تدخل المنطقة مرحلة جديدة من التعقيد مع استمرار التصعيد العسكري وتعدد جبهات المواجهة، في ظل عجز الأطراف المعنية عن الوصول إلى تسوية تنهي حالة الاشتباك المفتوح،فالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال ترخي بظلالها على الخليج والممرات البحرية، رغم وقف الضربات التي أعلن عنها الرئيس الاميركي دونالد ترامب، وتتقاطع تداعياتها مع الساحات الأخرى في اليمن ولبنان، ما يجعل المشهد الإقليمي مفتوحًا على احتمالات متعددة بين احتواء التصعيد أو انزلاقه نحو مواجهة أوسع.
وفي هذا السياق، يقرأ الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم المشهد الإقليمي، متوقفًا عند فرص خروج الولايات المتحدة من المواجهة مع إيران، وحسابات الأطراف المتصارعة، إضافة إلى انعكاسات التطورات العسكرية على الجبهة اللبنانية والداخل الإسرائيلي.
ويرى بيرم في حديث الى "ليبانون ديبايت" أن المشهد الإقليمي لا يزال مفتوحًا على احتمالات صعبة، في ظل استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وعدم قدرة أي طرف حتى الآن على تقديم تنازلات تسمح بالخروج من دائرة التصعيد.
ويشير بيرم إلى أن إيران، بعد الضربات التي تعرضت لها، لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات أو إظهار مرونة في المفاوضات، في حين تبحث الولايات المتحدة عن مخرج يتيح لها إنهاء الحرب بصورة تحفظ لها صورة الانتصار أو تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية، سواء عبر ملفات مرتبطة بالمنطقة أو بمضيق هرمز، وبشروط تكون مقبولة بالنسبة إليها.
ويعتبر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يكون مهتمًا بتحقيق إنجاز قبل الانتخابات الأميركية المقبلة، لافتًا إلى أن أي ضربة عسكرية جديدة غير مضمونة النتائج قد تحمل مخاطر، ولذلك يسعى إلى انتزاع مكسب سياسي أو اتفاق يقدمه كإنجاز، خصوصًا بعد تعثر المسار السابق المتعلق بالتفاهمات مع إيران.
ويضيف بيرم أن ترامب حاول سابقًا الذهاب في اتجاه اتفاق أو تفاهم، إلا أن إيران لم تقدم ما كانت الإدارة الأميركية تتوقعه، ما دفع الأمور إلى مزيد من التعقيد، معتبرًا أن واشنطن تحاول اليوم دفع طهران إلى تقديم تنازلات، لكن الظروف الحالية تجعل الوصول إلى تسوية أمرًا بالغ الصعوبة.
ويوضح أن هذا سيناريو استمرار المواجهة الحالية على شكل ضربات محدودة ومتبادلة، قد يستمر لفترة طويلة، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، لأن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى توسع الحرب وفتح جبهات إضافية، خصوصًا مع دخول الحوثيين على خط المواجهة وتزايد التوتر في منطقة الخليج.
ويرى أن الجبهة اليمنية تشكل عاملًا إضافيًا من عوامل عدم الاستقرار، مشيرًا إلى أن أي تصعيد بين السعودية والحوثيين قد يرفع مستوى التوتر في المنطقة، رغم وجود محاولات لضبط الوضع ومنع انزلاقه إلى مواجهة واسعة.
ويؤكد بيرم أن المنطقة بأكملها باتت أمام وضع شديد الحساسية، مشبهًا إياها بـ"برميل بارود"، لكنه يشدد على أن انفجارًا واسعًا ليس قدرًا محتومًا، إذ يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف على إنتاج حل سياسي يتطلب جهودًا كبيرة ومستوى من النضج، خصوصًا أن الحرب الحالية ليست مواجهة عابرة، بل امتداد لسلسلة صراعات بدأت منذ سنوات وتفاعلت بطوفان الاقصى عام 2023 لتنتقل تداعياتها إلى لبنان واليمن وسائر ساحات المنطقة.
وفي ما يتعلق بالانتخابات الإسرائيلية وتأثيرها على المسار العسكري، يستبعد بيرم أن تكون عاملًا حاسمًا في تغيير جوهر المواجهة، لكنه يلفت إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يوظف الملف الأمني والعسكري في حساباته السياسية الداخلية.
ويشرح أن الجبهة اللبنانية تشكل بالنسبة لنتنياهو ورقة انتخابية، باعتبار أن أحد أبرز شعاراته كان إبعاد الخطر عن مستوطنات الشمال والجليل. إلا أن استمرار التوتر يضعه أمام انتقادات من خصومه السياسيين الذين يعتبرون أن الإنجازات العسكرية لم تُنهِ التهديد بشكل كامل، وأن سكان الشمال لم يعودوا إلى حالة الاستقرار التي وُعدوا بها.
ويشرح أن نتنياهو لطالما قدّم إبعاد الخطر عن مستوطنات الشمال والجليل كأحد أبرز أهدافه العسكرية، إلا أن خصومه السياسيين يوجّهون إليه انتقادات مفادها أنه، رغم العمليات العسكرية الواسعة التي نفذها والحديث عن إنجازات ميدانية، لم يتمكن حتى الآن من إنهاء التهديد الذي يطاول المستوطنات الشمالية أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل التصعيد.
ويعتبر بيرم أن أي تطور ميداني مفاجئ، ولا سيما إذا تمكن حزب الله من تنفيذ عملية نوعية أو توجيه ضربة مؤثرة داخل إسرائيل، قد يعيد خلط الأوراق ويؤثر على صورة نتنياهو الأمنية أمام الرأي العام الإسرائيلي، لأن ذلك قد يُستخدم من قبل معارضيه للقول إن كل العمليات العسكرية لم تحقق الهدف الأساسي المعلن.
ويلفت إلى أن التوغل الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، حتى لمسافات تتراوح بين 13 و14 كيلومترًا في بعض المناطق، لا يعني بالضرورة أن الخطر عن مستوطنات الجليل قد انتهى أو أن المعادلة الأمنية حُسمت، وهو ما قد يشكل نقطة ضغط إضافية على نتنياهو في الداخل الإسرائيلي.
ويرى بيرم أن مصلحة نتنياهو في هذه المرحلة قد تكون مرتبطة أيضًا بالحفاظ على مستوى من الاستقرار، لأن أي تصعيد كبير قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا إذا أعاد فتح الجبهة الشمالية على نطاق واسع، ويحذر من أن أي ضربة نوعية من حزب الله قد تغير المعادلات السياسية والعسكرية داخل إسرائيل، لكنها في المقابل قد تستدعي ردًا إسرائيليًا واسعًا تكون له تداعيات كبيرة على لبنان والمنطقة.
