قالت صحيفة “نيويورك تايمز” في افتتاحيتها أن زيادة الكراهية للمسلمين في الولايات المتحدة، يجب التبرؤ منها. وجاء في الصحيفة أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تصور نفسها كحامية ومدافعة عن الحقوق الدينية، حيث أنشأت لجنة للحريات الدينية وزادت التمويل للمدارس الدينية وغيرت سياسات التطعيم لكي تعطي مساحة لاستثناء من لا يريدونها بناء على معتقدهم الديني. وأمرت بشن هجوم صاروخي في نيجيريا يوم عيد الميلاد على ما وصفه الرئيس ترامب جماعة إرهابية تقتل المسيحيين، وعاقبت الإدارة الجامعات باسم مكافحة معاداة السامية. وادعى الرئيس في إفطار الصلاة الوطني هذا العام: “لقد قدمت للدين أكثر مما قدّمه أي رئيس آخر”.
ومع ذلك هناك استثناء واحد من هذه الجهود “لخدمة الدين”، فترامب وحزبه الجمهوري غير مهتمين على ما يبدو بحماية الحقوق الدينية للمسلمين، بل إنهم غالبا ما يظهرون عداء للإسلام.
وتصف الصحيفة خطابهم وكلماتهم بالبغيضة. فخلال حملته الرئاسية، دعا ترامب إلى “حظر دخول المسلمين” إلى الولايات المتحدة ولا يزال هناك شكل من أشكال هذا الحظر ساري المفعول. ولم يخف الرئيس موقفه من الإسلام عندما قال: “أعتقد أن الإسلام يكرهنا”.
وقد أدلى العديد من السياسيين الجمهوريين الآخرين بتصريحات مماثلة في الأشهر الأخيرة. وأشارت لما كتبه السناتور الجمهوري عن ألاباما، توبي توبيرفيل على منصات التواصل الاجتماعي: “الإسلام ليس دينا بل طائفة ضالة”. وكتب النائب الجمهوري عن تكساس، براندون غيل: “الإسلام لا يتوافق مع ثقافتنا ونظام حكمنا”. ودعا النائب الجمهوري عن فلوريدا، راندي فاين إلى “ترحيل جميع المهاجرين المسلمين، سواء كانوا شرعيين أو غير شرعيين، وسحب الجنسية منهم كلما أمكن ذلك”. أما النائب الجمهوري عن ولاية تينيسي، آندي أوغليس، فقد دعا إلى ضرورة طرد عمدة نيويورك زهران ممداني من البلاد، حيث كتب هذا الشهر: “لا مكان للمسلمين في المجتمع الأمريكي”.
ولدى ترامب عادة استهداف المجتمعات والسياسيين المسلمين بكلام يحط من قيمتهم. وهو لا يذكر دينهم عادة عند القيام بذلك، لكن النمط واضح لا لبس فيه. ففيما يتعلق بالجالية الصومالية في الولايات المتحدة، قال الرئيس: “إنهم لا يقدمون شيئا، لا أريدهم في بلادنا”. ووصفهم بأنهم “أشخاص ذوو ذكاء محدود”. ووصف النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، إلهان عمر، وهي أمريكية من أصل صومالي، بأنها “قمامة”، وقال إن على الولايات المتحدة أن تتوقف عن “استقبال القمامة”. وقد وجه غضبا مماثلاً تجاه اللاجئين الأفغان، كما اتهمت إدارته النشطاء المؤيدين للفلسطينيين بالإرهاب.
وتعتقد الصحيفة أن هذه التصريحات تثير قلقا، وبخاصة عند النظر إليها في سياق ميل ترامب للتصرف كحاكم مستبد، فلطالما استهدف الحكام المستبدون الأقليات الضعيفة لتبرير تحركاتهم.
وتقول الصحيفة إن الأحداث الأخيرة في مينيسوتا، تظهر كيف يمكن أن يؤدي تحميل فئة من الأقليات مسؤولية العنف وتوليد عنف أوسع.
فقد اختارت إدارة ترامب شن حملة قمع على الهجرة، مستشهدة بفضيحة احتيال حكومي تمحورت حول الجالية الصومالية الكبيرة في مينيسوتا. وقد شوّه الرئيس سمعة الجالية بأكملها ظلما بسبب هذه الفضيحة.
وأدت الحملة القمعية إلى تعذيب العديد من السكان، مسلمين وغير مسلمين، مهاجرين ومواطنين، ومقتل متظاهرين اثنين، هما رينيه غود وأليكس بريتي.
وتضيف الصحيفة بعدا آخر لكراهية المسلمين وهو الخوف غير المنطقي وغير المبرر من الشريعة الإسلامية التي توجه حياة المسلمين، تماما كما توجه تعاليم الكتاب المقدس حياة المسيحيين واليهود. وتصبح طريقة أخرى يتحول بها خطاب الكراهية ضد المسلمين إلى سياسات.
فقد وقّع حاكم ولاية تكساس الجمهوري، غريغ أبوت، قبل فترة على قانون يمنع ما أسماه “مجمعات الشريعة”، وهي مجتمعات يفترض أنها مخصصة للمسلمين فقط وتخضع سكانها لأحكام الشريعة.
وفي مجلس النواب، قدم النائب الجمهوري عن تكساس تشيب روي، مشروع قانون بعنوان “قانون الحفاظ على أمريكا خالية من الشريعة”، بينما شارك السناتور الجمهوري عن تكساس، جون كورنين في رعاية مشروع قانون آخر بعنوان “قانون دحر الشريعة في أمريكا”، أما فاين، النائب عن ولاية فلوريدا، فقد قدم بدوره مشروع قانون “حماية الجراء من الشريعة”.
وتعلق الصحيفة أن هذ الجهود تستند على ادعاءات كاذبة سخيفة، صحيح أن التفسيرات المتطرفة للشريعة تمثل مشكلة في بعض الدول، كأفغانستان وإيران، إلا أنها لا تمثل تهديدا في الولايات المتحدة. فالمسلمون الأمريكيون لا يسعون لفرض مبادئ الشريعة على الآخرين. وكما أشار مصطفى أكيول من معهد كاتو، فإن المقترحات الأخيرة تحاكي القوانين المعادية للكاثوليكية والمورمونية التي شنت في القرون الماضية، وهي مبنية على أكاذيب وتهدف إلى إيجاد كبش فداء.
وقالت الصحيفة: “إن ملايين الأمريكيين الذين يمارسون الإسلام هم أمريكيون مثل أي شخص آخر. يدفعون الضرائب ويمتلكون أعمالا تجارية ويخدمون في القوات المسلحة. كثير منهم يعيشون هنا منذ أجيال. وغيّر آخرون حياتهم رأسا على عقب للانتقال إلى هنا وفي بعض الحالات بسبب الحماية الدستورية التي يكفلها هذا البلد لحرية الدين”.
وتشير الصحيفة إلى أن تزايد الكراهية ضد المسلمين خلق شعورا لدى الكثيرين منهم بالتهديد في وطنهم. ويشعر البعض بالقلق لدخول المساجد أو ارتداء ما يدل على معتقداتهم الدينية. وفي تكساس وغيرها من الأماكن التي نشر فيها القادة السياسيون الكراهية، تشتد هذه المخاوف. وتقول منى كفيل، مديرة منظمة “السلام في المنزل” للخدمات الأسرية، وهي منظمة خدمات اجتماعية في بلانو، تكساس: “تركنا جذورنا، وبيوتنا وتاريخنا المتوارث لننتقل إلى بلد ظننا أن مثل هذه الأمور لن تحدث فيه”. وتضيف: “الآن، يعود هذا الخوف ليسيطر على الكثيرين منا”.
وترى الصحيفة أن احتقار ترامب للمسلمين يعتبر جزءا من نمط أوسع من التعصب الذي يمارسه. فقد استهدف أيضا اللاتينيين والمتحولين جنسيا في أمريكا.
وبينما ينتقد الجامعات لتسامحها مع معاداة السامية، فقد تحالف هو وغيره من الجمهوريين مع بعض أسوأ مروجي الكراهية ضد اليهود.
وقد شهدت جرائم الكراهية ارتفاعا واضحا، منذ دخوله الساحة السياسة قبل أكثر من عقد من الزمان، بخطاب افتتاحي لحملته الانتخابية حافل بالمواقف المعادية للمكسيكيين، شهدت جرائم الكراهية، وذلك حسب بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي).
وتقارب الصحيفة هنا بين موقفها لانتقاد الحكومة الإسرائيلية ومن ينتقد المتطرفين الإسلاميين، ففي مقال افتتاحي نشر العام الماضي، نددت فيه الصحيفة بتصاعد معاداة السامية، وأكدت فيه أنه ليس كل اتهامات التمييز مشروعة. فمثلا، لا يعد انتقاد الحكومة الإسرائيلية الحالية لمعاملتها الوحشية للفلسطينيين معاداة للسامية في جوهره. وينطبق المبدأ نفسه على مواضيع أخرى. وتسحب الصحيفة الموقف على المتطرفين الإسلاميين الذين يواصلون ارتكاب أعمال عنف إرهابية، بما في ذلك الهجمات الأخيرة في نيويورك وتكساس وفرجينيا. وعليه فإدانة هذه الأعمال أمر مهم، ولكنه ليس تعصبا.
وتذكّر الصحيفة بمبدأ أمريكي رئيسي وهو أنه يجب الحكم على الناس بناء على سلوكهم وليس هويتهم. إلا أن ترامب وكثير من الجمهوريين، يشوهون سمعة دين بأكمله بينما يزعمون حماية الحرية الدينية.
وترى “نيويورك تايمز” أن أسوأ عواقب الإسلاموفوبيا الجديدة، بلا شك، هو تأثيرها على المسلمين. ومع ذلك، فإنها تضر بالمصالح الوطنية الأمريكية. وتربط هذا الضرر بالحرب التي يشنها ترامب ضد إيران التي تطلق على نفسها، جمهورية إسلامية، يشكل المسلمون غالبية سكانها.
فقد كان تخطيطه لهذه الحرب متهورا وتفسيراته لأهدافها متناقضة.
ومن هنا فتصاعد التعصب ضد المسلمين من جانب الجمهوريين، يعطي صورة أن الهجوم على إيران قد يبدو وكأنه حرب ضد الإسلام. ولا شك أن هذا التعصب يضعف مكانة أمريكا في العالم، لا سيما مع الدول ذات الأغلبية المسلمة، بما في ذلك شركاء أمريكا مثل السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة.
وقالت الصحيفة إنها انتقدت في افتتاحياتها، أكثر من مرة، رئاسة جورج دبليو بوش، مع أن الأخير سار في طريق مختلف تماما عن نهج الرئيس الحالي. وزار بوش بعد ستة أيام من أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 مسجدا، ووقف إلى جانب قادة مسلمين، قال إنهم شعروا بالرعب من الهجمات كما شعر بها الأمريكيون الآخرون. وقال بوش: “عندما نفكر في الإسلام، نفكر في دين يجلب الراحة لمليار شخص حول العالم”.
وتقول الصحيفة إن الهجمات التي يشنها ترامب وغيره من الجمهوريين ضد الإسلام والمسلمين مخزية، إنها مليئة بالأكاذيب. وتستحق إدانة جميع الأمريكيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الدينية.

