يرى الكاتب والمحلل الإستراتيجي الأمريكي هال براندز في مقال بصحيفة “واشنطن بوست” أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم العامل الأكثر تأثيرا في إعادة تشكيل موازين القوة الدولية، وأن الصراع بين الولايات المتحدة والصين لم يعد يدور فقط حول التجارة أو النفوذ العسكري التقليدي، بل أصبح يدور بصورة متزايدة حول من يمتلك القدرة الأكبر على تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والحرب والأمن والسياسة العالمية.
ويؤكد الكاتب أن الأحداث التي شهدها عام 2026 كشفت بوضوح أن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة التجارب والنقاشات النظرية إلى مرحلة التطبيق العملي المباشر في إدارة الحروب والصراعات الدولية.
الصراع بين الولايات المتحدة والصين لم يعد يدور فقط حول التجارة أو النفوذ العسكري التقليدي، بل أصبح يدور حول من يمتلك القدرة الأكبر على تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والحرب والأمن والسياسة العالمية.
فقد اعتمدت الولايات المتحدة خلال عمليات عسكرية حديثة على أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة لتحليل كميات ضخمة من المعلومات الواردة من الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار وشبكات الاستخبارات، مما سمح بتنفيذ عمليات دقيقة وسريعة لم يكن بالإمكان تحقيقها بالأساليب التقليدية.
وقد أوضحت هذه التجارب العسكرية أن الحروب المستقبلية ستُحسم بدرجة كبيرة وفق قدرة الجيوش على استيعاب الذكاء الاصطناعي واستخدامه في اتخاذ القرار وإدارة العمليات القتالية وتحليل البيانات المعقدة، ولذلك فإن أي مواجهة مستقبلية بين القوى الكبرى، وخاصة بين الولايات المتحدة والصين، قد تعتمد على الطرف الذي ينجح أكثر في دمج الذكاء الاصطناعي في بنيته العسكرية.
لكن الكاتب يحذر من أن هذه الثورة التقنية لا تخلق فرصا فقط، بل تخلق نقاط ضعف جديدة أيضا، لأن البنية التحتية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي، مثل مراكز البيانات العملاقة وشبكات الاتصالات ومصانع الرقائق الإلكترونية، أصبحت أهدافا إستراتيجية في أي صراع محتمل.
ويلفت الكاتب إلى أن خصوم الولايات المتحدة باتوا يدركون أهمية ضرب البنية التحتية الرقمية من أجل إضعاف القدرات الأمريكية، وبالتالي أصبحت حماية مراكز البيانات وشبكات الحوسبة ومرافق إنتاج الرقائق الإلكترونية جزءا أساسيا من مفهوم الأمن القومي الحديث.
حذر الكاتب من خطر تصاعد الحرب السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لأن النماذج المتقدمة أصبحت قادرة على اكتشاف الثغرات البرمجية وتحليل الأنظمة الإلكترونية بسرعة وكفاءة تتجاوز القدرات البشرية، ويخشى الخبراء أن يؤدي ذلك إلى ظهور جيل جديد من الهجمات الإلكترونية القادرة على استهداف البنية التحتية الحيوية على نطاق واسع.
وشدد الكاتب على أن الولايات المتحدة تدخل هذه المنافسة من موقع قوي نسبيا، باعتبار أن الشركات الأمريكية ما زالت تتصدر قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي، كما أن واشنطن تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء الذين يشكلون جزءا من النظام التكنولوجي الذي تقوده الولايات المتحدة، كذلك لا تزال الشركات الأمريكية تملك أفضل النماذج وأكثرها تقدما في كثير من المجالات.
إلا أن هذه الأفضلية ليست مضمونة ولا دائمة، لأن الصين تستثمر موارد ضخمة في تطوير الذكاء الاصطناعي وتسعى إلى تقليص الفجوة التقنية بسرعة، ولهذا يحدد الكاتب خمس تحديات رئيسية يتعين على واشنطن التعامل معها إذا أرادت الحفاظ على موقعها القيادي.
وبحسب الكاتب فالتحدي الأول يتمثل في حماية التفوق التكنولوجي الأمريكي، لأن الصين تعمل بصورة منهجية على تقليد النماذج الأمريكية المتقدمة والاستفادة من الابتكارات التي تحققها الشركات الأمريكية، كما تسعى للالتفاف على القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتطورة إليها.
ويرى أن الحفاظ على التفوق الأمريكي يتطلب تشديد الرقابة على تصدير التكنولوجيا الحساسة، ومنع وصول الصين إلى الرقائق الإلكترونية الأكثر تطورا، وتعزيز التعاون مع الحلفاء لضمان فعالية هذه القيود، علما أن أي تراجع في هذه السياسات قد يسمح للصين بتقليص الفجوة بوتيرة أسرع مما تتوقعه واشنطن.
أما التحدي الثاني فيتعلق بالانتشار العالمي للذكاء الاصطناعي الصيني، وبالتالي حتى لو احتفظت الولايات المتحدة بالصدارة التقنية، فإن الصين قد تنجح في الهيمنة على أسواق الدول النامية عبر تقديم نماذج أرخص وأسهل استخداما.
ويشير الكاتب إلى أن بكين تعرض على العديد من الدول حزما متكاملة تشمل البرمجيات والأجهزة والبنية التحتية والتمويل، مما يمنحها قدرة كبيرة على التوسع في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مما يعني أن الولايات المتحدة تحتاج -حسب الكاتب- إلى إستراتيجية هجومية لتوسيع انتشار تقنياتها في هذه الأسواق، وليس الاكتفاء بالحفاظ على تفوقها العلمي.
أما التحدي الثالث فيرتبط بحماية البنية التحتية العالمية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، لأن مراكز البيانات وشبكات الطاقة ومصانع الرقائق أصبحت أصولا إستراتيجية لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية أو حقول النفط في العقود السابقة.
ويعطي الكاتب اهتماما خاصا لتايوان، التي تعد مركزا عالميا لإنتاج الرقائق المتقدمة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويعتبر أن أمنها أصبح جزءا لا يتجزأ من أمن النظام التكنولوجي العالمي.
ويشير إلى أهمية التحالفات الدولية في هذا المجال، موضحا أن كثيرا من المكونات الأساسية لسلسلة إنتاج التكنولوجيا المتقدمة موجودة لدى حلفاء الولايات المتحدة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وهولندا، وبالتالي فإن أي تراجع في العلاقات مع هؤلاء الحلفاء قد يضعف القدرات الأمريكية نفسها.
الولايات المتحدة لا تزال تمتلك موقع الصدارة في هذا السباق، لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب تحركا سريعا وإستراتيجية شاملة، لأن الصين تواصل التقدم، ولأن ثورة الذكاء الاصطناعي تتسارع بوتيرة تجعل التأخر في اتخاذ القرار مكلفا للغاية
وبحسب الكاتب يتعلق التحدي الرابع بالعلاقة المعقدة بين الحكومة الأمريكية وشركات التكنولوجيا العملاقة، إذ تعتمد واشنطن بصورة متزايدة على ابتكارات هذه الشركات في المجالات العسكرية والأمنية، ولكنها في الوقت نفسه تخشى من أن تصبح هذه الشركات مالكة لقدرات إستراتيجية تصعب السيطرة عليها.
أما التحدي الخامس والأخير فيتمثل في تحقيق التوازن بين الابتكار والسلامة، إذ تريد الولايات المتحدة الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تستطيع تجاهل المخاطر التي قد تنتج عن الاستخدام غير المنضبط لهذه التكنولوجيا.
ويخلص الكاتب إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تقنية متخصصة، بل أصبح قضية جيوسياسية من الدرجة الأولى، فالقرارات التي تتخذها الولايات المتحدة اليوم بشأن تطوير هذه التكنولوجيا وحمايتها ونشرها عالميا قد تحدد شكل النظام الدولي لعقود مقبلة.
ويخلص الكاتب إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك موقع الصدارة في هذا السباق، لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب تحركا سريعا وإستراتيجية شاملة، لأن الصين تواصل التقدم، ولأن ثورة الذكاء الاصطناعي تتسارع بوتيرة تجعل التأخر في اتخاذ القرار مكلفا للغاية.
