بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

صفقة محركات وطائرات إف-35 لتركيا.. تداعياتها على موازين القوى الإقليمية والعالمية

صفقة محركات وطائرات إف-35 لتركيا.. تداعياتها على موازين القوى الإقليمية والعالمية

تروج الإدارة الأمريكية الحالية لصفقة ضخمة تتجاوز قيمتها 700 مليون دولار لبيع محركات إف-110 لتركيا لمشروع طائرات “كان”. ورغم محاولات الإدارة تجاوز العقبات التشريعية، فإن هذه الخطوة ليست حدثًا معزولًا، بل محفز استراتيجي يهدف إلى تمهيد الطريق لعودة أنقرة الكاملة إلى برنامج إف-35. وبينما تسعى واشنطن، من خلال منطقها إلى الحفاظ على تركيا كركيزة أساسية في حلف الناتو، فإنها في الواقع تخلق معضلة حادة وتطرح مثلثًا من المخاطر الجسيمة:


تقويض حلف الناتو من الداخل: تمكين جهة فاعلة تتنافس بقوة مع الحلفاء الغربيين (مثل اليونان) وترسيخ وجود عسكري متشدد في قبرص.


تأجيج التوترات الإقليمية: إضفاء الشرعية على قوة منافسة تؤوي حماس وتدعم نظام الشريعة في سوريا.


خطرٌ مُمنهج على شبكة طائرات إف-35 العالمية: يُهدد وضع تقنيات الجيل الخامس بالقرب من منظومات إس-400 الروسية أمن المعلومات للمنصة بأكملها. ولا يقتصر هذا التهديد على تقويض الميزة النسبية لإسرائيل وتعريض صناعاتها للخطر، بل يُشكل تهديدًا مباشرًا لكل دولة في العالم اقتنت طائرات إف-35، فضلًا عن المخاوف بشأن انتشار طائرات كان إلى جيوش أخرى في المنطقة السنية.


التسلسل الزمني ذو الصلة: تطور الأزمة والثقة


يعكس سلوك أنقرة في العقود الأخيرة تآكلًا منهجيًا للثقة مع الغرب، إلى جانب مناورات سياسية معقدة لتحقيق التفوق التكنولوجي:

يعكس سلوك أنقرة في العقود الأخيرة تآكلًا منهجيًا للثقة مع الغرب، إلى جانب مناورات سياسية معقدة لتحقيق التفوق التكنولوجي

تموز 2002: انضمت تركيا رسميًا كشريك في برنامج المقاتلة المشتركة لتطوير طائرات إف-35.


أيلول 2017: أعلن الرئيس أردوغان رسميًا شراء منظومة إس-400 من روسيا مقابل 2.5 مليار دولار، على الرغم من التحذيرات المتكررة من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من عدم توافقها مع بنية الحلف التحتية. لم تكن هذه الخطوة خطأً عابراً، بل ركيزة أساسية في استراتيجية تركيا لتحقيق استقلالها الأمني.


تموز 2019: بدأت أولى مكونات منظومة إس-400 بالوصول إلى تركيا؛ وفي رد حاسم، استبعدت الولايات المتحدة تركيا رسمياً من برنامج إف-35 وأوقفت تسليم الطائرات المصنعة لها.


كانون الأول 2020: فعّلت الولايات المتحدة قانون العقوبات (CAATSA) وفرضت عقوبات رسمية على الصناعات الدفاعية التركية (SSB).

2025-2026 – نقطة التحول: أثمر الضغط المكثف والنشاط المكثف من جانب أنقرة. أشارت إدارة ترامب إلى استعدادها لإعادة النظر في التكامل التكنولوجي معها. وكانت الموافقة على صفقة محركات إف-110 لطائرة كان بمثابة اختبار وحافز لتغيير النهج.


الوضع الراهن والحلول البديلة (صيف 2026): بالتزامن مع مساعي أنقرة لإيجاد إطار سياسي يحل أو يؤجل قضية منظومة إس-400، واجهت هذه الخطوة معارضة شديدة من الحزبين في الكونغرس. وقد عارض رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، جيم ريش، الصفقة علنًا، وأوضح أنه لن تتم الموافقة على أي صفقة أسلحة متطورة ما دامت أنقرة تمتلك المنظومة الروسية. وردًا على ذلك، أشارت الإدارة الأمريكية إلى نيتها استكشاف حلول دستورية بديلة لتحييد المعارضة في الكونغرس ودفع الصفقة قدمًا.


قضية القوة الجوية، وشبكة طائرات إف-35 العالمية، والتعرض التكنولوجي


تجاوز عقبة إف-35 وبناء قوة متنوعة: يُمثل بيع محركات إف-110 حلاً استراتيجياً مؤقتاً لأنقرة؛ إذ يُتيح لها تحقيق قدرات متقدمة دون التخلي الفوري عن منظومة إس-400 الروسية. مع ذلك، من الضروري التأكيد على أن توريد المحركات وحده لا يُنشئ منصة كاملة من الجيل الخامس، ولكنه يُعد أحد أهم العوامل المُمكّنة للتقدم نحو هذه المنصة. لذا، يبقى الهدف الاستراتيجي النهائي لتركيا هو العودة الكاملة إلى برنامج إف-35. في الوقت نفسه، تُعزز تركيا قوتها على المدى القريب من خلال شراء ضخم يصل إلى 56 طائرة يوروفايتر تايفون من المملكة المتحدة وقطر وعُمان، مع تدريب طياريها في قطر.


تأثير “كان” وكسر الاحتكار الإقليمي: سيُمكّن التطوير الناجح لطائرة كان كمنصة من الجيل الخامس بمساعدة المحركات الأمريكية تركيا من أن تُصبح مُصدِّرة أسلحة تُغطي تكاليفها. قد تحصل دول مثل إندونيسيا (التي وقّعت بالفعل اتفاقية)، إلى جانب مصر والسعودية اللتين تُبدِيان اهتمامًا كبيرًا، على هذه الطائرات. بالنسبة لدولة إسرائيل، يُشكّل نشر قدرات التخفي لدى جهات فاعلة إضافية في المنطقة السنية “مشكلة” استراتيجية غير مسبوقة.


تعقيدات مسألة قانون التفوق العسكري النوعي: يتضمن قانون التفوق العسكري النوعي الأمريكي، الذي يُلزم إسرائيل بالحفاظ على تفوقها، ثغرةً مُتأصلة: فهو لم يُطبّق رسميًا على تركيا قط نظرًا لعضويتها في حلف الناتو. من شأن دمج تركيا في شبكات الجيل الخامس أن يُعزز هذه الميزة عمليًا، مما يُتيح لأي جهة عدوانية الوصول إلى بنى تحتية مشتركة للبيانات التكتيكية (عقدة ساحة المعركة المتصلة) وعقائد قتالية سرية، دون وجود أداة قانونية أمريكية بسيطة لإيقافها.


تهديد منظومة إس-400 وأمن المعلومات: يُعرّض تشغيل منصات الجيل الخامس بالقرب من منظومة إس-400 الروسية في تركيا (المجهزة برادار 91N6Eبمدى كشف يصل إلى 600 كيلومتر، والذي تم اختباره بنجاح ضد طائرات إف-16) أمن معلومات الطائرة للخطر الشديد. وهذا يسمح نظريًا بكشف نقاط ضعف الطائرة الشبحية وبصمة رادارها وتسريبها مباشرةً إلى المخابرات الروسية. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة تهديدات رئيسية:


محور التسريب إلى القوى الشرقية: إن كشف المعلومات الاستخباراتية للأنظمة الروسية يفتح بابًا مباشرًا لتسريبها؛ فالطريق من موسكو إلى بكين قصير للغاية، ومثل هذا التسريب سيمنح الصين القدرة على كشف إسرار تقنيات التخفي الغربية.


محور التسريب إلى القوى الشرقية: إن كشف المعلومات الاستخباراتية للأنظمة الروسية يفتح بابًا مباشرًا لتمريرها؛ فالطريق من موسكو إلى بكين قصير للغاية، ومثل هذا التسريب سيمنح الصين أيضاً القدرة على كشف إسرار تقنيات التخفي الغربية.


تعقيم الميزة النسبية العالمية: إن اختراق أمن المعلومات وكشف البصمة الرادارية للطائرة يخلق خطرًا نظاميًا يعقم تمامًا الميزة النسبية لمنصات الجيل الخامس، ليس فقط للولايات المتحدة أو إسرائيل، ولكن لجميع الدول حول العالم التي جهزت نفسها بهذه المنصة.


كشف شبكات البيانات السرية والعقائد القتالية: يمنح دمج تركيا في نظام الجيل الخامس (5G) جهةً ذات طموحات مستقلة وعدوانية وصولاً مباشراً إلى البنى التحتية للبيانات التكتيكية المشتركة (عُقدة ساحة المعركة المتصلة). هذا النهج يُعرّض أنقرة لأكثر العقائد الحربية سرية، سواءً ضد دول الناتو أو ضد دول الشرق الأوسط.


كشف التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة: تندمج الصناعات الدفاعية الإسرائيلية في صميم سلسلة توريد طائرات إف-35 (إنتاج الأجنحة من قِبل شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، وخوذات الطيارين من قِبل شركة إلبيت سيستمز). يُعرّض إعادة دمج تركيا الملكية الفكرية والتقنيات الإسرائيلية، المعرضة بشكل خاص للتسريب إلى أيدي جهات معادية، في بيئة تُعمّق فيها أنقرة تعاونها المناهض للغرب.


السياق الجيوسياسي الأوسع: تركيا كقوة إقليمية منافسة


يجب دراسة تسلّح تركيا بسلاح حاسم من منظور الاستراتيجية التركية الأوسع: السعي المستقل للهيمنة الإقليمية، مع توسيع نطاق النفوذ في مواجهة النظام الغربي والتحالفات الإقليمية. من الضروري التوضيح: حتى لو تم التوصل إلى صيغة سياسية لحل أو احتواء قضية منظومة إس-400 بموافقة أمريكية، فهذا لا يُبرر تهدئة الوضع بالنسبة لإسرائيل أو اليونان. فالتهديد الأساسي لا يقتصر على الجانب التكنولوجي فحسب، بل يكمن في نوايا أنقرة وتطلعاتها لتغيير موازين القوى.

الخلاف بين السياسيين والمهنيين في واشنطن يكشف مسعى تسليح تركيا عن تعقيد داخلي في النظام الحكومي الأمريكي

الخلاف بين السياسيين والمهنيين في واشنطن يكشف مسعى تسليح تركيا عن تعقيد داخلي في النظام الحكومي الأمريكي. لا يتعلق الأمر بخلاف بين مجموعتين متكافئتين، بل بقيادة واضحة من الرئيس ترامب والسلطة التنفيذية، اللذين يتبنيان نهجًا براغماتيًا تجاه أردوغان، وينظران إليه كلاعب إيجابي ومؤثر حافظ على حياده في النزاعات الإقليمية. من جهة أخرى، يدرس المستوى المهني في وزارة الخارجية، بالتعاون مع شخصيات سياسية بارزة، مثل رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جيم ريش، هذه الخطوة بقلق وريبة خشية تصعيد تنافسي وتشديد قوانين العقوبات (قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات).


غياب ضبط النفس الإقليمي والانتهازية الاستراتيجية: لا تتردد أنقرة في استخدام قوتها العسكرية وموقعها لتحدي شركائها الغربيين المجاورين. وأحدث مثال على ذلك كان في شمال قبرص: فبعد تعزيز القوات الغربية في الجزيرة (من اليونان وفرنسا وألمانيا ردًا على هجمات الطائرات الإيرانية المسيرة)، استغلت تركيا التصعيد لنشر طائرات إف-16 بشكل غير معتاد وإقامة موطئ قدم عملياتي هناك. وتُعدّ هذه الخطوة، التي تُعرف بـ”التعوّد” أو استغلال الفرصة، استعراضًا لقدرات أنقرة، يُضاف إلى تشغيل قاعدة طائرات مسيرة دائمة على الأراضي القبرصية. وتُشكّل هذه البنية التحتية، ذات القوة الجوية المتنوعة، موقعًا متقدمًا يسمح لأنقرة بانتهاك السيادة، وبسط نفوذها، وتقويض الوضع العملياتي الراهن في البحر الأبيض المتوسط ​​والاتحاد الأوروبي برمته.


الدعم الفعال للمحور الإسلامي الراديكالي وبسط النفوذ تجاه إسرائيل: تُقدّم أنقرة دعمًا علنيًا وعمليًا وسياسيًا لحركة حماس، بل إنها مُدمجة في “مجلس السلام” لإدارة قطاع غزة. في الوقت نفسه، تحافظ تركيا على انخراط عسكري عميق في سوريا، وتسعى إلى ترسيخ وجود القوى الإسلامية في المنطقة، وتقدم دعمًا معلنًا لنظام الشريعة. هذا الخطاب العدائي يتغلغل في أعلى مستويات القيادة، لكن الخطر الرئيسي في أي صراع مع إسرائيل ليس عسكريًا مباشرًا؛ فتركيا تمتلك بالفعل جيشًا بريًا ضخمًا وبحرية قوية. يكمن القلق الحقيقي في أن سلاح الجو التركي المُطوّر إلى الجيل الخامس سيمنح جماعة أردوغان جرأة مفرطة، ما سيترجم إلى سلوك أكثر عدوانية وقوة في المجالين البحري والجوي بهدف موازنة إسرائيل واحتوائها والحد من حرية تحركها في المنطقة.


محور التقارب العربي كآلية توازن إقليمية: لم تعد أهمية تركيا كلاعب إقليمي مؤثر تقتصر على علاقاتها الودية التقليدية مع قطر، بل على تحول جيوسياسي أوسع نطاقًا: عمليات التطبيع والتقارب السياسي والاقتصادي المتسارع مع مصر والسعودية. يوضح هذا المحور الناشئ كيف تعيد أنقرة تموضعها كركيزة أساسية في قلب العالم العربي والإسلامي. على المدى البعيد، لا يُعدّ تعميق التعاون بين تركيا وهذه القوى السنية مجرد أداة لتوسيع النفوذ التركي، بل يُنشئ أيضاً آلية قوة مشتركة تهدف إلى موازنة، بل وكبح، حرية العمل الاستراتيجية وسيادة دولة إسرائيل في المنطقة.


التطلعات إلى ترسيخ مكانتها كقوة مستقلة على الساحة الدولية: لم تعد سياسة أردوغان الخارجية تطمح إلى اندماج كامل في الغرب، بل إلى وضع تركيا كقوة مستقلة. وبذلك، لا ترى تركيا نفسها تابعة أو مقيدة بمصالح التحالف الغربي، بل تنتهج سياسة خارجية نفعية وعملية، مع توجيه أنظارها باستمرار نحو موسكو ومحاور بديلة.


الخلاصة


لا يرتكز الموقف الإسرائيلي على ضرورة الحفاظ على التفوق التكنولوجي ومنع تسريب الملكية الفكرية لصناعاته العسكرية فحسب، بل على اعتبار إسرائيل جزءًا لا يتجزأ من الأمن المعلوماتي القومي الأمريكي في مواجهة القوى الشرقية. ويُعدّ منع تعزيز مكانة أنقرة، التي تسعى إلى ترسيخ نفسها كقوة مستقلة وركيزة للمحور السني المتنامي، الشرط الأساسي لمنع سباق تسلح إقليمي والحفاظ على استقرار منظومة الأمن العالمي برمتها.


ويُفضي تحليل صفقة المحركات إلى استنتاج مفاده أن جذر التهديد الذي يُمثله تسليح تركيا ليس تكنولوجيًا فحسب، بل جيوسياسيًا أيضاً. ولذلك، حتى لو توصلت واشنطن وأنقرة إلى صيغة تُنهي أو تُعلّق مؤقتًا قضية منظومة إس-400، فلن تتمكن إسرائيل وحلفاؤها في الناتو من تهدئة مخاوفهم. إنّ تحديث القوات الجوية التركية إلى الجيل الخامس – سواءً من خلال مشروع “كان” أو العودة مستقبلاً إلى شبكة طائرات “إف-35” – سيمنح جماعة أردوغان جرأةً وعدوانيةً مفرطتين، موجهتين مباشرةً نحو تقليص حرية عمل الجيش الإسرائيلي وقدرته على الردع في المجالين البحري والجوي.

معهد بحوث الأمن القومي INSS 19/7/2026