بينما يتواصل الجمود في المفاوضات الخاصة بتطوير اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تستمر قوات الاحتلال في شن هجمات عنيفة على القطاع، توقع ضحايا وخسائر مادية. وقال مصدر في حركة المقاومة الإسلامية “حماس” إن إسرائيل، عبر رفع وتيرة التصعيد العسكري الأخير واغتيال نجل رئيس الحركة في غزة خليل الحية، تريد أن تفرض معادلة “التفاوض بالرصاص”.
وقال المصدر لـ”القدس العربي” إن الحركة تعي جيداً أن التصعيد العسكري الخطير الذي شرع به الاحتلال، وكان من ضمنه اغتيال نجل الحية، يهدف إلى إيصال رسائل مباشرة مفادها أنها تنوي، في ظل رفض المقاومة بند “نزع السلاح”، الذهاب إلى مرحلة “التفاوض بالرصاص”.
وأكد أن عملية الاغتيال جاءت بعد زيارة الممثل السامي لـ”مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف إلى تل أبيب، ولقائه هناك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، حيث أبلغه برد فصائل المقاومة، ما يعني أن إسرائيل ذهبت إلى هذا التصعيد لإيصال رسائل مباشرة، هدفها تحقيق الضغوط.
وقال المصدر: “حماس اعتادت على ذلك، ولن تنجح مثل هذه الضغوط في تغيير المواقف”، مشيراً إلى كلمة الحية المسجلة، بعد استشهاد نجله الرابع في غزة، ومشيراً إلى أن “حماس” وفصائل المقاومة تتوقع هجمات أخرى ومفاجآت إسرائيلية، بهدف الضغط لتغيير المواقف.
وكشف المصدر عن محاولات ملادينوف، من خلال الضغط في الفترة الماضية، تغيير العديد من الصياغات التي وردت في البنود التي قدمت لسد فجوات الخلاف حول المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة.
وأوضح أن عملية اغتيال نجل الحية سبقتها بساعات جلسة تفاوض شاركت فيها فصائل المقاومة في غزة، تخص تطوير اتفاق التهدئة، ضمن محاولات الوسطاء تقريب وجهات النظر وسد الفجوات وتقليصها.
وكشف أن حركة “حماس” وفصائل المقاومة رفعت من “الإجراءات الأمنية المشددة”، في ظل المعطيات على الأرض، والمخاوف من “مفاجآت إسرائيلية جديدة”.
احتياطات أمنية
ومن بين هذه الإجراءات، احتياطات أمنية مشددة حول وفد التفاوض وقادة الحركة الموجودين في الخارج، بعد تعليمات مشددة بدأ تنفيذها قادة الحركة في غزة.
وفي السياق، فإنه خلافاً لما أشيع، لم تنسحب المقاومة الفلسطينية وحركة “حماس” من المفاوضات التي تبذل حول ملف التهدئة. وقال المصدر المطلع: “الجميع متمسك برفض نزع السلاح، والجميع يطالب بأن يصار أولاً إلى تطبيق بنود اتفاق المرحلة الأولى، قبل الذهاب إلى المرحلة الثانية”.
وأضاف: “طلبنا ذلك، وأبدى الوسطاء استعدادهم للتحرك في هذا السياق، وإسرائيل ردت بالاغتيالات والتصعيد”.
وفي هذا السياق، كان الدكتور خليل الحية، رئيس حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في قطاع غزة، قال في كلمة مسجلة بعد اغتيال إسرائيل نجله عزام في غزة: “العدو الصهيوني تعود على أن يفاوض الفلسطينيين وغير الفلسطينيين بالنار”.
وأضاف: “هذا الاستهداف هو امتداد لاستهداف العدو الصهيوني الوفد المفاوض في قطر العام الماضي، ويأتي في السياق نفسه، فهو يريد أن يفرض ما يريد على طاولة المفاوضات ولكن بالنار”.
وأضاف الحية: “نحن نفاوض باسم شعبنا وباسم مقاومتنا فيما يحقق الأهداف لشعبنا”، وقال: “إذا كان العدو الصهيوني يظن أنه باستهداف القادة أو باستهداف أبنائهم وعوائلهم يمكن أن يأخذ منا ما لا نريد، وأن يحقق بالقتل والإرهاب ما يريد، فأنا أقول إن هذا وهم ومحال أن يحققه في هذه الظروف، ولن يصل الاحتلال إلى مراده”.
وأشار إلى أن بوصلة “حماس” هي “مصلحة شعبنا وتحقيق أهدافه السياسية المشروعة، وتحقيق الاستقرار والطمأنينة له، وتحقيق ما يمكن أن يجعل شعبنا يثبت على أرضه ويثبت في وطنه لا يتزحزح”.
ومع حالة التعثر التي تهيمن على الجهود التي يبذلها الوسطاء لتطوير اتفاق وقف إطلاق النار، بسبب الخلافات الكبيرة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل حول ملف “سلاح المقاومة”، واصلت قوات الاحتلال هجماتها على قطاع غزة.
وذكرت مصادر محلية أن قوات الاحتلال هاجمت الحدود الشرقية لمدينة غزة، وتحديداً المناطق الواقعة داخل حدود “الخط الأصفر”، كما قامت الزوارق الحربية بإطلاق النار من رشاشات ثقيلة في عرض بحر المدينة.
وقصفت مدفعية الاحتلال محيط جسر وادي غزة شمال شرق مخيمي النصيرات والبريج، كما تعرضت حدود البريج الشرقية لإطلاق نار كثيف من رشاشات ثقيلة.
وقامت أيضاً الآليات العسكرية المتوغلة شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع بإطلاق النار من رشاشات ثقيلة على البلدات والأحياء الواقعة ضمن نطاق “الخط الأصفر”، الذي يلتهم 60% من أراضي القطاع، وذلك بالتزامن مع قصف مدفعي متقطع.
وهذه الهجمات تخالف اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، المبرم بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، والذي ينص على وقف الهجمات المتبادلة، وقد دخل حيز التنفيذ يوم 10 تشرين الأول / أكتوبر من العام الماضي.
كما تواصل فرض قيود مشددة على دخول السلع والمساعدات إلى السكان، مخالفة بذلك البروتوكول الإنساني الملحق باتفاق وقف إطلاق النار، الذي ينص على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً.
الحصار
وفي سياق الحديث عن مآسي غزة التي خلقها الحصار، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” ضرورة السماح لعمال النظافة في غزة بإزالة النفايات من مواقع النزوح والمناطق السكنية ونقلها إلى مدافن النفايات المخصصة في القطاع، للحد من مخاطر الحرائق التي قد تهدد الأرواح.
وتمنع إسرائيل منذ بداية الحرب على غزة وصول عمال البلديات إلى مكبات النفايات الرئيسة الواقعة قرب الحدود الشرقية للقطاع، وهي حالياً من ضمن المناطق المصنفة خلف “الخط الأصفر”.
وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمم المتحدة، إنه مع تعذر الوصول إلى مدافن النفايات المخصصة خلال فترة الأعمال القتالية، تحول سوق فراس وسط مدينة غزة إلى مكب رئيسي للنفايات الصلبة؛ حيث تغطي القمامة الآن كتلة سكنية كاملة، وتتجاوز أكوامها ارتفاع أربعة طوابق. إنه مشهد يصعب تخيله.
ونقل موقع الأمم المتحدة عنه القول إن الشركاء يشددون على ضرورة الحصول على تصاريح لإدخال الآليات اللازمة لإزالة النفايات والأنقاض والذخائر المتفجرة في القطاع، فضلاً عن قطع الغيار المطلوبة لتشغيل تلك المعدات. وأضاف: “تعد هذه التصاريح أمراً بالغ الأهمية أيضاً للتصدي للمخاطر الصحية المرتبطة بانتشار الآفات والقوارض”.
وفي سياق متصل، قال دوجاريك إن وصول السكان إلى المياه لا يزال يمثل تحدياً كبيراً. وأوضح أنه في ظل البنية التحتية المدمرة، يقوم نحو 40 شريكاً بتوزيع ما يقرب من 20 ألف متر مكعب من المياه يومياً عبر الشاحنات، لافتاً إلى أنها عملية تعتمد بشكل كبير على توفر الوقود واستمرار التمويل.
وأضاف: “لتلبية احتياجات الأسر من المياه المخصصة للشرب والطهي، يضطر السكان إلى تجميع المياه مباشرة من تلك الشاحنات عند نحو ألفي نقطة توزيع. ومع ذلك، يفتقر الكثير من الناس إلى الأوعية المناسبة لتجميع المياه وتخزينها، كما يعجز مقدمو الخدمات عن ضمان التوزيع العادل للمياه بشكل كامل”.
