قال المعلق سايمون تيسدال إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيصل إلى العاصمة الصينية هذا الأسبوع بدون أوراق تفاوضية قوية.
وفي مقال نشرته صحيفة “الغارديان”، قال إن ترامب يُعمل الهدم في النظام الدولي، مثل كرة الدمار التي تتأرجح جيئة وذهابا، وبدون أي اكتراث للعواقب.
فهو، كما يقول تيسدال، يفتقر إلى استراتيجيات متماسكة وخطط عملية وأهداف ثابتة، ويتنقل بعنف بين المناطق الهشة ومناطق الحروب المتوترة والأوضاع الجيوسياسية المعقدة، مخلفا وراءه البؤس والفوضى والخراب.
كعادته، يدعي ترامب أنه حقق انتصارات زائفة، ويطالب الآخرين بإصلاح الضرر وتحمل التكاليف، ثم يركز نظره على هدف جديد لتدميره
وكعادته، يدعي أنه حقق انتصارات زائفة، ويطالب الآخرين بإصلاح الضرر وتحمل التكاليف، ثم يركز نظره على هدف جديد لتدميره.
وأضاف الكاتب أن الرئيس سيخوض هذا الأسبوع في حقل ألغام دولي، وهي المواجهة المستمرة والمتوترة بين الصين وتايوان، حيث سيصل إلى بيجين للاجتماع في قمة مع الرئيس شي جين بينغ على مدى يومين.
وبعد سلسلة من الإخفاقات السياسية المذلة في أوكرانيا وغزة، وحلف شمال الأطلسي وغرينلاند، والآن إيران ولبنان، يتوق ترامب إلى نجاح دبلوماسي يتباهى به داخل أمريكا، مع أن آماله في إبرام اتفاقيات تجارية تكسبه أصوات الناخبين تتلاشى أمام حربه الأخيرة التي اختارها في إيران. فهو يحتاج إلى وعد من شي جين بينغ بعدم تسليح إيران في حال استئناف القتال الشامل، وإلى مساعدة الرئيس الصيني في إبقاء مضيق هرمز مفتوحا كجزء من اتفاق سلام إطاري مقترح.
ويعتقد تيسدال أن موقف ترامب قبيل القمة يثير التكهنات بأن تقليص الدعم الأمريكي لتايوان قد يكون هو الثمن الذي سيطلبه شي كمقابل للعب دور المحاور الودي.
ويدرك شي أن الحرب مع إيران لا تحظى بشعبية كبيرة لدى الأمريكيين، كما يتحمل ترامب مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والدواء على المستوى العالمي بسبب حربه التي اختارها ضد إيران. وقد رفض الحلفاء الأوروبيون إنقاذه، فيما تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، بينما تتحمل الدول الفقيرة العبء الأكبر.
ولا يحقق ترامب انتصارات عسكرية أيضا، كما يتضح من “مشروع الحرية” غير المكتمل والمتقطع لإجبار إيران على فتح مضيق هرمز. فهو يسعى جاهدا للخروج من المأزق الذي صنعه، وتقليص تفوق شي.
وتساءل الكاتب عما سيقوله شي عن ضيفه الغاضب جدا. ويجيب أنه بالنسبة للصين، يمثل ترامب كنزا لا ينضب، فبفضله بات ينظر إلى الولايات المتحدة عالميا، وبشكل متزايد، كعدو عدواني محتمل أو كصديق لا يوثق به يميل إلى الخيانة.
وعليه، ففقدان الولايات المتحدة للنفوذ والهيمنة يصب في صالح بيجين، فتقلبات ترامب تساعد شي على الترويج للصين كحامية جديدة للاستقرار العالمي. كما أن الأزمة الإيرانية تبعد القوات الأمريكية عن آسيا، حيث تمتلك الآن مجموعتين من حاملات الطائرات في الشرق الأوسط، مما يقلل من قدرتها العسكرية على الدفاع عن تايوان وحلفائها الإقليميين من أي عدوان صيني محتمل.
أما الجانب السلبي بالنسبة لشي، فهو التأثير السلبي للحرب على أسعار الطاقة والتجارة العالمية والطلب على الصادرات، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الصيني من مصاعب حقيقية. ففي العام الماضي، اشترت الصين نحو 80% من النفط الإيراني، وتحمل ناقلات النفط هذا الخام الذي يعترضه الأسطول الأمريكي حاليا.
وحتى الآن، تمكنت الصين إلى حد كبير من تعويض نقص الإمدادات من الخليج بالاعتماد على الاحتياطيات والاستفادة من الطاقة النظيفة، وشراء المزيد من النفط من دول مثل البرازيل وروسيا. لكن بالنسبة لأكبر مستورد للنفط الخام في العالم، يعد ضمان الملاحة الآمنة والموثوقة عبر مضيق هرمز أمرا مهما جدا.
وقد لعبت الصين دور الوسيط الذي طلب من الجانبين التوصل إلى صفقة عبر التفاوض، واستضافت بيجين محادثات مباشرة الأسبوع الماضي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وتدعم الوسطاء الباكستانيين.
وبناء على نجاح الصين في إعادة العلاقات بين السعودية وطهران عام 2023، تعول دول الخليج القلقة، مثل ترامب، على قدرة بيجين على التأثير في حليفتها الإيرانية، التي أطلقت معها “شراكة استراتيجية شاملة” عام 2021. ولا يخشى شي مواجهة ترامب، فقد حذر مؤخرا من العودة إلى “قانون الغاب”، وأضاف: “للحفاظ على سلطة القانون الدولي، لا يمكننا استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا”.
وفي هذا السياق، أشار الكاتب إلى أن الفكرة في واشنطن، التي تدور حول كيفية دفع العدوان الإسرائيلي السافر على إيران وإقناع شي بالتعاون وردع طموحاته التوسعية في تايوان وبحر الصين الجنوبي، كانت ستنجح لو أن الحرب نجحت بالفعل. لكن بدلا من ذلك، كشف ترامب عن محدودية القوة الأمريكية، عسكريا وسياسيا، وأظهر جهلا واضحا في الفهم الاستراتيجي.
كشف ترامب عن محدودية القوة الأمريكية، عسكريا وسياسيا، وأظهر جهلا واضحا في الفهم الاستراتيجي
وبينما يفضل شي حلا سلميا، فإن أولويته القصوى لن تكون إنقاذ ترامب من مأزق الشرق الأوسط. وإذا أراد، فلديه الوسائل لإطالة أمد الكابوس الأمريكي من خلال توسيع الدعم العسكري لإيران، والذي يمكن إنكاره، كما فعل مع روسيا في أوكرانيا.
ويدرك ترامب، على ما يبدو، هذا الخطر. فقد راسل شي الشهر الماضي، طالبا منه عدم تزويد طهران بالأسلحة، وأكد أنه تلقى تأكيدات من الصين بعدم القيام بذلك.
لكن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية أمريكية محافظة تدعم الحرب على إيران، تزعم أن الصين تزود إيران بالفعل بمواد كيميائية ذات استخدام مزدوج تستخدم في صناعة صواريخها الباليستية، وكذا معلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية حول تحركات الجيش الأمريكي وأصوله وقواعده، فضلا عن مساعدتها في التهرب من العقوبات وغسيل الأموال.
ومن المحتمل أن تتدفق المزيد من المساعدات العسكرية الصريحة إلى طهران إذا استأنف ترامب قصف إيران أو فشل في إرضاء شي في القمة. وبالنسبة لرجل يتباهى بأنه يملك زمام الأمور، قد يجد ترامب نفسه في وضع حرج للغاية عندما يجلس مع شي، وهذا مؤشر واضح على الفوضى الجيوسياسية التي أحدثها. وتنص استراتيجيته للدفاع الوطني لعام 2026 على أن ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يمثل أولوية قصوى. ومع ذلك، فقد أضر ترامب بالموقف الأمريكي ضررا شديدا بسبب هواجسه وتحيزاته تجاه الشرق الأوسط. وكما هي العادة، يتحمل آخرون الآن تبعات عدم كفاءته. ولهذا السبب قد تشعر تايوان وحلفاء الولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين بالقلق.
ولا تعد منطقة الشرق الأوسط أولوية خارجية قصوى للصين وشي، بل توحيد الصين الشيوعية مع تايوان الديمقراطية المستقلة بحكم الأمر الواقع، وهو مشروع إرث شخصي لوح أكثر من مرة بأنه يريد فرضه بالقوة.
ويعتقد مخططو البنتاغون أن الجيش الصيني المتنامي باستمرار قد يكون مستعدا لشن غزو العام المقبل. وتتفوق الصين على القوات التايوانية عدديا بشكل كبير، بينما لا تزال أحزاب الجزيرة السياسية المتناحرة منقسمة كما كانت دائما حول زيادة الإنفاق الدفاعي وجدوى أو عدم جدوى السعي إلى توثيق العلاقات مع بيجين.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الولايات المتحدة أن سياستها الداعمة للوضع الراهن في تايوان لم تتغير، إلا أن ترامب معروف بتقلباته بشأن تايوان، وبتصريحاته المتناقضة، بل والمثيرة للقلق أحيانا. ففي معرض حديثه عن نوايا شي، قال قبل فترة إن أي خطوة لغزو تايوان “تعود إليه”، وهو تعبير يوحي بأنه لا يكترث كثيرا للأمر، حتى وإن أضاف أنه سيكون “مستاء جدا” في حال غزو الصين لتايبيه.
والسؤال هنا: ماذا سيخرج ترامب من قمته في بيجين؟ هل سيقلص، بعدما أضعفته مناوراته، الدعم الأمريكي لتايبيه مقابل مساعدة شي في ملف إيران وتوقيع صفقات مناسبة له، مثل المعادن النادرة والواردات الزراعية؟
وهناك تساؤلات جدية مماثلة أخرى حول مدى التزام ترامب تجاه كوريا الجنوبية واليابان، فالتوترات بين بيجين وطوكيو متصاعدة حاليا، ويعود ذلك جزئيا إلى قضية تايوان، وقدرته على إقناع الصين بكبح جماح كوريا الشمالية، الدولة المارقة العدائية والمتغطرسة التي، على عكس إيران، تمتلك بالفعل أسلحة نووية.
والسؤال الآخر: هل سيعلن ترامب انتصارا زائفا آخر على الساحة الدولية في بيجين، بينما يخون حلفاء الولايات المتحدة ويذعن، مرة أخرى، لديكتاتور معاد للديمقراطية والغرب، وبالتالي يعمل على تدمير عقود من الدبلوماسية المضنية التي حالت، حتى الآن، دون نشوب حرب في المحيط الهادئ بسبب تايوان؟
وبسبب ترامب المخرب إلى حد كبير، بات مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية أولى واضحا جليا، فمع كل أخطائه، وضع هذا الأحمق الجاهل الصين في موقع القيادة.
