بقي قرار وقف إطلاق النار الذي أعلنه دونالد ترامب، عقب اتصال مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ووافق عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بناءً على طلب الإدارة الأميركية، مركز اهتمام المتابعين لمعرفة الرواية الكاملة التي أدّت إلى هذا السياق، وسط تضارب في المعلومات حول الطرف الذي فرض هذه الهدنة. كما بقيت تساؤلات كثيرة عالقة: هل هي هدنة هشة سنعود بعدها إلى الحرب، أم سنعود إلى الأشهر الـ15 التي سبقت الحرب من استفراد إسرائيلي بالنار على لبنان من دون أي رد؟
مصادر متابعة لمجريات المفاوضات والاتفاق الذي جرى تروي بشكل شامل ما حصل، وتقول: "كانت إيران قد أبلغت حزب الله ظهر الأربعاء 15 نيسان 2026 بالتوجّه نحو وقف إطلاق نار مؤقت يمتد بين أسبوع وعشرة أيام، في إطار مبادرة حسن نية مرتبطة بعودة طهران إلى مسار المفاوضات في إسلام آباد، وهو ما شكّل أحد المطالب الإيرانية الأساسية". وتلفت إلى أنّه في هذا السياق يتبيّن أنّ الملف اللبناني ليس معزولاً، بل هو جزء من مشهد إقليمي أوسع وصراع كبير يعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
وترى المصادر أنّ الحراك الجاري، الذي بدأ من إسلام آباد وانتقل إلى دول أخرى، من ضمنها السعودية ومصر، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لا يندرج في إطار مبادرات ظرفية لوقف التصعيد فحسب، بل يشكّل مساراً سياسياً متكاملاً يهدف إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب وإعادة رسم توازنات المنطقة. وبطبيعة الحال، ينعكس هذا المسار على لبنان، باعتباره جزءاً عضوياً من هذا المشهد، ما يجعل وقف إطلاق النار المؤقت فيه ترجمة مباشرة لتفاهمات أوسع انخرطت فيها قوى دولية وإقليمية، وفي مقدّمها طهران وواشنطن.
وعلى المستوى اللبناني، تشير المصادر إلى أنّ الإدارة الأميركية تعمل على مسارين متوازيين ومتكاملين: الأول مع إيران، من خلال توظيف وقف إطلاق النار كورقة سياسية لتسهيل عودتها إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد، والثاني مع لبنان، عبر إشراك الحكومة اللبنانية، ولو شكلياً، في إنتاج هذا المسار، بما يفتح الباب أمام دفعها إلى مزيد من الانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية.
وتلفت المصادر، على المستوى الإقليمي، إلى أنّ إشراك باكستان يحمل دلالات استراتيجية تتصل بإدخال البعد السني الإقليمي في معادلة التفاوض، نظراً لتقاطعاتها العميقة مع كل من تركيا والسعودية. كما أنّ جدول الأعمال المطروح لا يقتصر على الملف النووي الإيراني، بل يمتد ليشمل أمن إسرائيل، وإعادة هيكلة الاستفادة من الموارد النفطية الإيرانية، ضمن رؤية أميركية أوسع تهدف إلى الحد من النفوذ الصيني، وإعادة تموضع إيران ضمن النظام الإقليمي بما يخفف من ارتباطها بمحور الصين–روسيا.
وترى المصادر أنّ ما يجري هو عملية إعادة تشكيل شاملة للمنطقة، يُعاد من خلالها إنتاج موازين القوى، وهو ما يفسّر مقاربة «حزب الله» منذ بداية المواجهة، حيث اختار التموضع ضمن الإطار الإقليمي الأوسع، بما يتيح له تحسين شروط التفاوض غير المباشر، وضمان حضور عناصر القوة المرتبطة به في أي تسوية سياسية محتملة.
في المقابل، تشير المصادر إلى أنّ انخراط الدولة اللبنانية في مسار مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، في ظل انقسام داخلي واضح، يطرح إشكاليات بنيوية تتصل بمدى قانونية هذا الخيار وجدواه السياسية. فالدستور اللبناني والقوانين النافذة يقيّدان مسألة الاتصال المباشر، ما يستدعي تعديلات جوهرية في حال تثبيت هذا المسار، فضلاً عن كونه يجري في ظل غياب توافق وطني جامع.
وتحذّر المصادر من أنّ الاستعجال في الانخراط في مفاوضات مباشرة، من دون بناء أرضية داخلية صلبة، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج تجارب تاريخية سابقة، كما حصل عقب اتفاق 17 أيار في عهد الرئيس أمين الجميل، حين قاد الرهان غير المتوازن على المسار الأميركي إلى انقسامات داخلية حادة وانعكاسات طويلة الأمد على الاستقرار السياسي والمؤسساتي في البلاد.
وفي ضوء ما تقدّم، تطرح المصادر ضرورة استثمار فترة وقف إطلاق النار المؤقتة كفرصة لإعادة ترتيب الداخل اللبناني، من خلال بلورة موقف وطني موحّد، وصياغة رؤية تفاوضية تستند إلى عناصر القوة الواقعية، بما يتيح للبنان الدخول في أي مسار تفاوضي من موقع أكثر تماسكاً وتأثيراً. كما تحذّر من الانزلاق إلى مفاوضات قد تُستخدم لفرض شروط استراتيجية، كمسألة نزع سلاح «حزب الله» أو إنشاء مناطق عازلة، لما قد يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على التوازنات الداخلية.
أما عن استمرار الخروقات الإسرائيلية في الساعات التي تلت وقف إطلاق النار وحتى الآن، من دون أي ردّ من الحزب، فتؤكد المصادر أنّ التريّث لا يعني الإذعان لما حصل خلال الأشهر الـ15 الماضية، بل يهدف إلى تثبيت الحجة على المعتدي. وبذلك، سيكون أي ردّ مقبل مشروعاً تحت أنظار الراعي الأميركي، الذي، على ما يبدو، فهم الرسالة وأوعز لإسرائيل بعدم شن هجمات على لبنان، فيما ستُظهر الساعات المقبلة ما إذا كان كلام ترامب مسموعاً في إسرائيل.
ومن هذا المنطلق، تبدي المصادر تفاؤلاً مشوباً بالحذر، وتعتبر أنّ وقف إطلاق النار الحالي، على الرغم من هشاشته، قد يشكّل جزءاً من مسار تفاوضي أوسع لا تزال ملامحه قيد التشكّل، مشددة على أنّ الوحدة الداخلية تشكّل عنصر تحصين ومكسباً للبنان في ظل التغيّرات التي تطرق باب المنطقة والعالم.
