في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والتحديات المتراكمة التي يواجهها لبنان، يبرز النقاش مجدداً حول خيار المفاوضات كمدخل محتمل لإنهاء عقود من الأزمات والحروب، وفي هذا السياق، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي قراءة يعتبر فيها أن البلاد تقف أمام فرصة تاريخية قد تعيد رسم مسارها السياسي والاقتصادي.
واعتبر العريضي في حديث إلى "ليبانون أن لبنان أمام فرصة تاريخية في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مشدداً على أن ذلك ليس عيباً، إذ إن دولاً كثيرة في المنطقة سلكت هذا المسار وارتاحت من الحروب العبثية، فيما لا يزال لبنان يعاني منذ أواخر ستينات القرن الماضي.
وأشار العريضي إلى أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر هُزم في العام 1967، واعترف بهزيمته وأعلن استقالته، ثم تمكن الرئيس المصري أنور السادات من تحقيق إنجاز في حرب تشرين عام 1973، قبل أن يتجه إلى المفاوضات مع إسرائيل ويستعيد سيناء.
وأضاف أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وبعد سنوات من الحروب وعمليات الكر والفر، وما تعرّض له من محاولات اغتيال وسعي لتصفية القضية الفلسطينية من بعض المحاور العربية، اتجه أيضاً إلى خيار التفاوض مع إسرائيل وأعاد الضفة الغربية، متسائلاً عمّا حققته حماس سوى تدمير غزة.
ورأى العريضي أنه من هذا المنطلق، على جميع الأطراف في لبنان، ولا سيما تلك التي تحالفت مع حافظ الأسد، الذي أملى عليهم إسقاط 17 أيار، فانتعشت سوريا آنذاك، واستمر لبنان في الحروب والأزمات، فيما تنازل الأسد عن الجولان. لذلك، على كل الأطراف التي ترفع اللون الرمادي أو ترفض المفاوضات أن تصمت، فهؤلاء، وبطلب من حافظ الأسد، وكانوا حلفاءه آنذاك، أسقطوا اتفاق 17 أيار، متسائلاً: ماذا جنينا؟
وشدّد العريضي على ضرورة أن ينظر هؤلاء بواقعية إلى الوضع اللبناني المزري، معتبراً أن الفرصة اليوم تاريخية، ومشيراً إلى أن إسرائيل تعمل على إنشاء حزام أمني تمهيداً للدخول في مفاوضات رسمية.
وذكر أنه في العام 1982 اجتاحت لبنان ومرّت من الجنوب دون ضربة كف أو دمار أو خراب، وأقامت حزاماً أمنياً، لكنها لم تتمكن من تحقيق السلام مع لبنان، بينما يجري اليوم إنشاء حزام أمني خالٍ من السكان وعلى أرض مدمّرة، وتسعى إلى السلام.
وفي سياق متصل، كشف العريضي أن معطياته والأجواء التي يملكها من أوساط دبلوماسية غربية ولبنانية تؤشر إلى أن لبنان مقبل على حقبة جديدة في غضون الأشهر المقبلة، معتبراً أنه لم يعد بإمكان أي طرف، وخصوصاً حزب الله، الاستمرار في المناورة بعد الخطأ الجسيم في مساندة إيران، كما حصل في دعم بشار الأسد وغزة.
وأضاف العريضي أن أمامنا أشهراً صعبة وقاسية، إلا أن نتائجها ستقود حتماً إلى السلام لا محالة، ما سينعكس انتعاشاً على البلد على كل المستويات.
وأوضح أن لبنان لا يريد تطبيعاً بقدر ما يسعى إلى سلام عبر تسوية تحقق “صفر حروب” مع إسرائيل، بعدما أُقحم في حروب الآخرين على أرضه ضمن سياسة المحاور، التي لا تزال مستمرة عبر إيران وذراعها الأبرز حزب الله.
ويركّز العريضي على مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار، متسائلاً عمّا إذا كنا سنكون أمام فرز ديمغرافي وجيوسياسي، وكيف ستكون آليات إعادة الإعمار، معتبراً أن ثمة صعوبة وتكهنات كثيرة. إلا أن مجلس الجنوب، برئاسة المهندس هاشم حيدر، يقوم بأعمال الإغاثة ودعم النازحين على مدار الساعة، وقد يكون الوحيد الذي يقوم بخطوات على مستوى جيد مع هذا النزوح الكبير، من دون إغفال دور رئيس الحكومة والمنظمات الإنسانية والاجتماعية.
ودعا العريضي إلى الخروج من سياسة التبعية وسياسة المحاور، مشيراً إلى تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تُرفع أعلامها في كل الشوارع بعد سقوط الصواريخ، ما يعكس انتماءً وطنياً للدولة.
واستشهد بتصريحات الشيخ خلف أحمد الحبتور الذي قال: "دبي ستعود أفضل مما كانت، وقد بدأت بالفعل باستعادة دورها"، متسائلاً عن سبب عدم توجه لبنان نحو تنشيط السياحة والاقتصاد والاستثمار والاستعداد لموسم سياحي واعد، لأننا شبعنا من حروب الآخرين على أرضنا.
وفي ختام مواقفه، شدّد العريضي، تزامناً مع ذكرى الحرب الأهلية التي كانت نتيجة لحروب الآخرين على أرضنا، على ضرورة استخلاص العبر من الماضي، منتقداً البعض الذي لا يزال يهدد ويتوعد ولم يتعظ. ورأى أن المطلوب هو تحصين الجبهة الداخلية، وهذا ما نلمسه اليوم من خلال لقاءات وزيارات لقوى سياسية كثيرة، متمنياً أن تتواصل وتترجم بمؤتمر وطني شامل.
وأثنى على دور نائب بيروت نبيل بدر، الذي أكد على استقرار العاصمة ومساندة النازحين والوقوف إلى جانبهم من منطلق إنساني، مجدداً دعوته إلى تعيين وزير بيروتي لمتابعة شؤونها في ظل المعاناة الكبيرة التي تشهدها.
وكشف عن تحركات مرتقبة، وفق معلوماته، ستحصل في الأيام المقبلة على مستوى سياسي، من أجل أن يكون هناك مؤتمر أو لقاء في قصر بعبدا، ولكن ليس في هذه المرحلة، إذ إن الأساس هو نتائج المفاوضات وكيف ستنطلق وتنجح. واعتبر أن المرحلة الحالية هي بمثابة "حبس أنفاس"، وعلى أساسها يُبنى على الشيء مقتضاه.
وختم بالتأكيد أنه للمرة الأولى في كل العهود والحكومات المتعاقبة، يتجه رئيسا الجمهورية والحكومة نحو إطلاق المفاوضات المباشرة، شاء من شاء وأبى من أبى، داعياً إلى وقف مسايرات بعض الزعامات السياسية والإقطاعية والتيارات، وكل من ينتمي إلى هذا المحور أو ذاك.
