بعد أكثر من 4 سنوات من هدنة هشة جنّبت اليمن حربًا مفتوحة، عاد التوتر بين السعودية والحوثيين إلى الواجهة بوتيرة متسارعة، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة قد تعيد إشعال الحرب اليمنية. وبينما تحاول الرياض تجنب الانخراط في صراع جديد، يرى الحوثيون أن اللحظة الحالية تمثل فرصة لفرض تنازلات سياسية وانتزاع مكاسب استراتيجية داخل اليمن.
وبحسب تقرير للصحافيين فيفيان نيريم وشعيب الموساوا في صحيفة "نيويورك تايمز"، استغل الحوثيون، المدعومون من إيران، لحظة ضعف حساسة بالنسبة إلى السعودية، التي لا ترغب في العودة إلى الحرب، لمحاولة إجبارها على تقديم تنازلات سياسية في اليمن.
ويشير التقرير إلى أنه طوال أكثر من 4 سنوات سادت هدنة هشة في اليمن بين التحالف العسكري بقيادة السعودية وجماعة الحوثيين، بعدما دفعت الحرب البلاد إلى حافة المجاعة. لكن محادثات السلام تعثرت، فيما تزايد إحباط الحوثيين، في وقت كان المسؤولون السعوديون، المنشغلون بأزمات أخرى، يأملون في استمرار حالة الجمود وتجنب العودة إلى القتال.
إلا أن الحرب الأميركية ضد إيران غيّرت المشهد، إذ يؤكد التقرير أن الأسابيع الأخيرة شهدت انزلاقًا سريعًا بين الحوثيين والسعودية نحو مواجهة قد تتوسع إلى حرب شاملة.
ورغم أن المسؤولين السعوديين لا يبدون رغبة في خوض مواجهة جديدة، فإن تجربتهم السابقة مع الحوثيين تحولت إلى حرب استنزفت المملكة على مدى عقد كامل، وأرهقت ماليتها، وأضرت بسمعتها، وأسهمت في مقتل مئات آلاف اليمنيين نتيجة العنف والجوع والمرض.
في المقابل، يبدو الحوثيون، وفق مسؤولين ودبلوماسيين تعاملوا معهم، مقتنعين بأن لديهم القليل ليخسروه والكثير ليكسبوه من التصعيد، وفي مقدم ذلك الحصول على حصة من عائدات النفط اليمني وتعزيز نفوذهم السياسي داخل البلاد.
ويقول باحثون متخصصون في شؤون الجماعة إن الحوثيين يتحركون دعمًا لحليفهم الرئيسي إيران، لكنهم يسعون أيضًا إلى إجبار السعودية والمجتمع الدولي على تقديم تنازلات سياسية في الملف اليمني.
وينقل التقرير عن الباحث في "تشاتام هاوس" فارع المسلمي قوله: "لدى الحوثيين حل واحد لكل مشكلة في العالم، وهو الذهاب إلى الحرب"، مضيفًا: "السعوديون يحاولون حل كل مشكلة بإغراقها بالأموال، أما الحوثيون فيحلونها بإطلاق النار".
وخلال الأسبوع الماضي، أطلق الحوثيون صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه السعودية واستهدفوا سفنًا في البحر الأحمر، ما أدى إلى اضطراب في أسواق الطاقة العالمية، فيما نفذ التحالف العسكري بقيادة السعودية غارات جوية على مناطق يسيطر عليها الحوثيون للمرة الأولى منذ سنوات.
وحذرت إبريل آلي، التي عملت سابقًا على عملية السلام في اليمن لدى الأمم المتحدة وتشغل حاليًا منصب باحثة أولى في معهد واشنطن، من وجود "قلق حقيقي من احتمال اشتعال الحرب اليمنية الداخلية مجددًا".
ويستند التقرير إلى مقابلات مع مسؤولين يمنيين، ودبلوماسيين غربيين حاليين وسابقين شاركوا في جهود السلام، إضافة إلى محللين إقليميين، فضّل معظمهم عدم كشف هوياتهم بسبب حساسية المفاوضات السياسية.
ويجد عشرات ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين وسط الصراع بين السعودية والحوثيين، في ظل أوضاع إنسانية صعبة، حتى إن بعضهم بات يرى أن العودة إلى الحرب قد تكون أفضل من استمرار الواقع الحالي.
ويقول أيمن عبدالحق، وهو سائق أجرة يبلغ 43 عامًا ويعيش في صنعاء: "لقد سئمنا هذه المعاناة، وكنا بحاجة إلى مخرج، سواء عبر الحوار أو الحرب"، مضيفًا: "الناس يبحثون دائمًا عن انفراج مهما كانت العواقب".
ويستعرض التقرير تطور الحوثيين من جماعة متمردة في شمال اليمن إلى قوة سيطرت على صنعاء عام 2014 بدعم إيراني، بعدما أطاحت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
ودفع هذا التطور السعودية إلى قيادة تحالف عسكري لدعم القوات المناهضة للحوثيين، إلا أن الحرب طال أمدها، قبل أن تتراجع الرياض تحت ضغط دولي بسبب الأزمة الإنسانية التي رافقتها.
ومع إعلان الهدنة عام 2022، رسخ الحوثيون سيطرتهم الفعلية على شمال اليمن، فيما بقي الجنوب اسميًا تحت إدارة الحكومة المعترف بها دوليًا، التي تعتمد ماليًا وعسكريًا على السعودية، مع استمرار الرياض في الاحتفاظ بدور حاسم في عدد من الملفات اليمنية.
وفي أواخر عام 2023، وبوساطة الأمم المتحدة، اقتربت السعودية والحوثيون من توقيع اتفاق سلام أولي أطلق عليه اسم "خريطة الطريق"، كان من المفترض أن يرسم إطارًا لحل سياسي طويل الأمد.
وكان أحد أبرز بنود الاتفاق يقضي باستئناف دفع رواتب موظفي الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين، بعدما توقفت خلال الحرب، بكلفة سنوية تراوح بين 1 و2 مليار دولار، تمول أساسًا من عائدات النفط اليمني الموجودة خارج مناطق سيطرة الحوثيين، الذين كانوا يسعون للوصول إليها.
لكن هجوم "حماس" على إسرائيل في تشرين الأول 2023، وما أعقبه من القصف الإسرائيلي المكثف على غزة، أدى إلى تعطيل مسار السلام.
وأعلن الحوثيون حينها إطلاق حملة عسكرية دعمًا للفلسطينيين في غزة، شملت إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل واستهداف السفن في البحر الأحمر.
واعتبر مسؤول يمني ودبلوماسيان أن هذه الهجمات شكلت خرقًا للهدنة التي كانت شرطًا أساسيًا لعملية السلام، فيما تمسك الحوثيون بأن وقف إطلاق النار مع السعودية بقي قائمًا، وطالبوا باستكمال المفاوضات.
وخلال الحرب في غزة، تجنب الحوثيون استهداف السعودية مباشرة، إلا أن عملياتهم في البحر الأحمر دفعت الولايات المتحدة إلى تصنيفهم منظمة إرهابية أجنبية مع بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب عام 2025، وإطلاق حملة عسكرية ضدهم.
ويرى فارع المسلمي أن هذا التصنيف فاقم الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين، وأثار قلقهم من تنامي حالة الاستياء الشعبي.
وفي مقابلة مع "نيويورك تايمز"، اتهم القيادي الحوثي محمد البخيتي السعودية بعدم تنفيذ أي بند من "خريطة الطريق"، وفي مقدمها دفع رواتب جميع موظفي الدولة.
كما حمّل الرياض مسؤولية التصعيد الحالي، متهمًا إياها بفرض قيود على الطيران والملاحة البحرية إلى اليمن، وهي إجراءات يصفها الحوثيون وكثير من سكان مناطقهم بأنها حصار.
في المقابل، أكد السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن المملكة حريصة على خفض التصعيد وتدعم التوصل إلى سلام شامل، محملًا الحوثيين مسؤولية الإصرار على "التصعيد والعنف"، ومتهمًا إياهم بخدمة أجندات خارجية لا تصب في مصلحة الشعب اليمني.
ويشير التقرير إلى أنه مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في شباط الماضي، بدا الحوثيون مستعدين للبقاء خارج المواجهة، لكن انهيار وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران غيّر حساباتهم، إذ يرى محللون أن ضغوطًا إيرانية دفعتهم إلى الانخراط بصورة أكبر، بما يخدم مصالح طهران ويتقاطع في الوقت نفسه مع سعيهم إلى فرض واقع سياسي جديد داخل اليمن.
وبعد الخلاف حول هبوط طائرة إيرانية في صنعاء، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السعودية. ونظرًا إلى الموقع الاستراتيجي لليمن على البحر الأحمر، يمتلك الحوثيون قدرة كبيرة على تعطيل أسواق الطاقة، فيما اضطرت السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، إلى تحويل جزء من صادراتها عبر البحر الأحمر بسبب الحرب.
وتختتم إبريل آلي بالقول: "الحوثيون يجيدون شم رائحة الدم في الماء"، معتبرة أن هدفهم يتمثل في ترسيخ سيطرتهم داخل اليمن، والحصول على مزيد من الموارد، وتأمين وصول غير مقيد إلى العالم الخارجي.
ويخلص التقرير إلى أن مسار التصعيد خلال المرحلة المقبلة سيعتمد إلى حد كبير على موقف إدارة ترامب، التي لم تعلق على استفسارات الصحيفة، بعدما كان الرئيس الأميركي قد توعد في 23 تموز الحوثيين بـ"عقاب عسكري كبير" إذا استمرت هجماتهم على ناقلتي نفط سعوديتين، رغم أنه قال أيضًا إن الجماعة كانت "حتى الآن تتصرف باحترافية وذكاء". وفي ظل هذا المشهد، تبدو الهدنة التي صمدت سنوات أقرب من أي وقت مضى إلى الانهيار، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على اليمن والمنطقة بأسرها.
