بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

إيران.. بين حرب الوجود في هرمز إلى المساومة بالماء الخليجي

إيران.. بين حرب الوجود في هرمز إلى المساومة بالماء الخليجي

بعد ثمانية أيام من القصف الكثيف وتبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران، وبين إيران وجيرانها، يبقى السؤال الأهم، وهو أين يوجه ترامب هذه الحملة؟ حسب ترامب والمتحدثين باسمه، فإن الهجوم يهدف إلى إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، وبالتالي، تقليص قدرتها على منع حرية الملاحة في مضيق هرمز.


أما تفسير إيران فهو أوسع. فحسب محللين وأعضاء في البرلمان ومتحدثين باسم النظام، تهدف الولايات المتحدة إلى السيطرة على جزر في الخليج الفارسي، وربما حتى على جزء من الشاطئ الجنوبي المطل على المضيق، في حين تهدف الهجمات على أهداف مدنية مثل الجسور ومحطات توليد الطاقة إلى إثارة اضطرابات مدنية تؤدي إلى انهيار النظام. وتسعى باكستان وقطر ومصر والعراق إلى تضييق الفجوة بين وجهات النظر من خلال تبادل اقتراحات بشأن ترتيبات الملاحة “بروحية مذكرة التفاهم”، مع إدخال تعديلات تسمح بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وآثار الهجمات الأمريكية أصبحت ملموسة، خاصة في محافظات الجنوب. ففي كل أرجاء إيران، يطلب من السكان ترشيد استهلاك الكهرباء التي انقطعت عن آلاف البيوت، وفي عدد من المدن تضررت شبكة المياه ومحطات توليد الطاقة وخط الضغط العالي، وتوقفت حركة النقل في الكثير من مفترقات الطرق التي استهدفت في القصف، ويقدر خبراء الهندسة التابعين للنظام والذين قيموا حجم الأضرار، إن إعادة الإعمار قد تستغرق 3 أشهر إلى 3 سنوات. في غضون ذلك، تبذل جهود لبناء جسور مؤقتة وإصلاح محطات توليد الطاقة التي تضررت.


نطاق الهجمات توسع أيضاً وشمل محافظة بلوشستان، ولأول مرة محافظة يزد، التي تبعد حوالي 650 كيلومتراً عن مدينة بندر عباس الساحلية المهمة. مع ذلك، لم تصل هذه الهجمات حتى الآن إلى “أبواب الجحيم” التي وعد ترامب بفتحها في هذا الأسبوع. لم تتضرر مواقع الحفر ومصافي النفط ومحطات أنابيب النفط الرئيسية حتى الآن، ومحطات توليد الطاقة الرئيسية، ومحطات تحلية المياه وخزانات المياه.

نطاق الهجمات توسع أيضاً وشمل محافظة بلوشستان، ولأول مرة محافظة يزد، التي تبعد حوالي 650 كيلومتراً عن مدينة بندر عباس الساحلية المهمة

ووسعت إيران أيضاً نطاق هجماتها. فقد استهدفت محطات تحلية المياه وقاعدة أمريكية في الكويت، للمرة الثانية خلال يومين، وقواعد أمريكية في الأردن والبحرين، وأطلقت صواريخ على قاعدة تابعة لحركة كومالا الكردية السرية، قرب السليمانية في إقليم كردستان العراق. وأعلنت لأول مرة عن مهاجمة قاعدة التنف في سوريا، حيث كانت تتركز القوات الأمريكية حتى شباط الماضي، الأمر الذي نفته سوريا.


لا يقتصر الأمر على تصعيد نسبي للرد على الهجمات الأمريكية، بل يتعداه لتوسيع نطاق دائرة الرسائل لتشمل المزيد من الجهات التهديدية. إن مهاجمة محطات تحلية المياه التي تؤمن 70 – 90 في المئة من استهلاك المياه في دول الخليج، ترفع مستوى التهديد إلى مستوى جديد وأكثر خطراً بكثير من أطلاق الصواريخ على القواعد العسكرية أو المطارات والفنادق. هو يضعضع أسس الحياة. صحيح أن هذه الدول أنشأت خزانات مياه ضخمة تحتوي على ملايين الأمتار المكعبة من المياه الصالحة للشرب، وبعضها يشغل تقنية إنتاج الغيوم المطرية الاصطناعية ويستخدم مرافق إعادة تدوير المياه للزراعة، ولكن حتى لو أمكن حل مشكلة إمدادات مياه الشرب باستخدام صهاريج المياه (مثلما حدث بالفعل) فإن هذا هجوم استراتيجي سيقوض نسيج الحياة بشكل خطير.


في سيناريو متطرف، لكن ليس بعيداً عن الواقع، قد يؤدي تدمير البنى التحتية للمياه إلى خلق ضغط مدني كبير على الأنظمة – على شاكلة الضغط الذي تسعى أمريكا إلى فرضه على إيران إذا قررت تدمير البنى التحتية للمياه والطاقة. مع ذلك، مقارنة مع دول الخليج، تمتلك إيران خبرة في إدارة أزمة المياه بعد سنوات الجفاف الأخيرة التي أدت إلى جفاف جزء كبير من خزانات المياه والسدود. وقد تعلمت بالفعل تشغيل نظام بديل لتزويد المياه بكفاءة عالية. أيضاً وزعت إيران شبكات إمداد المياه لديها، ولديها مصادر مياه طبيعية تغذي خزانات المياه في المناطق النائية. وتوفر أنابيب المياه المحلاة من بحر قزوين جزءاً من استهلاك المياه في شمال ووسط البلاد.


لا تكتفي إيران بتوجيه “رسائل استراتيجية” فقط، مثل إلحاق الضرر بمحطات تحلية المياه في الكويت. وكان الإعلان عن الهجوم في سوريا، حتى لو لم يكن فعلياً، يهدف إلى تحذير الرئيس السوري أحمد الشرع من التدخل في الحرب ضد حزب الله. الخميس، أعلنت السلطات في سوريا عن ضبط شحنة سلاح ووسائل قتالية، بينها صواريخ كانت قد مرت عبر العراق متجهة إلى حزب الله.


لم تكشف تفاصيل العملية أو مصدر المعلومات التي وصلت إلى سوريا. ولكن الهدف من هذا المنشور البارز هو توضيح موقف دمشق. فمع أن سوريا لا تنوي المشاركة الفعالة في الحرب ضد حزب الله في لبنان – كما أكد الشرع بشدة بعد أن أوصى ترامب سوريا بذلك – لكنها شريكة فاعلة في هذه الجبهة، وهذا ليس استعراض القوة الوحي الذي يظهره الشرع ضد حزب الله، فقد انتشرت القوات السورية على طول الحدود مع لبنان منذ أشهر، وتم التوصل إلى تفاهمات متينة بين النظام وحكومة لبنان حول التعاون على إغلاق الحدود أمام مرور المهربين، لا سيما مهربي السلاح والذخيرة الموجهة لحزب الله. من ناحية إيران، يعتبر الشرع بالفعل شريكاً للولايات المتحدة وإسرائيل، لذا هو عدو يجب ردعه.


كان الهجوم على القاعدة الكردية أقل رمزية من الهجوم في سوريا الذي تسبب بقتل ثمانية أكراد على الأقل. هذه هي المرة الثالثة في غضون الأسبوعين الأخيرين التي تهاجم فيها إيران قواعد الناشطين الأكراد بالصواريخ والمسيرات، وسط تقارير غير مؤكدة تفيد بتجديد خطة نشر القوات الكردية على الأراضي الإيرانية. وفي حين تدير طهران في حملتها الرئيسية في الخليج الفارسي “معادلة تصعيد”، حيث يستخدم الهجوم على بعض دول الخليج كأداة ضغط على الولايات المتحدة، فإنها تسعى في الساحة الداخلية الإيرانية إلى حرب حاسمة لإفشال أي أطماع إقليمية قد تمتد إلى مناطق أخرى.


يكشف التوازن بين نشاطات الجيش الأمريكي وردود إيران الاختلاف الجوهري في فهم التهديد في كل طرف، الذي يستمد منه كل طرف هامش المناورة والمرونة المتاحة له؛ فترامب والولايات المتحدة لا يعتبران هذه حرب لفتح مضيق هرمز، بل السيطرة عليه. إنها حملة مبررة وضرورية يتوقف عليها مستقبل حرية الملاحة في الخليج. مع ذلك، وافق ترامب في مذكرة التفاهم التي وقع عليها قبل شهر، على أن تناقش إيران وسلطنة عمان ودول الخليج ترتيبات الملاحظة في المضيق. وهذا يعتبر اعترافاً فعلياً بالوضع الخاص لإيران فيما يتعلق بالمضيق.


أما إيران فمضيق هرمز عندها ليس قضية تتعلق بالاعتراف بسيادتها، أو رمز لـ “انتصارها” في الحرب فحسب، بل هو الركيزة الوحيدة التي تملكها للتفاوض على رفع العقوبات والسعي إلى إعادة تاهيل اقتصادها. إن السيطرة على مضيق هرمز هو الضمانة الوحيدة الملموسة التي تضمن وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها على المدى البعيد. بالنسبة لإيران، التخلي عن مضيق هرمز لن يكون مجرد “جريمة وطنية” و”استسلام للإمبريالية”، بل هو أيضاً بمثابة ترخيص لإسقاط النظام والدولة. وحسب هذا التعريف، فإن الصراع على مضيق هرمز هو حرب وجود. وربما تكون الطريقة الوحيدة لوقف مراحل التصعيد القادمة هي العودة إلى مذكرة التفاهم وتنفيذها وفقاً لتفسير إيران.

هآرتس 19/7/2026