بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

“قانون الإعدام” يكشف الحقيقة: إسرائيل في عامها الـ 78.. دولة الوقاحة والفاشية والفصل العنصري

“قانون الإعدام” يكشف الحقيقة: إسرائيل في عامها الـ 78.. دولة الوقاحة والفاشية والفصل العنصري

كتب المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي في “دفاتر السجن” في العام 1930 أنه عندما يموت القديم ولا يولد الجديد الذي يستطيع الولادة، تظهر أعراض سياسية واجتماعية مخيفة في المجتمع. في عيد استقلالها الـ 78 تغرق إسرائيل في المرحلة التي وصفها غرامشي. لم تعد ديمقراطية في أزمة مؤقتة أو مجتمع متطرف في ظل حرب طويلة الأمد، بل هي دولة تتخلى عن آخر الحواجز الأخلاقية والقانونية والسياسية لدولة القانون الديمقراطية، في طريقها لتصبح دولة فاشية عنيفة، ترسخ الهيمنة والفصل العنصري.

إن قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين في العام 2026 الذي صادقت عليه الكنيست في 30 آذار الماضي، لا يعتبر تعديلاً لقانون جنائي نابع من دوافع أمنية، وهو ليس رد فعل عاطفي وسياسي مبالغ فيه على مأساة 7 أكتوبر. هذه لحظة كشف الحقيقة. فهي تظهر أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى سجن الفلسطينيين وطردهم وتهجيرهم وتجويعهم والمس بقدرتهم على العيش، بل تسعى أيضاً إلى تخويل نفسها، بموجب نظام قانوني تمييزي، بإعدام الشعب الذي يخضع لحكمها.

هذا ليس قانوناً لمكافحة الإرهاب، بل قانون يعطي الدولة سلطة إضافية لقتل الفلسطينيين، في نظام يقوم أصلاً على تفاوت كبير بين اليهود والعرب. سيسمح القانون بمعاقبة الفلسطينيين بشكل انتقائي – الفلسطينيين فقط – ويمثل تصعيداً خطيراً في قمعهم. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن تطبيق هذا القانون في أراض محتلة يتمتع سكانها بالحماية، يعتبر انتهاكاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني. لا تكرس إسرائيل عقوبة الإعدام في لب تشريعاتها بشكل عام، بل توجهها نحو الشعب الذي تسيطر عليه بالقوة العسكرية. وهذا ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو عنصر بنيوي في واقع الهيمنة العرقية.

يجب فهم هذا القانون في سياق الحرب في قطاع غزة، والتطهير العرقي الذي يجري في الضفة الغربية والحرب مع إيران. إن أحداث السنوات الأخيرة، منذ بداية الانقلاب في كانون الثاني 2023 وحتى الآن، كل ذلك ليس سوى مظاهر دولة فقدت كل حدودها السياسية والأخلاقية، واستبدلت بضبط النفس القانوني عبادة العنف. إن الإبادة الجماعية في غزة ليست فقط خلفية عاطفية أو أمنية لسن هذا القانون، بل هي مفتاح فهم الوجه المتغير لإسرائيل.

في أيلول 2025 توصل تحقيق دولي للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة. ورغم استمرار الجدل حول المصطلحات، ترسم الوثائق والحقائق صورة واضحة: مجاعة، تدمير ممنهج لظروف المعيشة، تهجير جماعي، قتل للمدنيين بنطاق غير مسبوق، عنف يهدف إلى منع استمرار وجود المجتمع الفلسطيني في غزة. وبهذا المعنى، يعتبر قانون عقوبة الإعدام جزءاً لا يتجزأ مما حدث في غزة. إنه مرحلة أخرى في العملية التي تعتاد إسرائيل من خلالها على اعتبار قتل الفلسطينيين هدفاً مشروعاً يمكن تحقيقه بوسائل مختلفة: آلة الحرب الحكومية، إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، والتشريعات.

لقد أدركت حنة ارندت، أن النظام الذي يتبلور في إسرائيل لا يقوم على الأيديولوجيا فقط، بل أيضاً على التفكيك المنهجي للمساحة التي يعتبر فيها الناس متساوين أمام القانون. وقد بين الفيلسوف الأمريكي هوغو بيدا، وهو أحد أبرز المفكرين الذين عارضوا عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة، أن المسألة لا تقتصر على ما إذا كانت العقوبة رادعة، بل تتعداها إلى تحديد نوع الدولة التي تدعي سلطة القتل ضمن نظام عرضة للتعسف والتحيز والخطأ.

أما روبرت بيدنتر، الفقيه القانوني اليهودي الفرنسي الذي نشأ في ظل الكارثة وفقد والده في معسكر سوبيبور، فقاد لاحقاً نضالاً من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في فرنسا. وأدرك بيدنتر أن الدولة التي تختار الإعدام لا تظهر القوة، بل فشلاً أخلاقياً وسياسياً. وصمم كل من جان بول سارتر وفراندز فإنون، كل بطريقته، أن الحكم الاستعماري لا يقتصر على تجريد المحكومين من ممتلكاتهم، بل يفسد المجتمع الحاكم أيضاً، ويعوده على رؤية العنف كلغة طبيعية، ورؤية حياة المحكومين كمادة يمكن تشكيلها أو اختزالها أو محوها. في إسرائيل 2026 تتقاطع هذه العناصر عند تقاطع غزة، إرهاب المستوطنين في المناطق المحتلة، الحرب في إيران، وقانون عقوبة الإعدام.

لم يعد مصطلح “الفصل العنصري” مجرد شعار مثير للجدل، بل هو وصف دقيق للواقع في إسرائيل. حتى في جنوب إفريقيا في فترة نظام الفصل العنصري، لم يتم النص على عقوبة الإعدام في القانون كعقاب للسود فقط. مع ذلك، طبقت ضمن نظام قانوني عنصري بشكل واضح. ويتجلى هذا أيضاً في الأرقا؛ ففي الأعوام 1981 – 1990 تم إعدام حوالي 1100 شخص في جنوب إفريقيا، 97 في المئة منهم تقريباً من السود. وكان كل القضاة الذين أصدروا الأحكام من البيض. كانت الفجوة بنيوية. لقد طبقت عقوبة الإعدام ضمن نظام قانوني يفرط في حماية حياة البيض، في حين يتم إهمال حياة السود باستمرار. بالفعل، كانت هناك حالات نادرة حكم فيها على بيض بالإعدام بسبب قتل أو اغتصاب أشخاص سود، وأشهرها قضية جيني غوتسوينا، وهي امرأة سوداء اغتصبت وقتلت في شباط 1985، وحكم على اثنين من البيض بالإعدام بسبب ذلك، شالكا بورشر وجورج شبريز. ولكنها حالة استثنائية كشفت القاعدة.

مثلما هي الحال في إسرائيل، حيث حكم على عميرام بن أوليئيل، قاتل عائلة دوابشة، بثلاثة مؤبدات، لكنه حكم استثنائي كشف عن القاعدة التي يتمتع فيها الإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين بحصانة سياسية وقانونية، وهو الأمر الذي لا ينطبق على الفلسطينيين.

لذلك فإن معارضة عقوبة الإعدام في جنوب إفريقيا كانت في أساسها معارضة للنظام العنصري نفسه. وقال رئيس الأساقفة ديزموند توتو، وهو أحد أبرز الأصوات الأخلاقية في النضال ضد نظام الفصل العنصري، إن عقوبة الإعدام عار، لأنها تستخدم بشكل غير متناسب ضد الفقراء والأقليات العرقية (الذين كانوا في الغالب من السود). وفي جنوب إفريقيا أيضاً، لم يكن هذا مجرد تشويه للعدالة، بل إحدى الوسائل التي تحول فيها القانون نفسه إلى ذراع تنفيذية لهيمنة البيض.

في إسرائيل، يعتبر قانون عقوبة الإعدام عنصراً من عناصر الفصل العنصري، الذي يشكل البنية التحتية للاحتلال. تتم محاكمة اليهود الذين يعيشون في المنطقة نفسها مع الفلسطينيين في محاكم مدنية عادلة، بينما يحاكم الفلسطينيون في محاكم عسكرية تابعة للمحتل. ويُضمن لليهود كل الحقوق السياسية وحرية الحركة والحصول على الموارد، ونظام قضائي مدني، بينما يعيش الفلسطينيون تحت رقابة نقاط التفتيش، وأوامر العسكرية، وآليات ترخيص، وعقاب جماعي وعنف مستمر. في ظل هذا النظام، عندما تخول الدولة نفسها بإعدام من هم تحت الاحتلال فقط، يصبح الحديث عن الديمقراطية مع “استثناءات” أمراً لا معنى له. إنه نظام لا يوزع الأرض والمياه والطرق والحقوق وفقاً للانتماء العرقي فقط، بل يوزع الموقف من الحياة والموت أيضاً.

أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بأن 1697 فلسطينياً تم تهجيرهم من بيوتهم في 33 تجمعاً سكنياً في الأشهر الثلاثة الأولى في 2026، بسبب عنف المستوطنين وقيود الوصول إلى بيوتهم. أكثر من 68 في المئة من عمليات الطرد هذه كانت في غور الأردن، وبالتحديد بين تجمعات الرعاة والبدو. ووثق تقرير آخر صدر عن “أوتشا” في شباط 2026، 883 حالة تهجير لعائلات فلسطينية، فيها 4765 شخصاً، في 97 تجمعاً سكنياً، بسبب عنف المستوطنين منذ كانون الثاني 2023. وخلص مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن هذا العنف منسق استراتيجياً، وأكد أن السلطات الإسرائيلية تلعب دوراً رئيسياً في توجيه هذا النمط والمشاركة فيه إلى درجة يصعب فيها التمييز بين عنف الدولة وعنف المستوطنين. لم يعد هذا مجرد إهمال في تطبيق القانون، بل أصبح أسلوباً من أساليب الحكم.

هذه ليست استثناءات. فتجمعات الرعاة والبدو في غور الأردن وفي جنوب جبل الخليل يتركون بيوتهم ليس فقط امتثالاً لأوامر الإخلاء الرسمية، بل أيضاً بشكل خاص، بعد إزعاج متكرر يشمل اقتحام البيوت وإطلاق النار ومنع الوصول إلى المياه والمراعي وسرقة الأغنام والحرق المتعمد والاعتداءات وتدمير الممتلكات، وأحياناً القتل، وغالباً بحضور قوات الأمن أو بدعم منها. وتصف منظمات حقوق الإنسان نمطاً يصبح فيه العيش مستحيلاً، حتى يصبح الرحيل الخيار الوحيد؛ قد يظهر بأنه طوعي، لكنه في الواقع تهجير قسري عبر إرهاب مستمر.

هذه هي صورة سيادة إسرائيل في الضفة الغربية. جماعات من اليهود المسلحين، يعملون أحياناً ضمن أنظمة أمنية قُطرية، إلى جانب وحدات من الجيش الإسرائيلي، يحددون من يسمح له بالتنقل والرعي والحرث والبناء والنوم بأمان. الخط الفاصل بين الجندي والمستوطن والمشاغب المسلح يتلاشى بالتدريج. هذه هي المرحلة التي يتوقف فيها النظام عن كونه نظاماً للقانون، ويصبح نظاماً للحصانة العرقية: يمكن لجماعة أن تتصرف بعنف دون أن تدفع أي ثمن، بينما تبقى الجماعة الأخرى موضع شك دائم وعرضة للموت.

قانون عقوبة الإعدام جزء من هذا الواقع، فهو ببساطة يترجمه إلى لغة قانونية. ولكنه مرتبط أيضاً بواقع غزة. الدولة نفسها التي تسمح للمستوطنين بارتكاب مذابح في قرى فلسطينية في الضفة الغربية، طبقت في غزة سياسة إبادة وتجويع وتدمير مستشفيات وتدمير البنى التحتية المدنية، وحولت وجود الشعب الفلسطيني نفسه إلى مشكلة يجب حلها بالقوة. قطاع غزة والضفة الغربية وقانون عقوبة الإعدام ليست إلا تعبيراً عن واقع واحد. وهذا توجه سائد.

في إسرائيل الآن لم تعد الفاشية والفصل العنصري مجرد شعارات أو استعارات بل مصطلحات تعكس الواقع بدقة: الفصل العنصري؛ بين البحر والنهر نظام واحد من حيث السيادة، ونظامان من حيث الحقوق والعدالة والعقاب. الفاشية؛ لأن سيادة اليهود لم تعد مقيدة بالتزام عميق بالمساواة الإنسانية والقانون، ولأن العنف لم يعد مجرد وسيلة للسيطرة، بل أصبح مثالاً أعلى واختباراً للولاء للهيمنة اليهودية.

إن التهجير اليومي والإرهاب في الضفة الغربية، ومذابح الأبرياء، والمجاعة والدمار الشامل في قطاع غزة، الحرب ذات الأهداف المشبوهة المستمرة في إيران، والتقنين القانوني لحق الدولة في قتل الخاضعين لسلطتها في ظل نظام الفصل العنصري، كل ذلك عوامل تتشابك لتشكل بنية جديدة للدولة اليهودية.

إن إسرائيل لا تتجه نحو التحول إلى دولة فصل عنصري فاشية فقط، بل هي غارقة في هذه العملية. الأمر لا يقتصر على الحكومة المتطرفة الحالية، فقد تعودت شرائح واسعة في المجتمع الإسرائيلي على العيش بسلام في ظل التفوق العرقي، وعلى اعتبار الإبادة البطيئة والعلنية لشعب آخر ثمناً مقبولاً مقابل حياة اليهود، التي يفترض أنها طبيعية. لذلك، فإن قانون عقوبة الإعدام ليس مجرد قانون، بل دليل على أن دولة ولدت من وعد بالتحرير التاريخي والأخلاقي لشعب عرف الإبادة الجماعية، حيث تمت إبادة ملايين من أبنائه، تعيد تشكيل نفسها بعد حوالي ثمانين سنة كدولة عنصرية وقحة تلجأ إلى العنف الجامح. هذه ليست دولة ديمقراطية تعيش في أزمة، بل دولة تفقد هويتها وتشكك بالمبررات الأخلاقية والتاريخية لوجودها.

دانييل بلتمان

هآرتس 17/4/2026