بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

لماذا لن ترضي الصفقة مع إيران الكيان الصهيونى؟ بقلم : جمال كنج

لماذا لن ترضي الصفقة مع إيران الكيان الصهيونى؟ بقلم :  جمال كنج


الأربعاء 17 يونيو 2026 | 02:22 م


بوابة الهدف

ثمة دروس كثيرة يمكن استخلاصها من الحرب المصنوعة لحساب دوله الكيان ضد إيران، غير أن أشدها إدانةً وأكثرها مرارةً يتمثل في حقيقة واحدة: هذه الحرب لم تُعالج سوى الأزمة التي أوجدتها بنفسها. فقد احتفل دونالد ترامب بإعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار عن إيران، وهما وضعان كانا قائمين بالفعل قبل أن يقود بنيامين نتنياهو ترامب كما يقود الكلب إلى هذه الحرب. أما الاتفاق الذي أنهى الحرب، فلم يفعل أكثر من إعادتنا إلى النقطة التي كنا نقف عندها قبل أن تُنفق الولايات المتحدة مئتي مليار دولار، فيما يواصل الأمريكيون دفع ضريبة إسرائيل الخفية في محطات الوقود ومتاجر البقالة.

أما البرنامج النووي الإيراني، فالأرقام لا تكذب. فكمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، والبالغة 400 كيلوغرام التي امتلكتها إيران قبل الحرب، كانت صفراً قبل أن يمزق ترامب ــ تحت ضغط أكبر ممولي حملاته من أنصار «إسرائيل أولاً» ــ اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة في مايو/أيار 2018. ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت إيران ملتزمة التزاماً كاملاً ليس فقط بمعاهدة عدم الانتشار النووي، التي لم توقّع عليها إسرائيل أصلاً، بل كذلك بالبروتوكولات الإضافية الخاصة بالتحقق والمراقبة. ومع ذلك ألغى ترامب الاتفاق، لا لأنه أخفق في خدمة المصالح الأمريكية، بل لأنه لم يحظَ بموافقة الفيتو الصهيوني.

والمفارقة الأعمق أن القدرات والمعرفة النووية الإيرانية أصبحت اليوم أكثر تقدماً مما كانت عليه عندما نبذ ترامب الاتفاق. وهذا يعني أن أي اتفاق جديد ــ حتى لو كان أكثر صرامة من سابقه ــ سيُفاوض عليه من موقع أضعف بكثير مما كان عليه عام 2018. لا توجد معاهدة في العالم قادرة على محو المعرفة التي اكتسبتها إيران بعد ان ألغى ترامب المعاهدة.

في الخامس عشر من يونيو/حزيران، أعلن ترامب انتصاره مزهواً بأن إيران وافقت على عدم إنتاج أسلحة نووية أو حيازتها. فلنقارن ذلك بالمادة الثالثة من اتفاقية عام 2015، التي يبدو أنه لم يقرأها قط: «تؤكد إيران من جديد أنها لن تسعى، تحت أي ظرف، إلى تطوير أسلحة نووية أو امتلاكها». إنها حرب ذهبت إلى اللامكان لتعود من حيث بدأت.

من شعار «لن تكون هناك أي صفقة مع إيران إلا الاستسلام غير المشروط» إلى الاحتفال بمذكرة تفاهم تعيد فتح ما كان مفتوحاً أصلاً قبل إهدار مئتي مليار دولار وأرواح أمريكية وإيرانية لا تُحصى، لا يبدو انتصار ترامب أكثر من ضجيج حول لا شيء. لقد ألغى اتفاقاً استغرق التفاوض عليه سنوات، وأثقل كاهل الإيرانيين العاديين بالعقوبات، وأتاح للبرنامج النووي الإيراني أن يقفز إلى الأمام. إنه، بأوضح العبارات، كمن يعيد تعريف الماء بوصفها بالتركيبة الكيميائية، H₂O؛ فالجزيء لم يتغير، وإنما تغيّر الغلاف فقط. لقد أعادت حرب النتن ترامب إلى نقطة البداية، ولكن بكلفة مضاعفة على دافعي الضرائب الأمريكيين.

والجماعات ذاتها التي دفعت ترامب إلى إلغاء الاتفاق ضخت مئات الملايين من الدولارات في حملته الانتخابية قبل انتخابات 2024، ثم دفعت لاحقاً باتجاه هذه الحرب. كما زار نتنياهو ترامب سبع مرات خلال ثلاثة عشر شهراً، متلاعباً به وممهداً الطريق لحرب جديدة صُنعت لخدمة المصالح الصهيونية.

وينبغي أن تحمل هذه الحرب درساً لدول الخليج العربي التي طالما اعتقدت أن القواعد العسكرية الأمريكية تمثل ضمانة لأمنها. فإذا بها تجد نفسها مهمشة، لم تُستشر في حرب شُنت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من أراضيها، وانتهت بخدمة أجندة صهيونية. فالوجود العسكري الأجنبي لا يجلب الأمن، بل التبعية. أما الاستقرار الإقليمي الدائم فلا يُبنى بالحاميات العسكرية، بل بالتعاون الإقليمي على أسس تحقق مصالح الجميع في المنطقة.

والأهم من ذلك أن المنطقة مدعوة اليوم إلى مواجهة نمط لم يعد ممكناً تجاهله: حيثما حلت دولة الاحتلال، تبعها الاضطراب وعدم الإستقرار. أدخلت اتفاقيات أبراهام الكيان الصهيوني إلى الخليج، فجاء بعدها القصف والمسيّرات والاضطرابات الاقتصادية التي لم تعرفها المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية. لقد عشت في الخليج لسنوات، وكان أكبر ما يُسمع من «فرقعة» هو صوت عادم سيارة متهالكة. أما خلال الأشهر الأخيرة، فقد أرسل إليّ أصدقاء تسجيلات لصواريخ باليستية تشق عباب السماء وصوت أنين الطائرات المسيّرة يملأ السماء. لم تجلب إسرائيل درعاً واقية؛ بل جلبت هدفاً. لان وجودها لا يجلب الازدهار، بل جيفة تجتذب الدبابير.

إسرائيل، في جوهرها، عاملُ عدمِ استقرارٍ؛ طفيليٌّ يتغذى على الفوضى. فهي تتدثر بلغة الشراكة والمصالح المشتركة والقيم المتقاسمة، موهمة الآخرين بأن العلاقة متبادلة، فيما يسير الاستنزاف في اتجاه واحد لا غير.

وسجلها يشهد عليها: إبادة جماعية في غزة، وتطهير عرقي في الضفة الغربية، وأكثر من 1.3 مليون نازح داخلي في لبنان، واحتلال لأراضٍ سورية عقب سقوط نظام الأسد، وعمليات زعزعة استقرار في شمال العراق و السودان .

في العراق، لم يُشبع الغزو الأمريكي وتغيير النظام شهية إسرائيل المفتوحة على الفوضى. فاستهدفت العلماء العراقيين وشنّت حرباً على المعرفة نفسها. والمخطط لم يتغير في ما يتعلق بإيران. فاستياء دولة الكيان من مذكرة التفاهم مع طهران ليس لأنها أخفقت في إنتاج إيران غير نووية، بل لأنها أخفقت في محو المعرفة. فهدفً دولة الاحتلال الأعمق هو كبح التطور العلمي والتكنولوجي في المنطقة بأسرها. إنها تريد جيراناً عاجزين عن التفكير المستقل؛ يستهلكون ولا ينتجون، ويستوردون ولا يبتكرون. تريد الاحتفاظ باحتكارها النووي وهيمنتها على المسيرة العلمية الإقليمية.

وإسرائيل لم تجلب الخراب للمنطقة وحدها، بل للولايات المتحدة أيضاً. فقد أسهمت الحرب المصممة لها في العراق في إشعال فتيل الأزمة المالية عام 2008، وألقت بأعباء ديون هائلة على كاهل الأجيال الأمريكية القادمة، من دون مساءلة حقيقية حتى اليوم. وهي الحرب ذاتها التي انتقد ترامب بسببها إدارة بوش، قائلاً إنها «أدخلتنا الحرب بالأكاذيب».

أما تكلفة حرب ترامب المصممة لدولة الاحتلال ضد إيران، فلا تحتاج إلى خبير اقتصادي لشرحها. إنها تطرق باب كل بيت أمريكي بأسعار اللحوم، وفي فاتورة البقالة، وعند مضخة الوقود، وفي كل سلعة يرتفع سعرها بلا مبرر ظاهر. وقد لا يدرك الأمريكيون حجمها بعد، لكنهم عندما يدركونه، سيكون الضرر الذي أصاب الاقتصاد الأمريكي ــ كما حدث عام 2008 ــ أعمق من أن يُعالج بسهولة.

ولتقويض أي سلام محتمل مع إيران، بدأ أنصار «إسرائيل أولاً» من أمثال بن شابيرو ومارك ليفين في مهاجمة مذكرة تفاهم ترامب والطعن فيها. وستحرك إسرائيل منظومة الإعلام التي يهيمن عليها مليارديرات متعاطفون معها لتشكيل ما يراه الأمريكيون ويقرؤونه وما يُسمح لهم بالتساؤل بشأنه. أما برنامج «60 دقيقة»، الذي كان يوماً رمزاً للمهنية الصحفية، فقد أصبح في ظل إدارته الجديدة المنحازة لدولة الكيان بقيادة باري وايز منصة تمنح نتنياهو امتياز اختيار من يحاوره. ومن يدري؟ ربما بات يرسل الأسئلة مسبقاً أيضاً.

يبقى أمام نتنياهو والإعلام الأمريكي المنحاز لدولة الاحتلال ستون يوماً لتخريب أي اتفاق نهائي مع إيران. ستحرك الدولة الصهيونية مموليها وتضغط على الكونغرس، وإن أخفقت، فستعود إلى ما أتقنته: عملية مخادعة تستهدف القوات الأمريكية في المنطقة، أو اغتيال جديد في لبنان. وعندها ستشتعل المواجهة مجدداً، وتُخاض مرة أخرى بالمال الأمريكي والأرواح الأمريكية. لأن شرق أوسط خالياً من التورط العسكري الأمريكي هو النتيجة الوحيدة التي لا تستطيع دولة الكيان تحملها؛ فأميركا الغير متورطة في حروب الشرق الأوسط، تبدو أكثر خطرا على دولة الكيان من أي جهاز طرد مركزي نووي إيراني.

جمال كنج

كاتب فلسطيني مقيم في

أمريكا .