19-06-2026
منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يعيش قطاع غزة واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في التاريخ الحديث، فالحرب المستمرة لم تترك حجرا على حجر وحولت مدنا وأحياء ومخيمات إلى ركام فيما وجد أكثر من مليوني فلسطيني أنفسهم بين النزوح والجوع والخوف والموت، ورغم عشرات المبادرات والاتفاقات التي أُعلن عنها لوقف إطلاق النار وإعادة الإعمار وعودة النازحين إلى مناطقهم، إلا أن الواقع على الأرض بقي مختلفا تماما فالعدوان الإسرائيلي لم يتوقف والحصار ما زال يخنق القطاع فيما تتواصل معاناة السكان الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم وأبسط مقومات الحياة.
ومع استمرار الدعم السياسي والعسكري الأميركي والأوروبي لإسرائيل وغياب تلضغط الدولي الحقيقي لوقف العدوان، يواصل عدد الضحايا في غزة ارتفاعه بصورة مأساوية، فعشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين سقطوا خلال العدوان وتعرضت معظم البنية التحتية من منازل ومستشفيات ومدارس وشبكات مياه وكهرباء للتدمير الممنهج ليتحول قطاع غزة إلى مناطق منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وإعلان وقف إطلاق النار الأخير لم يغير شيئاً من واقع الغزيين المرير فالخطة التي جرى الحديث عنها لإدارة مرحلة ما بعد الحرب وإعادة إعمار القطاع ما تزال حبرا على ورق والوعود الدولية عاجزة عن توفير الحماية والإغاثة وإعادة الحياة إلى أبناء القطاع المنكوبين.
أما النازحون الذين يفترض أنهم لجأوا إلى مناطق أكثر أمنا فقد وجدوا أنفسهم محاصرين بين الموت والجوع والنار، فالطائرات المسيّرة الإسرائيلية لا تزال تستهدفهم، والدبابات تواصل قصف المنازل والممتلكات، والمناطق المكتظة بالسكان ومراكز الإيواء والخيام التي تؤوي آلاف العائلات تتعرض للقصف بشكل متكرر والموت يلاحق الفلسطينيين أينما ذهبوا.
ويواصل الحصار حصد الأرواح بصمت، فمع شح المواد الغذائية والأدوية والوقود ومنع دخول المساعدات الإنسانية أصبح مئات الآلاف من العائلات يواجهون المجاعة والعطش والمرض في مشهد يعكس فشلا دوليا وأخلاقيا غير مسبوق في حماية المدنيين،
إن الذي يحدث في قطاع غزة ليس مواجهة عسكرية بل عدوان وحرب إبادة جماعية، ومأساة إنسانية يعيشها شعب بأكمله، شعب يقتل بالقصف إن بقي في منزله، ويقتل بالنزوح إن غادره، ويقتل بالجوع والمرض إن نجا من القنابل، وبين كل ذلك يقف العالم عاجزا عن فرض وقف حقيقي للعدوان أو توفير الحد الأدنى من الحماية الإنسانية.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الفلسطينيين واصحاب الضمائر في كل العالم إلى متى سيبقى أهل غزة يدفعون وحدهم ثمن الصمت العربي والدولي؟ وإلى متى ستبقى حياة أكثر من مليوني إنسان رهينة للحصار والدمار والجوع والنار؟ فاليوم أهالي القطاع لا يحتاجون إلى البيانات والوعود بل بحاجة لموقف عربي ودولي جاد يوقف العدوان ويضع حدا لعقود طويلة من المعاناة، ويضمن دخول المساعدات الإنسانية ويؤسس لعملية إعادة إعمار حقيقية ويمكن الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه الوطنية المشروعة وفي مقدمتها الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
