في ظلّ التصعيد العسكري المتواصل، لم تعد تداعيات القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان محصورة بحجم الدمار المادي والخسائر البشرية، بل بدأت تتخذ أبعاداً أعمق وأكثر خطورة، تتسلّل بصمت إلى البيئة وتعيد تشكيلها على نحو مقلق. فمع كل غارة جديدة، لا يُستهدف الحجر فحسب، بل يُطلق أيضاً مسار طويل من التلوّث يمتدّ في الهواء والتربة والمياه، حاملاً معه مخاطر صحية وبيئية قد تستمر لسنوات طويلة.
هذا الواقع يضع لبنان أمام أزمة مركّبة، حيث تتراكم آثار الغازات السامة والجزيئات الدقيقة في الغلاف الجوي، وتتسرّب مواد كيميائية خطرة إلى التربة والمياه الجوفية، ما يهدّد الزراعة وجودة الغذاء وسلامة الموارد الطبيعية. ومع استمرار الضربات، تتفاقم هذه التداعيات في ظل ضعف الإمكانيات وغياب البنية التحتية القادرة على المواجهة، ما يجعل البلاد أمام تحدٍّ بيئي غير مسبوق، يتجاوز اللحظة الراهنة ليطال مستقبل الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس حزب البيئة العالمي والخبير البيئي ضومط كامل في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنّ "القصف الكثيف ونوعية الصواريخ المستخدمة في الحرب الإسرائيلية على لبنان يؤديان إلى تلوّث هوائي كبير جداً".
وأشار إلى أنّ "الغازات المتطايرة في الجو تُشكّل كتلًا هوائية ملوّثة بشدة"، لافتاً إلى أنّ الأمطار التي تساقطت خلال الأسبوعين الأخيرين ساهمت في تنظيف الجو بنسبة تصل إلى 90%، ما خفّف نسبياً من حدّة التلوث.
وتابع كامل موضحاً أنّ "الهواء يتكوّن من 21% أوكسيجين و72% آزوت، إلى جانب غازات أخرى"، مشدداً على أنّ الإنسان لا يملك "فلترًا" لانتقاء ما يتنفسه، بل يستنشق كل مكوّنات الهواء، بما فيها الملوّثات.
وأكد أنّ "الجزيئات الدقيقة جداً، التي يقل حجمها عن 80 ميكرون، تدخل إلى جسم الإنسان من دون أن تُرى، وتستقر في الرئتين والدم والخلايا"، محذراً من أنّ هذه التراكمات تشكّل "كارثة صحية حقيقية" على المدى الطويل.
وفي موازاة ذلك، شدّد على أنّ لبنان يعاني أساساً من مستويات تلوّث مرتفعة، تفوق في بعض المناطق بأكثر من 1000 مرة تأثيرات القصف، نتيجة عوادم السيارات والفوضى في قطاع النقل وغياب الرقابة، ما يفاقم الأزمة البيئية ويضاعف انعكاساتها على صحة المواطنين.
وعن تأثير القصف على التربة، أوضح أنّ "الانفجارات تؤدي إلى ترسّب معادن ومواد مختلفة تنتقل لاحقاً عبر الأمطار إلى التربة والمياه، ما يجعل التلوث ذا طابع تراكمي وخطير". إلا أنّه اعتبر أنّ المشكلة البيئية في لبنان أعمق من ذلك، مشيراً إلى مثال نهر الليطاني، الذي يُعدّ من أخطر الأنهار الملوّثة، حيث تُستخدم مياهه الملوّثة بالصرف الصحي في ري المزروعات، لا سيما في فصل الصيف.
وكشف أنّ دراسات وفحوصات أُجريت بالتعاون مع جهات دولية أظهرت مستويات خطيرة من التلوث، حتى أنّ بعض المزارعين يدركون عدم صلاحية هذه المزروعات للاستهلاك، لكنها تُطرح في الأسواق رغم ذلك، في ظل غياب الرقابة الكافية.
وختم بالتأكيد أنّ الأزمة البيئية في لبنان لم تعد مرتبطة فقط بالحرب، بل هي نتيجة تراكمات مزمنة من الإهمال وسوء الإدارة، ما يجعل التحدي اليوم مزدوجاً: مواجهة تداعيات القصف من جهة، ومعالجة جذور التلوث البنيوي من جهة أخرى، لحماية صحة اللبنانيين ومستقبل البيئة في البلاد.
