تشير المحادثات التي جرت حتى الآن إلى أن الولايات المتحدة تُقرّ “بحاجة إيران إلى الحفاظ على برنامجها النووي المدني”. وتطالب الولايات المتحدة بنقل اليورانيوم المخصب إليها (أو إلى دولة أوروبية). ولم يُناقش موضوع الصواريخ الباليستية الإيرانية في المحادثات. ويطالب الحوثيون بتطبيق وقف إطلاق النار عليهم ورفع الحصار الاقتصادي المفروض عليهم.
ينبغي دراسة كل اتفاق من خلال سؤال واحد: هل يُقرّب من تفكك حزب الله أم يُتيح إعادة بنائه؟ إليكم ستة مبادئ ينبغي لإسرائيل الالتزام بها.
ليس من المبالغة القول إن الوضع الأمني في الشمال يضع إسرائيل حاليًا عند مفترق طرق استراتيجي، ربما يكون الأهم منذ أن أغلق الجيش الإسرائيلي حدوده مع لبنان عام 2000، أملًا في واقع أمني مختلف، أكثر هدوءًا وأمانًا.
إن الاتفاق الذي يتبلور بين الولايات المتحدة وإيران، ووقف إطلاق النار الذي يتبلور في لبنان نتيجةً له، قد يضعان إسرائيل أمام واقع جديد. قد يُشيران إلى بداية مرحلة جديدة، ستُضطر فيها إسرائيل إلى اتخاذ قرارات استراتيجية في ظل قيود كبيرة على حرية تحركها، بينما يتمركز جنود الجيش الإسرائيلي في عمق لبنان.
والآن يبرز السؤال الأهم. بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، التي دفع خلالها سكان الشمال ثمناً باهظاً، وفي الوقت نفسه، نجح الجيش الإسرائيلي في إبعاد حزب الله عن خط الحدود وإيصاله إلى أدنى مستوى له منذ تأسيسه، هل يُعدّ هذا تحولاً استراتيجياً تاريخياً على الحدود اللبنانية، أم مجرد محطة أخرى في طريق جولة جديدة؟
إسرائيل حالياً تواجه سيناريوهين رئيسيين
في السيناريو المتفائل، لا تنسحب إسرائيل من جنوب لبنان وتحتفظ بحرية تحركاتها الكاملة. وفي الوقت نفسه، تتوصل إلى تسوية سياسية مع لبنان، يتم بموجبها إخراج حزب الله من جنوب البلاد، وإضعاف النفوذ الإيراني في لبنان، ونشر الجيش اللبناني في المنطقة. وسيكون أي انسحاب إسرائيلي تدريجياً ومشروطاً بنزع السلاح الكامل من جنوب لبنان.
أما السيناريو المتشائم فمعروف لدينا. يُعلن وقف إطلاق النار، وتنسحب إسرائيل سريعاً من الأراضي التي احتلتها، وتُنقل المسؤولية نظرياً إلى الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، ثم يعود الواقع تدريجياً إلى مساره السابق. إيران تعيد ضخ الموارد، وحزب الله يستعيد قوته.
اتجاه مقلق
في هذه الأيام، يبرز اتجاه مقلق. إيران وحزب الله ينجحان في ربط الساحة الإيرانية بالساحة اللبنانية، بينما تواجه إسرائيل قيودًا متزايدة على حرية تحركها، ويبدو أن لبنان عاجز عن منع عودة المحور الشيعي.
لا يعني الفشل مجرد تعزيز حزب الله، بل يعني أيضاً إعادة تشكيل نفس التشكيل الذي انبثقت منه خطط غزو الجليل على طول الحدود. قد تعاني إسرائيل من نفس العمى الاستراتيجي، حيث جاء الهدوء الذي تحقق داخل حدودها على حساب خلق تهديدات غير مسبوقة لسكان دولة إسرائيل.
إلى جانب مناقشة الترتيبات والانسحابات والمناطق العازلة، من المهم أيضاً تحديد الهدف الاستراتيجي طويل الأمد لدولة إسرائيل. يجب أن يكون الهدف الاستراتيجي واضحًا: تفكيك الجناح العسكري لحزب الله.
مع ذلك، من الصواب تعديل التوقعات. السؤال المحوري هو ما إذا كانت إسرائيل تُحرز تقدماً ثابتاً نحو تحقيق هذا الهدف. ينبغي دراسة كل ترتيب من خلال سؤال واحد: هل يُقرّب من تفكك حزب الله أم يُسهّل إعادة بنائه؟
على الصعيدين الاستراتيجي والأمني في الشمال، ينبغي لإسرائيل الالتزام بعدد من المبادئ:
أولاً، لا ينبغي التسرع في الانسحاب من الأراضي المحتلة. يجب أن يكون أي انسحاب تدريجياً ومشروطاً بفعالية الجيش اللبناني وعدم إعادة حزب الله ترسيخ وجوده في المنطقة. وحتى ذلك الحين، لا ينبغي السماح بإعادة تأهيل القرى وعودة السكان إلى جنوب لبنان. يُعدّ الاستيلاء على الأراضي أهمّ وسيلة للضغط على حزب الله.
ثانياً، يجب الحفاظ على حرية العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي في جميع أنحاء لبنان، بما في ذلك بيروت، سواء في مواجهة محاولات استعادة قدرات حزب الله أو لحماية مقاتلينا العاملين في لبنان.
ثالثاً، يجب مواصلة الجهود لإضعاف المحور بين إيران وحزب الله. لا ينبغي السماح بإعادة إحياء رؤية خامنئي ونصر الله والسنوار على محور شيعي يُشكّل حزاماً نارياً حول إسرائيل.
رابعًا، يجب مواصلة الاتصالات السياسية مع الحكومة اللبنانية والعناصر المعتدلة في البلاد، رغبةً في التوصل إلى اتفاق مستقر وطويل الأمد.
خامسًا، لا يجوز العودة إلى مفهوم الدفاع الحدودي الذي تطور على مر السنين، والذي بموجبه تُعتبر الأسوار والجدران والعوائق خط الدفاع الرئيسي لإسرائيل. يجب أن يكون مقاتلو الجيش الإسرائيلي بمثابة حاجز بين التهديد وسكان الشمال.
لقد أتاحت الحملة العسكرية فرصة نادرة. فبعد أكثر من عامين ونصف من القتال، نجح الجيش الإسرائيلي في إلحاق ضرر كبير بقدرات حزب الله، ودفعه بعيدًا عن الحدود، وتقويض مكانته في لبنان.
السؤال المطروح هو: ما الذي ستفعله إسرائيل بهذه الإنجازات؟ إن استعادة السلام والأمن والحياة الطبيعية لسكان الشمال هدف حيوي. ومع ذلك، سيكون من الخطأ الفادح، بدافع الرغبة في تحقيق سلام سريع، العودة إلى الواقع الذي سمح بظهور مثل هذا التهديد الخطير عبر الحدود في المقام الأول. السلام هدفٌ هام، لكن ليس على حساب تهيئة الظروف لهجوم إرهابي آخر أو محاولة أخرى لتنفيذ خطة احتلال الجليل.
إذا انسحبت إسرائيل، وسمحت بإعادة الإعمار، واعتمدت على آلياتٍ فشلت بالفعل، وجعلت استعادة الهدوء هدفًا رئيسيًا، فقد تجد نفسها أمام المشكلة نفسها بعد بضع سنوات. أما إذا تصرفت بصبرٍ وحزمٍ ونظرةٍ طويلة الأمد، مع توحيد الجهود العسكرية والسياسية، فستتمكن، ولأول مرة منذ عقود، من إرساء أسس تغيير جذري في الواقع الأمني على الحدود الشمالية.
آشر بن لولو
Ynet/ يديعوت أحرونوت 15/6/2026
