في لحظةٍ حساسة من مصير وقف إطلاق النار، عاد الجنوب إلى واجهة التصعيد الميداني، في مشهد يعكس هشاشة الهدنة ويفتح الباب أمام احتمالات متعددة، بين احتواء التوتر أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
في هذا السياق، أعلن "حزب الله" صباح اليوم، استهداف رتل مدرّعات للجيش الإسرائيلي بين الطيبة ودير سريان بعبوات ناسفة مزروعة مسبقًا، ما أدى، بحسب بيانه، إلى تدمير 4 دبابات "ميركافا" إثر انفجارين متتاليين بين 15:40 و16:40، قبل سحبها عند 18:00، مؤكدًا أن العملية جاءت ردًا على "خروقات" وقف إطلاق النار.
في المقابل، وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي تحذيرًا عاجلًا لسكان جنوب لبنان دعاهم فيه إلى عدم التحرك في مناطق واسعة أو الاقتراب من نهر الليطاني ووادي السلوقي، وعدم العودة إلى القرى الحدودية، مؤكدًا استمرار هذه القيود "حتى إشعار آخر".
وسط هذا التصعيد، يبرز مفهوم "الخط الأصفر" كعنوانٍ أساسي للمرحلة الحالية، في ظل تحوّله إلى عنصر حاسم في رسم قواعد الاشتباك على الأرض. وفي هذا الإطار، يوضح الخبير العسكري العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن هذا الخط يشكّل عمليًا "منطقة اشتباك" فرضتها إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، وتمتد لعدة كيلومترات، وتُدار عبر انتشار عسكري مكثف ونقاط مرتفعة تشرف على مساحات واسعة من الجنوب.
ويشير إلى أن "هذه المنطقة، التي تُقدّر مساحتها بنحو 470 كلم²، تضم عشرات التلال والنقاط العسكرية، ما يتيح لإسرائيل فرض سيطرة نارية على محيطها، والتحكم بحركة السكان وعودتهم، ضمن ما يمكن وصفه بـ"منطقة عازلة" غير معلنة".
ويضيف بالوكجي، أن "هذا الواقع الميداني يندرج في إطار الضغط على لبنان ضمن مسار المفاوضات"، معتبرًا أن الهدنة "سقطت عمليًا" بفعل الخروقات المتبادلة، في ظل استمرار العمليات العسكرية المحدودة من الجانبين.
وفي قراءة لطبيعة المواجهة، يلفت إلى أن "حزب الله" انتقل من نمط "القتال التأخيري" إلى مرحلة اشتباك أكثر مباشرة، مستفيدًا من الاحتكاك القائم داخل مناطق الانتشار الجديدة، ما يرفع من احتمالات تسجيل خسائر متبادلة.
ويتابع أن غياب أي اتفاق واضح حول "الخط الأصفر"، بخلاف تجارب سابقة، يفتح المجال أمام تصعيد غير مضبوط، في ظل غياب قواعد اشتباك محددة أو تفاهمات تنظّم هذا الانتشار، ما يجعل أي حادث ميداني قابلًا للتدحرج سريعًا نحو مواجهة أوسع.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الهدنة أمام "اختبار فعلي"، حيث تتقاطع الضغوط الميدانية مع التعقيدات السياسية. وبينما قد يتم تمديدها شكليًا، إلا أن استمرار الخروقات والاشتباكات المحدودة يهدد بتفريغها تدريجيًا من مضمونها.
وعليه، تتراوح السيناريوهات بين احتواء الاشتباكات ضمن سقف منخفض يسمح باستمرار المسار التفاوضي، أو انزلاقها نحو تصعيد أوسع في حال فقدان السيطرة على إيقاع الميدان.
وفي المحصلة، يبقى الجنوب ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تختبر الوقائع الميدانية قدرة الهدنة على الصمود… أو سقوطها تحت ضغط النار.
