في ظلّ انتشار واسع لتقارير ومعلومات تتحدث عن تقنية تُعرف باسم "Ghost Murmur"، والتي يُقال إنها قادرة على تحديد مواقع الأشخاص عبر نبضات القلب عن بُعد، وربطها بسياقات أمنية وعمليات اغتيال حصلت في الفترة السابقة، تصاعد الجدل حول مدى صحة هذه الادعاءات وإمكانيتها العلمية.
وفي هذا الإطار، يوضح الخبير في التحول الرقمي وأمن المعلومات رولان أبي نجم، في حديثٍ لـ"ليبانون ديبايت"، حقيقة هذه المعلومات وحدودها التقنية والعلمية.
ما هي تقنية “Ghost Murmur”؟
ويشرح أبي نجم إنّ "الموضوع هو أنه بعدما تم إنقاذ الطيار الأميركي في إيران، طُرحت تقارير تتحدث عن ما يُسمّى "Ghost Murmur"، وهو مفهوم يُقال إنه يتيح تحليل إشارات القلب أو ما يُشبه "بصمة القلب"، ومن خلالها يمكن استنتاج بعض المعلومات، بعد انتشار هذه القضية، لاحظنا كيف تم التفاعل معها بشكل كبير ومبالغ فيه، وقد أُشير إلى أن هذه التقنية مكّنت من اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله وغيره، إلا أن هذا الكلام غير دقيق ولا يستند إلى معلومات صحيحة".
هل يمكن استهداف الأشخاص عبر “بصمة القلب”؟
ويشير إلى أنه "عند الحديث عن موضوع "بصمة القلب"، هناك نقطة أساسية يجب توضيحها، لو كان الأمر بهذه السهولة والدقة، بحيث يمكن تحديد مواقع الأشخاص أو استهدافهم اعتمادًا فقط على إشارات القلب، لكان المشهد الأمني والعسكري مختلفًا تمامًا، فعلى سبيل المثال، في العديد من العمليات، لو كان بالإمكان تحديد الأشخاص بهذه الطريقة، لما كان هناك حاجة إلى الاعتماد على الأقمار الاصطناعية، أو كاميرات المراقبة، أو مراقبة الاتصالات، أو تجنيد العملاء على الأرض، أو عمليات التتبع الميداني، بالتالي، هذا النوع من التقنيات، إن وُجد، فهو ما زال ضمن إطار البحث والتطوير، ولا يوجد ما يؤكد أنه يتيح هذا المستوى من الدقة أو الاستخدام العملي الواسع".
الواقع الاستخباراتي: منظومة معقّدة لا “تقنية سحرية”
ويشدّد أبي نجم على أن "هذا الطرح مبالغ فيه إلى حدّ كبير، فالإشارة الصادرة عن القلب ضعيفة جداً وتتلاشى بسرعة مع المسافة، ما يجعل فكرة رصدها أو استخدامها لتحديد مواقع الأشخاص من مسافات بعيدة أمراً شبه مستحيل عملياً، في المقابل، ما يحدث فعلياً في مثل هذه العمليات هو تكامل استخباراتي معقد بين عدة مصادر، تشمل الأقمار الاصطناعية، والطائرات المسيّرة، والاتصالات، وتحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى العمل الميداني البشري".
أمثلة ميدانية تُفند الرواية
ويلفت إلى أن "الأمثلة الواقعية تؤكد ذلك، إذ في أكثر من عملية، مثل استهداف فندق Comfort ، كان يتم التأكد من وجود الهدف ميدانياً قبل التنفيذ، ومع ذلك قد يتمكن الهدف من المغادرة وتفشل العملية، ما يؤكد أن المسألة ليست 'تقنية سحرية' أو 'كبسة زر'، بل عمل استخباراتي دقيق ومتعدد الطبقات، وبالتالي، فإن الحديث عن تقنيات قادرة على تتبّع البشر عبر بصمة نبض القلب عن بُعد يدخل في إطار التضخيم الإعلامي أو سوء الفهم التقني، بينما الواقع يعتمد على تحليل بيانات متقدم ودمج مصادر متعددة، ولو كان الأمر بهذه البساطة، لما بقي أحد على قيد الحياة، وفي زمن المعلومات السريعة يبقى التحقق ضرورة لا خياراً".
ماذا عن التقنيات الحديثة في المطارات؟
ويضيف أن "هناك أنظمة متطورة مستخدمة اليوم في المطارات، مثل أنظمة (Biometric Systems)، التي تعتمد على بصمات الوجه أو الأصابع أو الصوت وربطها بالهوية الشخصية، كما هو الحال في بعض الدول مثل دبي، لكن هذه الأنظمة تختلف كلياً عن فكرة "بصمة القلب" وتحديد أماكن الأشخاص عن بُعد من خلالها، لذلك تبقى هذه الفكرة غير واقعية علمياً حتى الآن".
ويختم أبي نجم مؤكدًا أن "هذا الموضوع ما زال في إطار النظريات والدراسات، ولا يوجد أي إثبات علمي نهائي يؤكد ما يُشاع حوله، كما أن الكثير من المعلومات المتداولة بشأنه تفتقر إلى الدقة وتحتاج إلى تدقيق ومراجعة معمّقة، وما يتم تداوله في هذا السياق غالبًا ما يكون نتيجة تضخيم إعلامي أو سوء فهم للتطورات التكنولوجية، لا سيما في ظل السرعة الكبيرة في انتشار الأخبار عبر وسائل التواصل، لذلك، من الضروري التعامل بحذر مع مثل هذه الادعاءات، والتمييز بين ما هو مثبت علميًا وما هو مجرد فرضيات أو تحليلات غير مبنية على أسس علمية واضحة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة ذات طابع أمني وتقني معقّد".
