نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالا لإدوارد لوس قال فيه إن الخلاف بين الرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حقيقي هذه المرة، فمن النادر أن تنقلب مغامرة جيوسياسية سلبا وبهذه السرعة على رئيس الوزراء الإسرائيلي
وقال لوس إن ترامب الذي بلغ الثمانين من عمره كان يتطلع لأن تكون نهاية احتفالات أقيمت على شرفه في البيت الأبيض بتوقيع اتفاق مع إيران، إلا أن الاتفاق كاد ينهار عندما أمر نتنياهو بشن غارة على بيروت مساء الأحد. وقد حالت سلسلة من الاتصالات الهاتفية من البيت الأبيض دون رد إيراني. وقدمت واشنطن ضمانات عبر الوسطاء وتم إنقاذ الاتفاق. وبذلك، أصبح بإمكان ترامب المضي قدما في مواجهة حامية الوطيس.
ومع ذلك، كان ترامب غاضبا وقال لموقع “أكسيوس”: “لماذا شن بيبي هذا الهجوم اللعين؟ كنت غاضبا جدا، أخبرته بذلك. إنه يفتقر إلى الحكمة، أخبرته بذلك”.
ويقول لوس إن الجواب على سؤال ترامب مرتبط باتفاقه النووي مع إيران الذي قد يكون بمثابة حكم بالإعدام السياسي لنتنياهو. وبالتالي، كان للأخير كل الحوافز لإشعال حرب الخليج الثالثة من جديد. فقد راهن بمستقبله ومستقبل إسرائيل على إقناع ترامب بإحداث تغيير في النظام الإيراني، لكن هذا الرهان ارتد عليه بنتائج عكسية.
ويعتقد لوس أن التقرب واستمالة ترامب من جديد، ستكون مهمة صعبة. وكما يقول المثل: “اخدعني مرة، العيب عليك. واخدعني مرتين فالعيب علي”.
ويقول لوس إن من حق الرئيس الأمريكي الشعور بخيبة أمل كبيرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي. وكذا الناخبون في إسرائيل، الذين سيشاركون في انتخابات عامة بنهاية تشرين الأول/ أكتوبر.
فقد سوق نتنياهو لترامب والناخب الإسرائيلي فكرة أن النظام الإيراني وبعد 47 عاما، سيواجه هزيمته النهائية أو معركة واترلو الأخيرة، وكل ما تتطلبه عملية “الغضب الملحمي” هو بعض الأهداف القاتلة، وسيتكفل الشعب الإيراني بالباقي.
ولكن، نادرا ما انقلبت مغامرة جيوسياسية رأسا على عقب بهذه السرعة، فقد استغل نتنياهو غرور ترامب لإقناعه بالدخول في هذه الحرب. لكن هذا الغرور نفسه سيكون حاجزا أمام أي محاولات لنتنياهو كي يعيد بناء الجسور مع الرئيس.
وعليه، يواجه نتنياهو خيارا صعبا، إما أن يمضي مع اتفاق يجعل إيران أقوى بكثير مما كانت عليه قبل 28 شباط/فبراير، أو أن يقطع علاقاته مع الولايات المتحدة في محاولة إفشال الاتفاق، فلا مجال لحل وسط. وعلى نتنياهو حسم أمره خلال فترة التفاوض الأمريكية الإيرانية الممتدة لستين يوما.
لكن نتنياهو، هذه المرة لن يجد الكثير من الحلفاء في واشنطن كما كان في السابق.
ففي بدايات عملية “الغضب الملحمي”، عادت إلى واشنطن النزعة المحافظة الجديدة، وإن لفترة قصيرة. فقد كانت هذه الحرب فرصة للتخلص من إرث حرب العراق عام 2003 المدمر (والذي عزز نفوذ إيران) والتخلص من آيات الله. كما كان لدى اليمين المحافظ فرصة لإقناع ترامب برؤيته للعالم.
وبتعبيرات سياسية محضة، كانت الضربات المبكرة على إيران بمثابة فرصة سانحة لماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي المتشدد، وفرصة سيئة لجيه دي فانس، نائب الرئيس.
ويقول لوس إن من الصعب المبالغة في وصف التحول الجذري في المزاج بين هذين المعسكرين منذ ذلك الحين. فمعظم قاعدة ترامب الشعبية تقبل كل ما يفعله بثقة تامة، فإذا أراد قصف إيران وحتى تدميرها بالكامل، فليفعل. وإذا وعد إيران بدلا من ذلك، بمليارات الدولارات من الأصول المجمدة، بل وأكثر من ذلك في استثمارات مستقبلية، فليفعل ذلك أيضا.
وفي واشنطن، تتمظهر هذه المسارات المتناقضة على شكل فصائل تزداد كراهية لبعضها البعض، ولا يجمعها في نهاية المطاف سوى الولاء الأعمى لترامب.
وهنا، فالسؤال، هل يستطيع ترامب الحفاظ على وحدة قاعدته؟ إنه بحاجة لتدخل المعسكر المؤيد للتدخل، والذي يضم العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، مثل ليندزي غراهام، الذي توخى الحذر الشديد في الرد على إعلان الاتفاق. وبافتراض أن المحادثات لن تتعثر في بدايتها، فإن نطاقها الضيق، سيكون بمثابة درس مؤلم لترامب ولمن حرضوه على الحرب. فقد ادعى الرئيس في البداية أن دافعه كان مساعدة المتظاهرين الإيرانيين، الذين قتل الآلاف منهم على يد قوات الأمن الإيرانية في بداية العام. أما الآن، فيتحدث عن النظام الإيراني الجديد ويقدره.
وفوق كل هذا، وبعد أن ظل ترامب يتحدث عن قائمة طويلة من أهداف الحرب، استقر على هدف واحد: إعادة فتح مضيق هرمز. ورغم صعوبة تقبله، سيحاول الموالون تصوير إعادة فتح الممر المائي على أنه انتصار، حتى وإن كان المضيق مفتوحا قبل بدء الحرب. كما سيتجاهلون الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة تصل إلى 24 مليار دولار، معتبرين ذلك جزءا من النظام الطبيعي.
ولكن الويل والثبور لمن سيتجرأ على تشبيه ذلك بـ1.7 مليار دولار نقدا أرسلها باراك أوباما إلى إيران كجزء من تسوية في أعقاب اتفاقه عام 2015، فقد وعد ترامب في إعلانه عن بداية عملية “الغضب الملحمي” قائلا: “لن يحدث ذلك مع ترامب”.
وسيكون معسكر “أمريكا أولا” مستعدا للإشادة بأي اتفاق يبرمه ترامب، حتى لو كان أقل جودة من اتفاق أوباما، الذي بذل نتنياهو قصارى جهده لإفشاله. فمن وجهة نظرهم، لقد فطم ترامب عن حروب الشرق الأوسط الأبدية وعاد إلى الرئيس الذي يعرفونه وانتخبوه أولا.
وغالبا ما يطلق على نتنياهو لقب “هوديني إسرائيل” (في إشارة للساحر الأمريكي المعروف). لكنه نفسه، سيجد صعوبة في التخلص من هذه العادة السيئة، فإذا حاول تعريض المحادثات مع إيران للخطر، فقد يكون رد فعل ترامب أسوأ من مجرد التلفظ بكلمات نابية أمام صحافي.
