مع غياب الشمس خلف أفق مخيمات النزوح في قطاع غزة، لا يبحث النازحون عن الراحة، بل يبدأون فصلاً جديداً من العذاب. في تلك اللحظة، يبدأ الهرش الجماعي؛ نوبات من الألم يشترك فيها الكبار والصغار، إذ تحترق أجسادهم تحت وطأة أوبئة جلدية لم يألفوها من قبل. هنا، داخل أحد المخيمات التي تفتقر إلى الهواء في مدينة غزة، لا يواجه الفلسطيني خطر القذائف فحسب، بل يواجه أفاعي تترصد أطفاله، وأمراضاً تنهش جلودهم، في واقع مرير تحوّل فيه الملجأ إلى ساونا بشرية تشتعل ببطء.
في هذه البقعة المنسية من الأرض، لم تعد الطبيعة ملاذاً، بل تحولت البيئة إلى عدو شرس يطارد أجساداً أنهكتها الحرب؛ إنها معركة الأمن الحيوي المفقود، إذ إن النجاة من شظايا الصواريخ لا تعني سوى الدخول في مواجهة مفتوحة مع قوارض وكائنات مجهرية وزواحف قاتلة تنشط تحت جنح الظلام.
غرف تعذيب بلاستيكية
تحت وطأة شمس لا ترحم، وفي قلب مخيمات النزوح المتهالكة التي افترشت الأرض القاحلة المغبرة، تلوح خيام النازحين المصنوعة من النايلون والبلاستيك كصدمة بصرية أولى. هذه الهياكل المؤقتة، التي لجأ إليها الناس هرباً من الموت، تحولت في فصل الصيف إلى ما يشبه حمّام الساونا. تمتص الأغطية البلاستيكية أشعة الشمس الحارقة وتحبسها في الداخل، ما يرفع درجات الحرارة إلى مستويات غير بشرية تمنع الهواء من الدوران.
داخل هذه الخيام، يتصبب العرق غزيراً من أجساد النازحين، ليتحول إلى وقود يغذي الالتهابات الجلدية. الرطوبة المرتفعة والحرارة الشديدة تمنعان الجروح والتقرحات من الالتئام، بل تجعلان من كل مسام في الجلد بؤرة لتهيج لا يُطاق.
نوبات الهرش الجماعي وسط حصار الدواء
يقول أسامة ثريا، وهو نازح يعاني من مرض السكري وضغط الدم: “نحن نعيش في خيام تفتقر إلى التهوية تماماً. مع تصبب العرق، تزداد الرغبة في الهرش بشكل جنوني، لدرجة أنني أبقى مستيقظاً حتى منتصف الليل، فقط أحاول الحصول على نسمة هواء والناس نيام، بينما يضطر ابني إلى النوم خارج الخيمة هرباً من هذا الجحيم الحراري”.
أوبئة غامضة وعجز طبي
تزداد المأساة عمقاً خلف جدران الخيام؛ فبشرة الأطفال الغضة، التي خُلقت لتكون ناعمة، أضحت اليوم خريطة من الندوب والالتهابات والبثور الصديدية التي تفتك بأيديهم وأقدامهم. تغوص أقدام الصغار الحافية في تربة ملوثة تملؤها الجراثيم ومياه الصرف الصحي، ما أدى إلى ظهور أمراض جلدية مجهولة لا تستجيب للأدوية التقليدية المتاحة في الصيدليات الشحيحة.
تتحدث أم خليل عوض، بنبرة يملؤها العجز، عن هذه الأوبئة: “هذه الحبوب الجلدية تظهر لأول مرة بهذا الشكل الغريب. جربنا جميع أنواع الأدوية والمضادات والمراهم، لكن من دون فائدة. ترتفع حرارة الأطفال من شدة الالتهابات، ويقضون ليلهم في الهرش والحكة، ولا ينامون بسلام”. وتشير هذه الظاهرة المستعصية إلى تدهور خطير في البيئة الصحية، وتلوث كامل لعناصر التربة والمياه في القطاع.
الطفلة جميلة عوض، التي تتوارى ملامح براءتها خلف نظرات الانكسار، تصف تجربتها مع هذه الأوبئة قائلة لـ”القدس العربي”: “تظهر على أجسادنا حبوب وبثور غريبة لا نعرف ماهيتها. عندما نذهب إلى الصيدلية يعطوننا مراهم، لكن عندما نضعها على جلودنا نشعر بحرقة شديدة كأنها النار. كلما سألت والدي يقول لي إنها مجرد حساسية، لكننا نتألم كثيراً”.
وحوش الليل الصغيرة
في غابة النزوح هذه، لا يقتصر الرعب على ما لا يُرى بالعين المجردة؛ فالليل يحمل معه تهديدات متحركة تقتحم خصوصية الخيام ومساحات النوم الضيقة. الحشرات والقوارض، كالصراصير والجرذان والعرس، أصبحت شريكة في الفراش، مدفوعة بانتشار مكبات النفايات العشوائية الملاصقة للمخيم، الذي يضم نحو 850 خيمة متلاصقة.
“قبل ثمانية أو تسعة أيام، تمكن ابني من قتل أفعى بلغ طولها متراً وأربعين سنتيمتراً”، يستذكر أسامة ثريا، خلال حديثه لـ”القدس العربي”، تلك اللحظة المرعبة ويداه ترتجفان، ويضيف: “لم أستطع مواجهتها بنفسي، لكوني رجلاً مريضاً، فقام ابني بهذه المهمة. إنها المرة الأولى التي نرى فيها أفعى بهذا الحجم وهذا السواد القاتم، ولا ندري إن كانت من الزواحف البرية، أم إنها خرجت من المناطق المهجورة بسبب الركام ومكبات النفايات المجاورة لنا”.
هذا التعايش القسري مع الوحوش الصغيرة بات كابوساً يؤرق الأطفال. تروي الطفلة جميلة بفزع: “ذات ليلة، وأنا نائمة، شعرت بجرذ أو عرسة تمشي فوق جسدي، وهذا يتكرر كل ليلة”. ولا يقتصر الأمر على الزواحف والقوارض؛ إذ تنقل أم أسامة مشهداً آخر من الرعب الليلي قائلة: “ذات ليلة، فزعت من نومي عندما رأيت كلباً ضالاً يخرج من بيننا داخل الخيمة، وبعدها رأيت عرسة. المكان محاط بالنفايات، ومهما حاولنا التنظيف، فإن الحشرات والقوارض لا تفارقنا”.
أدوات العجز البشري
أمام هذا السيل من الآلام، وغياب مضادات الحكة ومسكنات الألم، ابتكر النازحون أدوات بدائية وبائسة لمواجهة عجزهم. تحولت الملاعق المعدنية وأمشاط الشعر البلاستيكية من أدوات للاستخدام اليومي المعتاد إلى رموز مأساوية لرحلة البحث عن الطمأنينة الجسدية المفقودة؛ إذ يستخدمها النازحون لهرش جلودهم المحترقة، في محاولة للسيطرة على الألم، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إدماء البشرة وتفاقم الالتهابات.
يقول أسامة، واصفاً هذا المشهد السريالي: “مع حلول المغرب، يبدأ الجميع بالهرش الشديد داخل خيامهم، فنحك أقدامنا ورقابنا وصدورنا وكل مكان في أجسادنا، حتى تنجرح جلودنا. ذهبنا إلى الصيدلية، ووصفوا لنا علاجاً للجرب، استعملناه ثلاثة أيام، لكن بلا جدوى. لقد وصل بنا الحال إلى درجة أنني أستخدم الملعقة أو المشط المخصص لتسريح الشعر، لأحك به جسدي من شدة الألم وعدم الشفاء”.
أحلام بطعم المستحيل
في بيئة سُحقت فيها كل مقومات الحياة، تبدلت مفاهيم المطالب الإنسانية؛ إذ لم يعد النازحون يتطلعون إلى رفاهية، بل أصبحت أبسط الحقوق البدائية والمسلوبة بمنزلة أحلام بعيدة المنال، يصعب تحقيقها وسط حصار خانق يمنع دخول أبسط المستلزمات الطبية والبيئية.
مادة الكلور، التي تستخدم في الظروف العادية للتنظيف البسيط، أصبحت اليوم أمنية غالية لربات البيوت في المخيم. تطلق أم خليل صرختها قائلة لنا: “أنا أطالب بتوفير أدوية أفضل ومعقمات، فنحن في أمسّ الحاجة إلى مادة الكلور، لنعقم بها الفراش والأغطية والأرضية من هذه الحشرات المتفشية”.
أما أسامة ثريا، فيلخص هذه المطالب المتواضعة، التي تعكس عمق المأساة الإنسانية، بوصفها سقف الطموح الحالي: “نحن لا نطالب بملايين الدولارات، بل نطالب بأبسط مقومات الحياة؛ نريد كشافاً للإنارة، وبطارية ومروحة لكل خيمة، لتخفيف الحرارة عن النساء وكبار السن والمرضى. نحن نناشد المجتمع الدولي أن ينظر إلى حالنا؛ فالمعيشة هنا سيئة جداً، والوضع يفوق الاحتمال، ونناشد كل إنسان شريف أن يخلصنا من هذه المعاناة”.
