الدولي.
وفي نفس الفترة تقريبا، رفعت مجموعة العمل المالي اسم الإمارات من قائمة العقوبات، مشيرة إلى أنها عززت نظامها لمكافحة غسل الأموال.
إلا أن الصراع الأخير مع إيران، وضعها في موقف حرج، ملقيا بظلال من الشك على سمعتها التي حرصت على بنائها كملاذ آمن في منطقة مضطربة. وتسببت هجمات إيران بطائرات مسيرة وصواريخ في بعض الأضرار بمطار دبي، بالإضافة إلى مناطق سكنية وسياحية حول فندق برج العرب وجزيرة نخلة جميرا الاصطناعية.
ونقلت الصحيفة عن عدد من المشاركين في المناقشات، قولهم إن المسؤولين الإماراتيين يدرسون مخاطر تجميد الأصول، بما في ذلك احتمال أن يؤدي ذلك إلى رد فعل إيراني مطول ضد الأراضي الإماراتية وبنيتها التحتية الحيوية للطاقة. كما أن مثل هذا القرار من شأنه أن يعرقل العلاقات التجارية والمصرفية المربحة مع طهران، ويضر بقدرة الإمارات على جذب رؤوس الأموال والاحتفاظ بها من مصادر أخرى ذات طابع سياسي، مثل روسيا.
وقال محللون إنه من غير المرجح أن يشمل أي تجميد للأصول جميع الحسابات التي تملكها شركات ومواطنون إيرانيون، والذين يبلغ عددهم مئات الآلاف ويعيشون في الإمارات.
وقال أندرياس كريغ، المحاضر البارز في كلية الدراسات الأمنية بكينغز كوليدج، جامعة لندن، إن اتباع نهج أكثر استهدافا هو الأرجح لأن الإمارات لا ترغب في خسارة كل هذه الأعمال. وأضاف كريغ أن الحسابات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ستجمد أولا. وقال كريغ: “هذه أهم أداة غير عسكرية تملكها الإمارات لمواجهتها مع الإيرانيين”.
وفي عام 2024، كشفت وزارة الخزانة الأمريكية عن وجود صلة بين 9 مليارات دولار أمريكي، تم تحويلها عبر حسابات مراسلة لدى بنوك أمريكية، وأنشطة مالية إيرانية سرية. وأوضحت الوزارة أن شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة تلقت 62% من هذه الأموال، ويرتبط جزء كبير منها بمبيعات النفط التي قامت بها شركات مرتبطة بإيران في دبي. وأفادت وزارة الخزانة الأمريكية ومحللون يتابعون أنشطة طهران، أن إيران أنشأت واجهات تجارية في الإمارات لتلقي مدفوعات النفط وتسوية الصفقات وإخفاء مصدر الأموال.
كما احتفظت إيران بأسطول خفي من السفن القديمة التي تنقل النفط الخاضع للعقوبات، وغالبا ما تحاول إخفاء موقعها وملكية هذه السفن. ووفقا لوزارة الخزانة، فإن معظم ناقلات النفط السرية المتورطة مع إيران مملوكة ومدارة من قبل شركات في الإمارات وآسيا.

