لقي المواطن الإيطالي من أصول مغربية عبد الرحيم فقير حتفه السبت الماضي خلال تدخل للشرطة الإيطالية، الأمر الذي أدى إلى اندلاع احتجاجات في البلاد، وبدأ الحادث يتحول إلى ما يشبه قضية جورج فلويد في الولايات المتحدة خلال مايو/أيار 2020.
ووقع الحادث في مدينة بولونيا الإيطالية، عندما أوقفت الشرطة عبد الرحيم فقير الذي كان، وفق وسائل إعلام إيطالية، في حالة غير عادية. وبينما حاول أفراد الشرطة السيطرة عليه، تعرض للاختناق وتوفي في عين المكان رغم الإسعافات التي قدمت له. ويظهر شريط فيديو صوره أحد سكان المنطقة التي وقع فيها الحادث أن عبد الرحيم كان يصرخ طالبا المساعدة، قبل أن يصبح فجأة جثة هامدة. وقد بثت قنوات تلفزيونية، من بينها “راي نيوز”، مشاهد من الشريط.
بعد وقوع الحادث وانتشار شريط الفيديو، اندلعت موجة من الاحتجاجات القوية في بولونيا، قبل أن تمتد إلى مدن إيطالية أخرى، حيث طالب المتظاهرون بمحاسبة المسؤولين عن الوفاة.
ويقيم عبد الرحيم فقير في إيطاليا منذ 35 عاما، إذ وصل إليها عندما كان في السابعة من عمره، وكان يعمل في قطاع الخدمات اللوجستية. ومباشرة بعد وقوع الحادث وانتشار شريط الفيديو، اندلعت موجة من الاحتجاجات القوية في بولونيا، قبل أن تمتد إلى مدن إيطالية أخرى، حيث طالب المتظاهرون بمحاسبة المسؤولين عن الوفاة. كما وجهت عائلة فقير نداء إلى المحتجين من أجل الحفاظ على الطابع السلمي للتظاهرات، وفق ما أوردته صحيفة “لا ريبوبليكا”.
وقالت خديجة فقير، شقيقة الضحية: “لا يمكن أن يموت بهذه الطريقة. الشرطة يجب أن تحمينا، وإذا كان شخص في حالة اضطراب فيجب تهدئته، لا أن يتعرض للقتل”.
وطالبت العديد من أحزاب المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان بالشفافية ومحاسبة المسؤولين في حال ثبوت أي تجاوزات. ومن جهتها، وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الوفاة بأنها “غير مقبولة”، وطالبت بإجراء تحقيق دقيق، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة احترام مبدأ افتراض البراءة بالنسبة إلى عناصر الشرطة إلى حين انتهاء التحقيقات.
وتشير تصريحات عدد من مسؤولي الدولة إلى أن الملف القضائي سيحظى بمتابعة واسعة، مع التأكيد على ضرورة كشف جميع ملابساته دون تستر على أي مسؤول في حال ثبوت المسؤولية.
وأعاد حادث عبد الرحيم فقير إلى الواجهة ملف وفاة المواطن الإيطالي ريكاردو ماغيريني سنة 2014، وهو لاعب سابق في فريق فيورنتينا، توفي خلال محاولة الشرطة السيطرة عليه، بعدما كان يصرخ قائلا: “أختنق، إنهم يقتلونني”. وكانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد أدانت الدولة الإيطالية في يناير/كانون الثاني 2026، معتبرة أنها لم توفر الحماية الكافية لحياة ماغيريني، ولم تضمن تدريبا مناسبا لعناصر الشرطة بما يحمي حياة الأشخاص أثناء عمليات التوقيف.
وعلق النائب البرلماني نيكولا فراتوياني قائلا: “مرت 12 سنة على وفاة ماغيريني، وها هو عبد الرحيم فقير يلقى المصير نفسه. يجب تحديد مسؤولية الدولة في هذا الملف”. كما أعاد الحادث إلى الواجهة ملف ستيفانو كوتشي، الذي لقي حتفه خلال تدخل لقوات الدرك الإيطالية (كارابينييري)، وتم التستر في البداية على ما وقع، لكن التحقيق انتهى إلى أن ستيفانو مات نتيجة العنف، وتم الحكم على أفراد من قوات الأمن بالسجن، وتحول إلى رمز لـ”مكافحة الإفلات من العقاب”.
وبعد مرور ثلاثة أيام على الحادث، ومع تصاعد المقارنات مع قضيتي ماغيريني وستيفانو كوتشي، بدأ مقتل عبد الرحيم فقير يأخذ أبعادا تشبه حادث وفاة المواطن الأمريكي جورج فلويد، الذي توفي في 25 مايو/أيار 2020 بمدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا الأمريكية.
تتمثل أوجه التشابه التي يستحضرها كثيرون في وفاة الرجلين اختناقا أثناء تدخل الشرطة، وتوجيههما نداءات استغاثة قبل الوفاة، إضافة إلى اندلاع احتجاجات واسعة في الحالتين
وتتمثل أوجه التشابه التي يستحضرها كثيرون في وفاة الرجلين اختناقا أثناء تدخل الشرطة، وتوجيههما نداءات استغاثة قبل الوفاة، إضافة إلى اندلاع احتجاجات واسعة في الحالتين. وكانت قضية جورج فلويد من أبرز الملفات التي أثرت في النقاش العالمي حول إصلاح أجهزة الشرطة واستخدام القوة، وهو ما يتكرر اليوم مع قضية عبد الرحيم فقير التي بدأت تكتسب بعدا دوليا، خصوصا بفضل تسجيلات الفيديو التي وثقت لحظات التدخل وأثارت جدلا واسعا حول تصرفات الشرطة.
وتتفق غالبية الافتتاحيات في الصحافة الإيطالية على أن وفاة عبد الرحيم فقير تمثل حادثة بالغة الخطورة تستوجب تحقيقا شاملا وشفافا، لكنها تختلف في تفسير أبعادها السياسية، وما إذا كانت تعكس مشكلة أوسع مرتبطة باستخدام القوة من قبل الشرطة، أو أنها واقعة فردية يجب انتظار نتائج التحقيقات القضائية بشأنها.
وكتبت صحيفة “أرتيكولو 21” تحت عنوان: “بولونيا تطالب بالحقيقة والعدالة لعبد الرحيم فقير”، مؤكدة أن القضية تستوجب مراجعة أساليب استخدام القوة من قبل قوات الأمن، ومستحضرة حوادث مشابهة شهدتها إيطاليا، مع المطالبة بتحقيق شفاف وكامل. وفي المقابل، تحرص غالبية وسائل الإعلام الإيطالية على ألا يتحول الملف إلى مواجهة أيديولوجية بين مؤيدي الهجرة ومعارضيها، بل التعامل معه باعتباره قضية تتعلق بالعدالة وشفافية التحقيقات واحترام حقوق الإنسان.
