ليبانون ديبايت" – المحرر السياسي
قد يمتلك اللبناني خبرةً تاريخية في التعامل مع الأزمات والانهيارات المالية والاجتماعية والحروب، وقد اعتاد نفسياً وتنظيمياً على التأقلم مع ضعف الخدمات، والتوتر الأمني، وحتى النزوح الداخلي. غير أن وصول نحو 80 في المئة من المجتمع إلى ما دون خط الفقر، يُعدّ أمراً غير مسبوق، وتحذّر منه التقارير الأخيرة الصادرة عن المؤسسات الدولية والأممية.
ومع دخول الحرب مرحلة الإستنزاف، تتصاعد المخاوف من انفجار اجتماعي نتيجة الأزمة المالية، في ظل تراجع تدفقات الدولار، وتآكل الحركة الاقتصادية، وتزايد الضغط على خزينة الدولة بفعل النزوح والخسائر المباشرة وغير المباشرة، والتي قدّرها وزير المال ياسين جابر، حتى شهر أيار الجاري، بنحو 20 مليار دولار، فيما توقّع انكماش الإقتصاد بنسبة تتراوح بين 7 و10 في المئة هذا العام.
وبالتوازي، وعلى الرغم من شحّ الدولار وهاجس عودة ارتفاع سعره، فإن المعطيات الحالية تشير إلى استقرار نسبي في سوق الصرف، على الأقل في المدى المنظور. ومن المعروف أن مصرف لبنان يسعى إلى احتواء السوق عبر سحب السيولة بالليرة والحفاظ على استقرار سعر الصرف، من دون أن يمنع ذلك تزايد التساؤلات حول قدرة هذا الإستقرار على الصمود، في ظل تقلّص مصادر العملة الصعبة وتراجع الإيرادات العامة بنحو 40 في المئة.
ويحذّر عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة اليسوعية الدكتور فؤاد زمكحل، من أن الأزمة الإقتصادية الحالية تتجاوز في خطورتها كل المراحل السابقة، مع تسجيل نسب فقر غير مسبوقة حتى مقارنة بسنوات الحرب الأهلية. ويكشف زمكحل لـ"ليبانون ديبايت" أن نحو 80 في المئة من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر، في وقت ترتفع فيه معدلات البطالة، ويغيب أي أفق فعلي لخلق فرص عمل جديدة أو تحريك عجلة النمو.
ويرى زمكحل أن الإنقسام السياسي الحاد ينعكس بقوة على الواقع الإقتصادي، وسط تضارب في الرؤى بين "من يدفع نحو التهدئة والسلام، ومن يربط لبنان بأجندات إقليمية مفتوحة على التصعيد"، في مشهد يزيد من هشاشة الأسواق ويعمّق أزمة الثقة.
ورغم ذلك، يؤكد زمكحل أن سيناريو الإنهيار النقدي الشبيه بما حصل بعد عام 2019 لا يزال مستبعداً في المرحلة الحالية، في ظل السياسة الصارمة التي يعتمدها مصرف لبنان لسحب السيولة بالليرة من الأسواق، ما يحدّ من إمكان المضاربة على الدولار.
أما السبب الأساسي وراء عدم عودة الدولار إلى الإرتفاع الجنوني، فيوضح زمكحل أن الكتلة النقدية المتداولة بالليرة لا تتجاوز 750 مليار ليرة، وهي غير كافية لإحداث تلاعب كبير في سعر الصرف، خصوصاً أن الإقتصاد اللبناني بات "مدولراً" بنسبة تقارب 90 في المئة، فيما تُستخدم الليرة بشكل أساسي لتسديد الضرائب وبعض المعاملات المحلية.
ورغم ثبات سعر الدولار نسبياً، تعاني السوق شحاً واضحاً في العملة الأميركية نتيجة تراجع مصادر التدفقات النقدية، ويشير زمكحل إلى أن الحرب أثّرت مباشرة على الحركة الإقتصادية التي تُعدّ أحد أبرز مصادر الدولار، كما تراجعت تحويلات المغتربين، ولا سيما العاملين في دول الخليج، بسبب الظروف الإقليمية وتراجع المداخيل.
حتى أن الإقتصاد الموازي، أو ما يُعرف بالإقتصاد الأسود، والذي يشمل التهريب والتجارة غير الشرعية، تعرّض أيضاً لضرر كبير نتيجة التطورات الأمنية، ما أدى إلى انكماش إضافي في السيولة بالدولار داخل السوق اللبنانية.
لكن المخاوف الأساسية تبقى مرتبطة بمسار الحرب، وبحسب تقدير زمكحل، بلغت فاتورة الحرب حتى الآن نحو 25 مليار دولار، فيما "اختفى عملياً إقتصاد الجنوب" نتيجة الدمار والنزوح وتوقف المؤسسات والإنتاج، كما تراجعت إيرادات الخزينة بنحو 40 في المئة، ما يضع الدولة أمام أزمة تمويل متفاقمة.
وفي المقابل، فإن كلفة إعادة الإعمار، في حال توقفت الحرب اليوم، تُقدّر أيضاً بنحو 25 مليار دولار، من دون وجود أي تعهدات واضحة من الدول الصديقة أو الجهات المانحة لدعم عملية النهوض وإعادة البناء.
أما في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، فيحذّر زمكحل من دخول لبنان في مأزق مالي خطير، خصوصاً أن قدرة الإقتصاد على امتصاص الصدمات باتت محدودة للغاية، فيما تتآكل تدريجياً مقومات الصمود النقدي والإجتماعي في بلد يعيش منذ العام 2019، واحدةً من أسوأ الأزمات الإقتصادية في العالم.
