في الوقت الذي وقّع فيه لبنان وإسرائيل اتفاق الإطار الذي يفترض أن يقود إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي بعد نزع سلاح «حزب الله»، تكشف الوقائع الميدانية في الجنوب مساراً مختلفاً تماماً، إذ يرسّخ الجيش الإسرائيلي وجوده داخل الأراضي اللبنانية ويبني مواقع عسكرية يقول قادته إنها قد تبقى لأشهر أو حتى سنوات.
وبحسب تقرير أعدّه الصحافي داني كوشمارو لبرنامج «أولبان شيشي» في القناة 12 الإسرائيلية، أمضى فريق البرنامج ليلة داخل ما وصفه بـ«الحزام الأمني الجديد» في جنوب لبنان، في ذروة التوتر مع إيران واحتمال انهيار وقف إطلاق النار الهش.
ومع دخول الفريق إلى قطاع مارون الراس، قال الرائد «أ»، قائد سرية في لواء النيران، إن موقعاً جديداً بُني فوق بنت جبيل، وإن اشتباكاً وقع في المنطقة قبل يومين.
وأضاف: «هناك عدو. المنطقة جرى تطهيرها، لكن لا يمكن القول بنسبة 100%، ففي النهاية توجد خلايا تحت الأرض علقت هنا. وهناك أيضاً احتمال الطائرات المسيّرة. نحن من حيث المبدأ في وقف لإطلاق النار، لكن لا أحد يعرف».
وأشار التقرير إلى أن القوات الموجودة في الموقع تمضي منذ شهرين داخل لبنان، فيما قالت الرقيبة «م» إن البطارية يمكن أن تطلق 100 قذيفة خلال ليلة واحدة لدعم القوات المناورة.
أما قائد لواء النيران في سلاح المدفعية، العقيد دانيال كرويزمان، فقال إن الجيش الإسرائيلي يفرض «سيطرة عملياتية مطلقة» في المناطق التي ينتشر فيها.
وأضاف: «نحن نصعد الآن إلى مارون الراس، وهي منطقة مرتفعة كانت قبل 7 تشرين الأول تشرف على كل ما يجري في سهل أفيفيم. في هذا المجال الأمني نبني خط مواقع سيبقى لسنوات مقبلة، بقدر ما نحتاج».
ومن نقطة المراقبة، أشار كرويزمان إلى بنت جبيل، قائلاً إن قصبتها «مدمرة بالكامل»، ومدعياً أنها كانت تشكل بنية عسكرية كبيرة.
كما ادعى جنود إسرائيليون أنهم عثروا داخل عدد من المنازل على أسلحة وفتحات تؤدي إلى أنفاق، فيما قال كرويزمان: «تدخل فيلا ضخمة تطل على وادٍ مذهل، وبعد دقيقة ونصف تعثر على فتحة تحت الأرض أو سلاح».
وأضاف: «لهذا السبب نحن موجودون في أبعد نقطة ممكنة إلى الأمام، حتى لا يستطيع العدو تهديد سكان الشمال للمرة الثانية».
وكشف قائد اللواء عن وجود بطاريتين تضمان 12 مدفعاً داخل العمق اللبناني، مشيراً إلى استخدام شباك لحماية المواقع من الطائرات المسيّرة.
وقال: «التكنولوجيا المنخفضة تهزم التكنولوجيا العالية. المسيّرة لا تستطيع اختراق هذه الشباك».
من جهتها، قالت قائدة الكتيبة، المقدم «ح»، إن القوات منتشرة «في عمق لبنان» لتقديم الدعم للقوات المناورة، مضيفة أنها كانت تطلق، قبل وقف إطلاق النار، آلاف القذائف كل ليلة.
وتناول التقرير حادثة وقعت خلال زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس للموقع قبل شهر، إذ لم تُدعَ المجندات إلى اللقاء، بل طُلب منهن البقاء داخل غرفهن كي لا يكنّ في المكان نفسه مع جنود حريديم أُحضروا من موقع آخر.
وتوقف التقرير عند حادث وقع في آذار 2026، عندما سقطت نيران مدفعية إسرائيلية كانت موجهة نحو لبنان، بالخطأ، في مستوطنة مسكاف عام، ما أدى إلى مقتل عوفر موسكوفيتش.
وقال كرويزمان: «نحن الذين رفعنا شعار حماية السكان، وفي النهاية أصبنا سكاننا. المسؤولية تقع علينا، وعلينا منع تكرار ذلك».
وفي ظل احتمال استئناف القتال مع إيران، أوضح أن للقوات مهمتين: الاستعداد لدعم القوات إذا تعرضت لاشتباك، وجمع أكبر عدد ممكن من الأهداف.
وقال: «في اللحظة التي يخطئ فيها أحد في الطرف الآخر، سنضربه بقوة كبيرة جداً. كل يوم نضيف مزيداً من الأهداف ونراقب أين يستعد العدو».
وأشار التقرير إلى بدء ما يسمى «المشروع التجريبي»، الذي دخل الجيش اللبناني بموجبه إلى عدد من المناطق التي عمل فيها الجيش الإسرائيلي، بالتزامن مع لقاء الرئيس جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إلا أن الانطباع السائد داخل المواقع الإسرائيلية، وفق التقرير، هو أن هذه التطورات لن تقود إلى انسحاب كامل نحو الحدود، على الرغم من اتفاق الإطار الذي يربط الانسحاب بنزع سلاح «حزب الله».
وعندما سُئل كرويزمان عن مدة بقاء القوات داخل لبنان، أجاب: «سنبقى هنا بقدر ما يلزم، أشهراً أو سنوات. إذا لزم الأمر، سنوات».
وحول توصيف المنطقة بأنها «حزام أمني»، قال: «إنه مجال أمني نحن موجودون فيه وسنبقى بقدر ما يلزم، ونحن ننقل إليه مزيداً من القدرات».
وختم بالقول: «أعتقد أن لبنان سيبقى يرافقنا دائماً بشكل أو بآخر، وأحياناً سيكون ذلك بوتيرة منخفضة».
وهكذا، يبدو أن إسرائيل وقّعت اتفاقاً يفترض أن ينتهي بالانسحاب، فيما يبني جيشها على الأرض مواقع وخططاً لوجود طويل الأمد، بما يطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان نزع سلاح «حزب الله» سيقود فعلاً إلى الانسحاب، أم سيتحول إلى شرط يُنفذ من جانب واحد فيما يبقى الاحتلال تحت اسم «المجال الأمني».
