لم تعد القضية مجرد شكوى عابرة في عكار، بل باتت ”عصابة أحمد حدارة” تحت المجهر القضائي، مع اتهامات تطال أحمد حدارة وشقيقه محمد وآخرين بالخطف والتهديد والملاحقة المسلحة. وبحسب الوقائع الواردة في الشكوى، فإن الحديث لا يدور عن أفراد في نزاع شخصي فحسب، بل عن مجموعة يُتهم أفرادها بالتحرك بصورة منظمة واستخدام الترهيب والقوة، في قضية باتت تختبر قدرة الدولة على حماية المواطنين وفرض سلطة القانون.
وقد دخلت قضية محاولة الخطف في عكار مساراً قضائياً، بعدما تقدّم خالد فاروق حدارة، بواسطة وكيله المحامي حسين الصمد، بشكوى مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي أمام النيابة العامة الاستئنافية في الشمال، ضد أحمد عامر حدارة وخالد عامر حدارة ومحمد عامر حدارة، إضافة إلى كل من يظهره التحقيق فاعلاً أو شريكاً أو متدخلاً، بجرائم التهديد بالقتل والخطف والابتزاز.
وبحسب نص الشكوى التي اطلع عليها “ليبانون ديبايت”، يقول المدعي إنه تعرض أخيراً لمحاولة خطف منظمة استهدفته شخصياً، مدعياً أن المحاولة نُفذت بتوجيه مباشر من أحمد حدارة، الذي تشير الشكوى إلى أنه يطمح إلى الترشح للانتخابات النيابية.
وتفيد الشكوى بأن مجموعة من الأشخاص توجهت إلى أحد المقاهي في سهل عكار بحثاً عن المدعي، إلا أنها لم تعثر عليه، لتتوسع، وفق روايته، عمليات البحث والملاحقة في المنطقة ومحيطها، الأمر الذي أثار حالة من الخوف والقلق لديه ولدى عائلته.
وفي سياق توثيق هذه الوقائع، يقول المدعي إن بحوزته مقاطع فيديو توثق جانباً من عملية الملاحقة، وقد أرفقها بالشكوى على قرص مدمج، مدعياً أنها تُظهر بعض المدعى عليهم خلال التحرك، كما يزعم أن التسجيلات تُظهر محمد حدارة مشاركاً في التحرك وشاهراً سلاحاً.
ولا تقف الشكوى عند حدود هذه الواقعة، إذ يدعي مقدمها أن الحادثة ليست الأولى من نوعها، مشيراً إلى أن أسماء بعض المدعى عليهم سبق أن وردت، وفق زعمه، في ملفات وتقارير أعدتها الأجهزة الأمنية وتتعلق بانتزاع إفادات تحت الضغط والإكراه.
وبناء على ذلك، طلب المدعي من القضاء إجراء التحقيقات اللازمة وملاحقة المدعى عليهم وتوقيفهم وإحالتهم أمام القضاء المختص لمحاكمتهم، وإنزال العقوبات القانونية بحق من تثبت مسؤوليته، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحمايته وعائلته.
كما طالب بإلزام المدعى عليهم بتعويض عن العطل والضرر لا يقل عن 100 ألف دولار أميركي، إضافة إلى الرسوم والمصاريف كافة.
وبحسب المستندات، أُرفقت بالشكوى صورة عن الوكالة وقرص مدمج يتضمن المواد المصورة التي يستند إليها المدعي في ادعاءاته، فيما تظهر على الأوراق أيضاً تأشيرات وأختام قضائية بما يفيد سلوك الشكوى مسارها أمام الجهات القضائية المختصة.
غير أن اسم أحمد حدارة ليس جديداً على الملفات القضائية التي سبق أن تابعها “ليبانون ديبايت”. ففي قضية “أبو عمر”، سبق أن نُشرت معلومات عن شكوى كان يُعتزم تقديمها ضد حدارة بجرم ضرب مصطفى الحسيان وإيذائه، على خلفية مزاعم تعرضه للضرب وتصويره أثناء الإدلاء باعترافات مصورة. كما خضع محمد حدارة للتحقيق في القضية نفسها، وفق ما نشره “ليبانون ديبايت” في كانون الثاني الماضي.
ويكتسب الملف الحالي بعداً إضافياً مع ورود اسم محمد عامر حدارة، شقيق أحمد حدارة وأحد المدعى عليهم في الشكوى، إذ انتُخب في حزيران 2025 رئيساً لبلدية عرقة الأثرية ورئيساً لاتحاد بلديات عرقة الأثرية، ما يجعل مسؤولية الدولة في التعامل مع الملف مضاعفة.
فوجود رئيس بلدية بين الأشخاص المدعى عليهم في ملف يتصل بمزاعم خطف وتهديد وابتزاز لا يمكن التعامل معه كمسألة هامشية، كما لا يجوز أن يتحول الموقع البلدي إلى غطاء يحول دون الوصول إلى الحقيقة.
وفي هذا الإطار، فإن قانون البلديات لا يمنح رئيس البلدية “حصانة” مطلقة، وإنما تشترط المادة 111 منه موافقة المحافظ الخطية على الملاحقة الجزائية عندما يكون الجرم المنسوب إليه متعلقاً بمهامه البلدية، فيما يعود للنيابة العامة تحديد ما إذا كان الجرم ناشئاً عن هذه المهام أم خارجاً عنها.
وعليه، فإن وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار ومحافظ عكار عماد اللبكي باتا أمام مسؤولية واضحة تتمثل في عدم السماح لأي اعتبار سياسي أو بلدي بأن يشكل حاجزاً أمام التحقيق. فإذا رأت النيابة العامة أن الوقائع ترتبط بالمهام البلدية وتستلزم موافقة المحافظ، يصبح المطلوب إعطاء هذه الموافقة من دون إبطاء، أما إذا كانت الأفعال المدعى بها خارجة عن الوظيفة البلدية، فلا يجوز التعامل معها وكأن ثمة حصانة تحول دون الملاحقة.
فالحديث هنا ليس عن خلاف سياسي أو انتخابي عابر، بل عن مزاعم خطف وتهديد وملاحقة مسلحة. وإذا ثبتت هذه الوقائع، فنحن أمام سلوك خطير يقوم على الترهيب وفرض القوة خارج مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن أحمد حدارة وشقيقه محمد، ومعهما كل من يثبت التحقيق ضلوعه، مدعوون إلى المثول أمام القضاء والإجابة عن هذه الوقائع، بعيداً عن المنابر والنفوذ والعلاقات، إذ لا يمنح الموقع الاجتماعي أو المالي أو البلدي صاحبه أي حق في إخافة الناس أو فرض سطوته عليهم.
الكلمة اليوم للقضاء، والمسؤولية على الدولة في أن تضمن ألا يبقى أي اسم فوق التحقيق، وأي موقع فوق القانون.
