منذ خريف عام 2025، رصد الغرب نقل أجهزة الطرد المركزي إلى منشأة تحت الأرض، محصنة ضد القصف. وليس واضحاً ما إذا كان الغرض منها حماية المعدات فقط، أم تخصيب اليورانيوم وتجميع الأسلحة النووية. ويتطلب استهدافها تخطيطًا دقيقًا، وسيتأثر توقيته بعدة عوامل: معلومات استخباراتية حول بدء النشاط، وتجديد المخزون الأمريكي من القنابل الثقيلة، وخطة لهجوم دقيق على مستوى متر أو مترين.
ويكمن قلق خبراء الطاقة النووية هذه الأيام، وكذلك لدى نتنياهو وترامب، في احتمال أن يأخذ الإيرانيون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة الذي لا يزال بحوزتهم، ويخصبوه إلى نسبة 90 في المئة باستخدام عدد قليل من أجهزة الطرد المركزي السليمة. إذا ما أقدم النظام على ذلك بالفعل، وثمة دلائل على ذلك، فنيته امتلاك مواد انشطارية تكفي لصنع أكثر من قنبلة ذرية. وعند توفر هذه المواد، يصبح الطريق إلى السلاح النووي قصيراً نسبياً.
يكمن قلق خبراء الطاقة النووية هذه الأيام، وكذلك لدى نتنياهو وترامب، في احتمال أن يأخذ الإيرانيون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة الذي لا يزال بحوزتهم، ويخصبوه إلى نسبة 90 في المئة باستخدام عدد قليل من أجهزة الطرد المركزي السليمة
كما يمكن استخدام المواد الانشطارية عالية التخصيب لصنع “قنبلة قذرة”، أي رأس حربي صاروخي أو قنبلة جوية، قادرة عند اصطدامها بالأرض -حتى في حال اعتراضها- على نشر كمية من المواد المشعة تجعل مساحة شاسعة غير صالحة للسكن.
لهذا السبب، باتت شبكة الأنفاق الجديدة وقاعات الإنتاج تحت الأرض التي يحفرها الإيرانيون منذ سنوات فيما يُعرف بـ “جبل الفأس” محط أنظار أجهزة الاستخبارات في إسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموماً.
بدأت أعمال الحفريات في منشأة “جبل الفأس”، الواقعة على بُعد كيلومتر ونصف تقريباً جنوب مجمع نطنز لتخصيب وإنتاج اليورانيوم، عام 2020، وأصبحت هدفاً لاهتمام أجهزة الاستخبارات والباحثين. ينبع القلق من عدم وضوح نوايا الإيرانيين بشأن شبكة الأنفاق هذه: هل سيحولونها إلى منشأة تخصيب تُنقل إليها أحدث أجهزة الطرد المركزي من منشأة نطنز الأصلية لحمايتها؟ أم أن هناك خططًا لتجميع أسلحة نووية؟ أسئلة بلا إجابة.
مشكلة تقنين الذخيرة
جيولوجيًا، يتكون جبل الفأس من صخور أساسية، معظمها من الجرانيت، ولذلك فإن الأنفاق المحفورة فيه، التي تقع -بحسب ما نُشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”- على عمق يتراوح بين 100 و135 مترًا، محصنة تقريبًا ضد القصف الجوي. هذان العاملان – العمق وتركيبة الصخور، التي لا مثيل لصلابتها- يُشابهان إلى حد كبير خصائص منشأة فوردو. كما قد تتذكرون، في نهاية عملية “الأسد الصاعد” الصيف الماضي، استُخدمت قاذفات B-2 الأمريكية والأسلحة الخاصة (عملية مطرقة منتصف الليل) لإلحاق الضرر بمنشآت تخصيب اليورانيوم في فوردو ودفن اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة المخزن هناك.
مصطلح “جبل الفأس” بدا ترجمة حرفية. الاسم الفارسي للجبل هو “كوه كولانغ”، الذي يعني الفأس أو المعول، مما يشير إلى أن استخراج اليورانيوم من هناك كان يُعتبر صعبًا للغاية حتى في العصور القديمة. وحتى اليوم، ورغم المعرفة والمعدات الصينية، لا تزال هذه المهمة معقدة إلى حد كبير.
خصائص الهجوم على فوردو في حزيران 2025 – الذي سيكون مطلوباً مرة أخرى، متى أمكن ذلك:
يعود السبب في عدم مهاجمة المنشأة التحت أرضية في حزيران 2025 أنها كانت فارغة، أو شبه فارغة، ولم يكن الغرض من استخدامها واضحًا بعد. بعد عملية “الأسد الصاعد”، بدأ الإيرانيون بنقل أجهزة الطرد المركزي ومعدات أخرى من نطنز إلى أنفاق جبل الفأس، بالإضافة إلى معدات جلبوها من مواقع نووية أخرى تعرضت للقصف. لم يبدأ هذا النشاط فورًا، إذ استغرق الإيرانيون وقتًا لتنظيف مداخل الأنفاق القديمة في نطنز وفوردو وأصفهان. وبعد بضعة أشهر فقط، في خريف عام 2025، بدأوا سرًا بنقل أجهزة الطرد المركزي المتبقية أو التي لحقت بها أضرار طفيفة هناك.
لقد حاول الإيرانيون إخفاء هذا النشاط عن أجهزة الاستشعار عبر الأقمار الصناعية وغيرها من أدوات الاستخبارات التي تستخدمها إسرائيل والولايات المتحدة، لكن دون جدوى. ومع ذلك، لم يتعرض جبل الفأس للهجوم في عمليتي “زئير الأسد” الإسرائيلية و”الغضب الملحمي” الأمريكية، اللتين بدأتا في أواخر شباط 2026 واستمرتا حتى وقف إطلاق النار في أوائل نيسان.
قد يكون أحد أسباب ذلك أنه لم يُستخدم بعد في أي نشاط نووي فعلي، مثل التخصيب أو تصميم القنابل، وإنما للتخزين فقط. وثمة سبب آخر لا يقل أهمية، وهو أن الهجوم الفعلي على أنفاق جبل الفأس يتطلب عملية ضخمة للغاية، لا يمكن تنفيذها إلا من قبل الجيش الأمريكي، لأن سلاح الجو الأمريكي وحده يمتلك قنابل GBU-57، البلاغ وزنها حوالي عشرة أطنان، وقادرة على اختراق الصخور الصلبة حتى عمق 60 مترًا تقريبًا (كما أن الأمريكيين وحدهم يمتلكون قاذفات B-2 الشبحية، التي تستطيع كل منها حمل عدة قنابل من هذا النوع).
على سبيل المثال، في عملية “مطرقة منتصف الليل” في حزيران 2025، التي استهدفت منشأة فوردو ومواقع نووية أخرى تحت الأرض في إيران، استخدم الأمريكيون سبع طائرات B-2 تحمل 14 قنبلة دقيقة للغاية قادرة على تدمير المخابئ. أُلقيت كل قنبلة في الحفرة التي أحدثتها القنبلة السابقة، لتصل إلى أعماق تتراوح بين 80 و100 متر. وقد أدت الصدمات التي أحدثتها هذه القنابل في منطقة جبل فوردو إلى تدمير أجهزة الطرد المركزي الحساسة بشكل كامل، ما أدى إلى تعطيلها.
كان قصفها إحدى أكبر العمليات التي نفذها سلاح الجو الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية. في منشآت الرصد الزلزالي بمنطقة فوردو، تم قياس هزة أرضية بقوة زلزال بلغت 4.3 درجة. لم تقتصر الأضرار على أجهزة الطرد المركزي سريعة الدوران فحسب، بل امتدت لتشمل القواعد المستوية التي تقوم عليها. لذلك، خلصت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية إلى أن منشأة فوردو قد أُخرجت من الخدمة، رغم أنها لم تُدمر.
ثم انطلقت القاذفات مباشرة من قاعدة في ولاية ميسوري الأمريكية وعادت إليها، بإجمالي أكثر من 30 ساعة طيران. إضافة إلى ذلك، نُفذت عملية تمويهية بواسطة سبع قاذفات B-2 حديثة أخرى، حلقت فوق جزيرة غوام في المحيط الهادئ لإيهام الإيرانيين بأن الهجوم سينطلق منها.
لكن لا يقل أهمية عن ذلك أن الأمريكيين، استنفدوا في سبيل ذلك مخزونهم من القنابل الخارقة للدروع – 14 قنبلة من أصل 20 تقريبًا. ويتضح من هذا أن قصف جبل الفأس سيكون عملية معقدة بنفس القدر، بل ربما أكثر تعقيدًا: ففي الفترة التي سبقت عملية “مطرقة منتصف الليل”، مهد سلاح الجو الإسرائيلي الطريق أمام القاذفات الأمريكية، مدمرًا أنظمة الدفاع الجوي في طريقها إلى فوردو ونطنز وأصفهان. ومع ذلك، أرسل الأمريكيون أسطولًا من 125 طائرة مرافقة – بما في ذلك مقاتلات الشبح إف-22، وطائرات التشويش الإلكتروني، وغيرها التي وفرت غطاءً لقاذفات الشبح بي-2.
سيتم استخدام هذه الطائرات كلها، بما في ذلك المساعدة الإسرائيلية، في قصف جبل الفأس. لذلك، في الوقت الراهن، يُعدّ التوازن بين التكلفة والعائد الاعتبار الرئيسي لإسرائيل والولايات المتحدة.
لم يعد السر سراً
وبحسب ما نُشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، لا تُجرى حالياً أي أنشطة نووية فعلية في جبل الفأس. يُستخدم الموقع فقط لتخزين أجهزة الطرد المركزي ومعدات أخرى غير مُثبّتة، ولا تُعالج بطريقة تسمح باستخدامها في المستقبل القريب. لذا، إذا أردنا إعادة إحداث الضرر الذي لحق بمنشأة فوردو العام الماضي، فهناك أربعة شروط أساسية يجب توافرها: 1. معلومات استخباراتية تفيد بنقل يورانيوم مُخصّب بنسبة 60 في المئة إلى الموقع، وأن الإيرانيين قاموا بتركيب وتشغيل أجهزة الطرد المركزي والمعدات الأخرى، ولو تجريبياً. 2. يجب توفر معلومات استخباراتية كافية حول موقع قاعات إنتاج وتشغيل أجهزة الطرد المركزي، بحيث يُمكن استهدافها بدقة. 3. أن تُجدد الصناعة الأمريكية مخزوناً كافياً من قنابل GBU-57 شديدة الاختراق. 4. أن يُكمل سلاح الجو الأمريكي الخطط والتحضيرات اللوجستية وغيرها من الاستعدادات اللازمة لهذه العملية، التي لا تقل تعقيداً عن مطرقة منتصف الليل إياها. يستغرق الأمر وقتًا وجهدًا كبيرين.
من المرجح أن جمع المعلومات الاستخباراتية حول هذا المرفق ليس بالأمر الهين. لتحقيق نتيجة ملموسة، يجب معرفة مواقع أجهزة الطرد المركزي بدقة متناهية، وحساب مواقع سقوط القنابل تباعًا بدقة تصل إلى متر أو مترين، وربما أقل، بحيث تخترق صخور الجرانيت وتُلحق أضرارًا جسيمة بقاعات الإنتاج وأجهزة الطرد المركزي، لا أن تُحدث اهتزاز في الجبل فحسب.
بعبارة أخرى، هذه عملية تُنفذ لمرة واحدة في توقيت دقيق: من جهة، قبل لحظات من إنتاج الإيرانيين للمواد الانشطارية هناك، ومن جهة أخرى، ليس مبكرًا جدًا بحيث لا يُؤدي ذلك إلى أي تأخير حقيقي في البرنامج النووي الإيراني.
لقد فضل مسؤولو الاستخبارات والجيش في إسرائيل والولايات المتحدة إبقاء هذه البيانات سرية. لكن قبل أيام، كشف الرئيس ترامب، في مقابلة مع بودكاست شهير، ردًا على سؤال وُجه إليه، أن الولايات المتحدة كانت تُخطط بالفعل لمهاجمة جبل الفأس. ثم خرج الفأس من الحقيبة ولم يعد السر سراً.
لا توجد أي معلومات حاليًا تفيد بأن الإيرانيين شغلوا أجهزة الطرد المركزي المخزنة في أنفاق جبل الفأس، لكن صور الأقمار الصناعية تُظهر أنهم يُجرون أعمالًا حول فتحاتها، وفي أماكن أخرى، لتحصينها وتقويتها بطريقة تسمح بالوصول إليها والدخول إليها حتى في حال قصفها. وفي الوقت نفسه، ستكون هذه المواقع عصية على الوصول للقوات البرية، إذا قررت الولايات المتحدة شن عملية برية لتدمير محتويات جبل الفأس، وربما لاستخراج اليورانيوم المخصب الذي قد يكون مخزنًا هناك.
Ynet/ يديعوت أحرونوت 22/7/2026
