ليبانون ديبايت"- نوال نصر
-------------
توقفت الغارات؟ لم تتوقف؟ توقفت؟ لا، لم تتوقف. ما زالت الغارات تدكّ البلدات عن "بو جنب". لكن، أين تذهب كل تلك الردميات التي لو وضعناها في مكانٍ واحد لأصبحت أعلى من القرنة السوداء؟ منذ بدأت الحرب الأخيرة- ككل حرب إسناد و"لو كنت أعرف"- تهرول آليات "إتحاد بلديات الضاحية الجنوبية" لرفع الأنقاض. كانت تسبق جرافات الإتحاد وبلدياته حتى سيارات الإسعاف. فماذا فعلت في ردميات الضاحية؟ هل أنجزت عملها من صندوق الإتحاد ومال البلديات التي تنضوي في فلكه وهي أربع: الغبيري، حارة حريك، برج البراجنة، والمريجة؟ هل "قاومت" تلك البلديات من لحمها الحيّ أم من "لحم كل اللبنانيين الحيّ"؟
في وزارتي العدل والأشغال حالياً أكثر من ملف يطلب فيه إتحاد بلديات الضاحية الجنوبية سداد "الخزينة اللبنانية" ما توكلت به شركتين تابعتين لـ "حزب الله"، رفع الردميات، وذلك بطلبٍ من الإتحاد. المبلغ كبير. قيل ثلاثة ملايين دولار تقريباً في نطاقها وحده. فهل هذا معناه أن يُسدد اللبنانيون- من أرادوا الإسناد ومن تمنوا عدم اقتراف الفعل- فاتورة يتباهى الإتحاد أنه نفذها لتبقى "الضاحية عاصمة الكبرياء"؟ الضاحية- طبعاً- جزء من لبنان وناسها لبنانيون لكن، الفعل ستدفعه خزينة لبنانية تعجز عن توفير الطبابة- في الأيام العادية، إلى لبنانيين بحاجة ماسة إلى علاج ودواء. فكيف يقترف "الحزب" أفعاله ويطلب من كلِ اللبنانيين دفع فواتير ارتكاباته تحت حجة "المقاومة"؟
لبنان بالكاد- كان- يملك مقومات البقاء إقتصادياً، فأتت حرب إسناد إيران وكبدته ما تعجز عنه حتى الدول التي كانت في "نعيم". ويخرج من يقول: شو عملت الدولة للنازحين؟ فلنقلب السؤال: شو عمل "الحزب" للنازحين؟ فداه؟ فليُسدد ما اقترفته يداه.
مواطن من الضاحية من آل الحص طرح سؤالاً على الإتحاد: "بعدما دمّر العدو المبنى الذي كنا نسكن فوجئنا بأشخاص يبيعون ما تبقى لنا من حطام من دون إذن منا أو تنسيق معنا، حتى بقايا أغراضنا رفضوا تسليمنا إياها لأن "متعهد" سدد ثمن الركام. دمرنا ثم سرقنا. فمن يُحاسب؟". لم يأته الجواب. فالإتحاد يتباهى أنه يُنظف الردم "بثوانٍ"- كاستجابة سريعة- لكنه فعل، من مال اللبنانيين وسيُسدد لشركات حددها هو ويملكها- بالنهاية- هو. ويُطالب دولتنا بسداد الفاتورة النهائية.
فلنعد إلى الحروب السابقة علنا نفهم الأسلوب المعتمد تحت حجة "إزالة الركام وفتح الطرقات". فلنعد إلى ما بعد وقف إطلاق النار في حرب إسناد غزة العام 2024. يومها، إستكمل إتحاد بلديات الضاحية الجنوبية رفع الردميات- بعد التنسيق على ما قيل مع المكتب الإستشاري "خطيب وعلمي" ومجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة، ونقل الردم إلى منطقة "الكوستا برافا". تباهى الإتحاد يومها أنه لم ينتظر الأموال التي ستأتي من الحكومة للبدء بالعمل وباشر الأعمال منذ الحظة الأولى لوقف إطلاق النار. يومها تبين أن مئة ومبنيين في حارة حريك وحدها دمروا بالكامل وتم هدم خمسين مبنى آخرين. والدمار "جرار" على بقية بلدات الضاحية. تحرك، نفذ، رفع الردميات، وعاد إلى الحكومة وأخذ المال. يومها كان وزير الأشغال علي حمية (الذي ينتمي قلباً وقالباً إلى "حزب الله") وهو اليوم مستشار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في ملف إعادة الإعمار. نجح "معاليه" يومها في العبور بالملف إلى ناصية السداد من الخزينة اللبنانية. وتمّ سداد 900 مليار ليرة لبنانية إلى إتحاد بلديات الضاحية الجنوبية و500 مليار ليرة لبنانية إلى الهيئة العليا للإغاثة لرفع أنقاض حرب إسناد غزة. فهل "الحزب" بيمون اليوم أيضاً على وزير الأشغال فايز رسامني؟ إتحاد بلديات الضاحية الجنوبية يحاول. معالجة الملف ضرورية لكن "لو كان الحزب يعلم" ما يكبده للبنانيين. سؤالٌ آخر، هل إنتظر الإتحاد إستراتيجية رسمية للتخلص من الردميات؟ مسؤولٌ في وزارة الاشغال طرحنا عليه السؤال فابتسم. فهمنا.
فلنعدّ ثمانية عشر عاماً إلى الوراء، إلى حرب "لو كنت أعلم" في 2006. يومها رميت أطناناً وأطنان من الردميات في البحر على شاطئ الأوزاعي. ويومها أيضاً سدد اللبنانيون الفاتورة إلى الملتزمين وبينهم شركة الجهاد للتجارة والتعهدات. وخصصت مواقع في الأملاك العمومية لرمي الردميات. يومها كان "الحزب" قد خرج من الحرب بأبهى صورة. السيد حسن نصرالله كاد يتحول إلى أيقونة في المنطقة. و"جهاد البناء" (المؤسسة العقارية التي يديرها حزب الله) كانت "أم الصبي". فقامت بتوفير المال "فدا المقاومة وسيدها" من جيوب اللبنانيين. فقد تمّ دفع مبلغ 12,000 دولار كتعويضٍ إيجار منزل عن عام وبدل أثاث لكل من تضرر منزله. وحددت الوحدات المهدمة بأكثر من 120,000 من منازل ومحال ومؤسسات. ويومها- لمن لا يعرف أو نسي- حددت الحكومة اللبنانية كتعويض إعادة إعمار لكل وحدة سكنية 46,666 دولاراً أميركياً مهما كانت مساحته. هي مبالغ سددها أيضاً اللبنانيون. دفعت الخزينة اللبنانية ورفع في الضاحية شعار: "لا يستكمل النصر إلا باستكمال إعادة الإعمار". ويأتي من يسأل: ماذا فعلت الدولة اللبنانية للنازحين؟
فلنعدّ أيضاً وأيضاً إلى العام 1996 وتحديدا إلى حرب سميت "عناقيد الغضب". دامت الحرب يومها ستة عشر يوماً وانتهت بتدمير 120 قرية تدميراً كاملاً وهدم 5500 مبنى. يومها، تحركت مؤسسة "جهاد البناء"- في الشكل- لرفع الردم وإعادة البناء والترميم. وفي المضمون، سددت الخزينة اللبنانية ما سددته. وبلغت عدد البيوت التي رممت في بيروت وحدها 4217 منزلاً والمراكز التجاري 803.
ولنعد مجدداً 33 عاماً إلى الوراء، تحديداً إلى حرب العام 1993 المعروفة بـ "عدوان تموز" وتحمل إسم "تصفية الحساب". ويومها قلنا: شكرا إيران وشكرا جهاد البناء وشكرا "حزب الله"... والدولة اللبنانية التي كانت قد قامت من الحرب للتوّ سددت ما سددته. وهكذا كانت تفرغ خزينة رسمية بدأت مثقوبة واستمرّت حتى هذه اللحظة بحروب لم تنته وبفسادٍ متماد ودويلة نشأت جاوزت حضوراً الدولة.
اليوم، ونحن نسمع مراراً وتكراراً عن وقف إطلاق النار تُحضر ملفات سياسية ممن خاضوا حروباً مستحيلة، في موازاة ملفات تطالب وستطالب الدولة التي يريدونها رخوة بالسداد. الردميات تنتظر- المباني المنهارة لا تُعدّ- القتلى بالآلاف- ولم يجد الكثير من النازحين بيوتاً تركوها بكل ما فيها- فمن سيُسدد الفاتورة الجديدة؟
