بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

صحيفة إسرائيلية: خيارا ترامب إزاء لبنان.. إما الحرب الشاملة أو تدخل مباشر لإحياء المفاوضات

صحيفة إسرائيلية: خيارا ترامب إزاء لبنان.. إما الحرب الشاملة أو تدخل مباشر لإحياء المفاوضات

ما زال تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله مستمراً في ظل القيود التي فرضها ترامب، الذي حدد “المناطق”، الجغرافية والكمية، التي يسمح لإسرائيل بالعمل فيها في لبنان. وقد استندت مرونة وقف إطلاق النار في البداية إلى مطالبة إيران بوقف إطلاق النار في لبنان كشرط لمشاركتها في جولة المحادثات الأولى بينها وبين الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر. وقد نفى ترامب وجود أي صلة بين الموقفين، لكن تقارب الأحداث لا يترك أي مجال للشك.

لقد كان على إسرائيل ضمان إعداد الظروف المطلوبة لعقد هذا اللقاء، الذي لم يسفر عن أي نتائج ملموسة. وبعد ثلاثة أيام من محادثات إسلام آباد، عقد أول لقاء على مستوى السفراء بين إسرائيل ولبنان في واشنطن. ومنذ ذلك الحين، لم يتصاعد التوتر في لبنان فحسب، بل امتد إلى منطقة الخليج الفارسي: فقد توقفت جولات المحادثات المخطط لها بين الوفدين الأمريكي والإيراني، ويبدو أن الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران، إلى جانب خطاب ترامب التهديدي ورد إيران عليه، تمهيد لعمل عسكري. مع ذلك، لم يخفف ترامب القيود التي فرضها على إسرائيل، وما زال يمنعها من شن حملة واسعة النطاق في لبنان كما تشاء.

سواء سعى ترامب إلى تحييد لبنان كورقة ضغط إيرانية، أو الفصل بين الجبهتين، يبدو أنه، خلافاً لموقف إسرائيل، يعطي أهمية كبيرة لتقوية القناة الدبلوماسية بين إسرائيل ولبنان. في واشنطن، مثلما في إسرائيل، يسود إجماع حول قدرة الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني على نزع سلاح حزب الله. وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي، روبيو، في هذا الأسبوع عن دعمه لتقديم المساعدات والدعم للجيش اللبناني، بل وأشار إلى وجود نية لإنشاء وحدات مختارة فيه، تخضع لتدريب متخصص وتجهز بالأدوات المناسبة لمواجهة حزب الله. ولكنه أقر أيضاً بأن “الجيش تنقصه القدرات الكاملة للتعامل مع كل تهديدات حزب الله”.

كان من المفروض أن يدفع هذا الفهم لقدرات الجيش اللبناني الإدارة الأمريكية إلى مطالبة الكونغرس برزمة مساعدات شاملة للجيش اللبناني، وإعادة البنية التحتية المطلوبة للتنسيق العسكري والسياسي بين إسرائيل وحكومة لبنان، واقتراح خطة عمل مشتركة وتسريع جولة اللقاءات القادمة بين الدولتين. مع ذلك، اكتفى البنتاغون حتى الآن بمطالبة الكونغرس بتخصيص 36 مليون دولار للجيش اللبناني، مقارنة بـ 250 مليون دولار تمت الموافقة عليها في نهاية السنة الماضية. ويخصص المبلغ المطلوب في أقصى الحالات لشراء سيارات مدرعة ومعدات قتالية أخرى، لكنه لا يكفي لتلبية احتياجات جيش يعاني من صعوبة في دفع رواتب جنوده. أيضاً، هذه المساعدة لن تكون كافية لتمويل تجنيد آلاف الجنود اللبنانيين الإضافيين، الذين سيتمكنون بعد استكمال تدريبهم من الانتشار في جنوب لبنان والعمل ضد حزب الله شمال نهر الليطاني وفي كل أرجاء البلاد.

دون دعم مالي حقيقي، ودون خطة عمل منسقة بين إسرائيل والولايات المتحدة ولبنان، فإن قرار الحكومة اللبنانية غير المسبوق بنزع شرعية حزب الله العسكرية، وفرض سيادة لبنان على كل أراضيه، إضافة إلى اللقاءات الدبلوماسية رفيعة المستوى، قد يبقى مجرد فصل مثير للاهتمام في كتاب يستكشف تاريخ العلاقات بين الدولتين والفرص الضائعة. ويستغل حزب الله وإيران غياب سياسة أمريكية حازمة بشكل كامل، هدفهم المباشر هو تقويض الدعم الشعبي في لبنان للتحركات الدبلوماسية، وتفكيك وحدة الصف في الساحة السياسية الهشة أصلاً، وبالتالي إعادة إضفاء الشرعية على حزب الله وتعزيز قبضة إيران.

خطوة حزب الله الأولى هي إفشال المفاوضات المباشرة، وإعادة العمل حسب مبدأ المفاوضات غير المباشرة، التي ستكون مشروطة أيضاً بوقف إطلاق نار كامل وشامل. من المهم التذكير بأن الحكومة اللبنانية قد تجاوزت هذا “الخط الأحمر” مراراً وتكراراً عندما وافقت على التفاوض مع إسرائيل تحت ضغط النار، بحجة أن الأمر يتعلق بانتهاكات إسرائيلية وليس بحرب شاملة، ولم تحصل على ما أرادته، وهو السماح لسكان جنوب لبنان بالعودة إلى بيوتهم، ولم تكتف إسرائيل بعدم الانسحاب من المواقع الخمسة التي سيطرت عليها في بداية الحرب، بل واصلت السيطرة على مناطق في عمق لبنان مع تدميرها الممنهج لعشرات القرى وتشريد أكثر من ربع مليون لبناني من بيوتهم. وكل ذلك يخدم حزب الله في ترسيخ معارضته لسياسة الحكومة وإجراء المفاوضات و لمواصلة إطلاق النار، الذي يستهدف إثبات ادعائه الأساسي القائل بأنه هو فقط القادر على الدفاع عن الدولة ومواطنيها.

لكن هذه ليست مجرد حرب بقاء أخرى. فالهجمات الكثيفة على إسرائيل وإلحاق الأذى بجنود الجيش الإسرائيلي تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: إظهار التحدي العسكري الذي ستواجهه الحكومة اللبنانية إذا قررت تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله، ومنع الانقسام في صفوف الطائفة الشيعية التي بدأت بعض مكوناتها تظهر بوادر التفكك، والأهم إعادة إيران إلى مكانة الدولة “الوسيطة” الوحيدة القادرة على توجيه سياسة الحكومة اللبنانية، وبالتالي، استغلال هذه الظروف لإنهاء الحرب في الخليج.

لقد حقق حزب الله إنجازاً سياسياً بتأجيل الاجتماع المخطط لعقده الإثنين بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري لمناقشة الخطوات الدبلوماسية القادمة، وذلك بسبب خلافات في الرأي بين عون وبري. وقد ألغي لقاء بديل تقرر الأربعاء بمبادرة من نبيه بري. أما ما أزعج رئيس البرلمان فهو تصريح عون بأن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بما في ذلك لقاءات السفراء، جرت بعد تنسيق مسبق مع بري. وقد رد بري بغضب على هذه التصريحات وقال: “مع كل الاحترام لمكانة الرئيس، فإن ما قاله غير دقيق على أقل تقدير، سواء فيما يتعلق باتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، أو فيما يتعلق بالمفاوضات”. بكلمات أخرى، يقول بري إن عون يكذب عندما يقول بأن رئيس البرلمان وافق على تحركات الحكومة تجاه إسرائيل ودعمها. ولتجنب الظهور بمظهر من يواصل تنسيق مواقفه مع القيادة، ألغى مشاركته في اللقاء الثلاثي.

لكن بري نفسه غير دقيق (لا حاجة للتحدث أكثر)، ويظهر استعراض تصريحاته الأخيرة بأنه أيد قرار الحكومة توحيد السلاح الخاضع لسيطرتها، وأنه لم يعارض تماماً اللقاء في واشنطن. صحيح أنه طالب بأن يطرح لبنان انسحاب إسرائيل وعودة سكان القرى إلى بيوتهم كشروط أساسية لاستمرار المفاوضات، أو على الأقل أن يكون هناك التزام إسرائيلي بتنفيذ هذه الشروط ويكون ذلك على رأس سلم أولوياته، ولكن دقة الصياغة وقول الحقيقة ليست القضية الأساسية.

يخوض بري صراعاً سياسياً على تمثيل الطائفة الشيعية وعلى مكانته كأقوى سياسي في البلاد، والقادر على توجيه مسارها. هذا ليس صراعاًمحسوماً ضد الرئيس ورئيس الوزراء فقط، بل ضد حزب الله أيضاً. هذا يعني أنه ما دام عون يقدم سياسته ضد حزب الله بأنها مدعومة من بري باعتباره ممثلاً للشيعة، فقد تم وضع حزب الله في زاوية التنظيم المتمرد الذي لا يمثل حتى كل أبناء الطائفة. والآن، من غير الواضح كيف يعتزم الرئيس ورئيس الوزراء مواصلة المساعي الدبلوماسية في ظل “خرق بري للقواعد” وتقديمه فجأة لموقف متناقض. بالنسبة لحزب الله، يعتبر هذا الانقسام الجديد الذي أحدثه بري نجاحاً كبيراً، رغم إدراكه بأن الاتساق ليس من صفات الزعيم الشيعي المخضرم.

ولتجنب أزمة سياسية قد تعرقل العملية الدبلوماسية بين إسرائيل ولبنان، فالمطلوب تدخل أمريكي سريع يحدد ملامح الجولة القادمة للمحادثات بينهم، ورزمة المكاسب التي قد تحصل عليها حكومة لبنان. هذا يعني أن على ترامب أن يقرر إذا كان سيوقف إطلاق النار بشكل كامل في جنوب لبنان أيضاً، وإذا كان سيطلب من إسرائيل الالتزام بالانسحاب من “كل المناطق” أو من بعض المناطق التي سيطرت عليها في لبنان وضمن أي جدول زمني.

لاتخاذ مثل هذا القرار، يجب إقناع الرئيس الأمريكي بأن هذه الخطوة، التي تعني مواجهة مباشرة مع إسرائيل، هي أفضل من منحها حرية استئناف الحرب بكامل قوتها. وهذا ليس بالضرورة قراراً صعباً. فعندما لا يكون على يقين بأن الجيش الإسرائيلي وحده سينجح في نزع سلاح حزب الله، وعندما يخدم استمرار الحرب مصالح إيران، فإن تحييد النفوذ السياسي لحزب الله وتضييق نطاق تأثير إيران والتوصل إلى اتفاق سياسي بين إسرائيل ولبنان، قد يشكل إنجازاً جديراً، يضاف إلى قائمة الحروب التي تمكن ترامب من إنهائها بنفسه.

تسفي برئيل

هآرتس 1/5/2026