بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

الباحث اللبناني في الشؤون الأمنية والسياسية العميد الركن خالد حمادة: «اتفاق الإطار» قد يكون فرصة لبنان الأخيرة قبل استنساخ نموذج «مجلس السلام» في غزة

الباحث اللبناني في الشؤون الأمنية والسياسية العميد الركن خالد حمادة: «اتفاق الإطار» قد يكون فرصة لبنان الأخيرة قبل استنساخ نموذج «مجلس السلام» في غزة

يرى الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية العميد الركن خالد حمادة أن الولايات المتحدة تريد اليوم التفاوض مع الدولة اللبنانية حصراً، لا مع إيران ولا مع «حزب الله»، وأن إعادة تعويم دور الدولة هي جزء أساسي من التسوية التي يجري العمل عليها في المنطقة، واضعاً «اتفاق الإطار» اللبناني – الإسرائيلي في صلب التحوُّل الجاري، معتبراً أن رفض «حزب الله» له يرتبط بإدراكه أن الاتفاق، من خلال المناطق التجريبية وآليات التحقق، يُشكِّل بداية لمسار تجريده من سلاحه.

لكن حمادة، الأستاذ المحاضر في الجامعة اليسوعية، يرى أن المشكلة لا تقتصر على موقف «حزب الله»، بل تكمن أيضاً في موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري لأن يكون التفاوض اللبناني جزءاً من التفاوض الأمريكي-الإيراني، كما في اصطفاف رئيس الجمهورية خلف بري. ويقول إن عون انتقل، بعد لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، إلى موقف مختلف في عشاء السفارة اللبنانية في واشنطن، حين ربط تسليم «حزب الله» سلاحه بانسحاب إسرائيل، وهو ما يتعارض مع منطق «اتفاق الإطار» القائم على مسار مرحلي يبدأ بانسحاب إسرائيلي تتبعه عملية انتشار للجيش وإزالة البنية العسكرية لـ«الحزب». ويعتبر أن هذا التناقض أدى إلى تعطيل مفاوضات روما وإلى دخول لبنان في حالة من الفراغ التفاوضي.

ويؤكد أن العقدة الحقيقية في مفاوضات روما ليست الحدود ولا الجهة التي ستتولى التحقّق، بل في كيفية تنفيذ «اتفاق الإطار» والتعامل مع سلاح «حزب الله» وبنيته العسكرية. كما أن مشكلة السلاح تتجاوز الجنوب، لأن «الحزب»، بحسب قراءته، استخدم قوته العسكرية منذ عام 2006 للتأثير في تشكيل الحكومات وانتخاب الرؤساء وصياغة القوانين وتوزيع النفوذ السياسي والاقتصادي، ولذلك فإن نزع السلاح يعني عملياً إعادة صياغة معادلة السلطة في لبنان. ويرفض القول إن الجيش اللبناني يفتقر إلى القدرة على تنفيذ حصرية السلاح، معتبراً أن لديه العدد والشرعية والإمكانات والتحالفات اللازمة، وأن المشكلة الأساسية تكمن في غياب القرار السياسي الواضح.

ويحذر حمادة من أن استمرار المراوحة قد يجعل العودة إلى التصعيد في الجنوب أكثر احتمالاً، وصولاً إلى إعطاء إسرائيل أو التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب هامشاً أوسع للتحرُّك، معرباً عن خشيته من أن ينتهي الأمر إلى استنساخ نموذج غزة في لبنان، بحيث يتحوَّل «اتفاق الإطار» من فرصة للتفاوض إلى فرصة ضائعة، ويُدخل البلد في مسار عسكري أكثر خطورة إذا لم تحسم الدولة قرارها في مسألة السلاح. وهنا نص الحوار.

○ برأيك، هل تمَّ فصل لبنان عن مسار إسلام أباد من خلال مسار واشنطن أم أن الأخير هو لملء الوقت الضائع؟

• عندما شاءت واشنطن فصل مسار لبنان عن إيران، لم يكن المقصود نفي العلاقة العضوية التي تربط «حزب الله» بإيران والحرس الثوري، ولا نكران أن لإيران نفوذاً في لبنان، ولكن للقول إن الولايات المتحدة تريد تسوية في الشرق الأوسط بحيث لا تبقى إيران طرفاً مؤثراً في مرحلة ما بعد المفاوضات. لقد تحملنا في لبنان إصرار إيران على ربط مسار إسلام أباد ببيروت وإصرار «الحزب» على الاستمرار في الاشتباكات فدفعنا أثماناً كبيرة. هنا يبرز ما تريده الولايات المتحدة من تعويم لدور الدولة اللبنانية، بمعنى أنه إذا أردنا التفاوض مع لبنان فنحن نريد التفاوض مع الدولة اللبنانية ولا نريد التفاوض لا مع إيران ولا مع «حزب الله».

○ »حزب الله» يعلن رفضه لـ«اتفاق الإطار» الموقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، لكن هذا الرفض لم يُترجم بعد على الأرض، ما هو موقفه الفعلي؟

• يعتبر «حزب الله» أن «اتفاق الإطار» اللبناني-الإسرائيلي هو خروج عن كل المألوف والموروث الذي كانت فيه الدولة اللبنانية أسيرة معادلة «جيش، شعب، مقاومة» لذلك هو يرفض هذا الاتفاق جملة وتفصيلاً وما ينصّ عليه من مناطق تجريبية خالية من أي بنية تحتية عسكرية لـ«الحزب»، لأنها المقدمة لتجريده من سلاحه. ثم ليس «الحزب» بلسان أمينه العام نعيم قاسم وحده مَن يرفض مسار واشنطن، إنما أيضاً الرئيس نبيه بري الذي قال أكثر من مرة إن مصلحتنا أن نكون جزءاً من التفاوض الإيراني-الأمريكي. الرئيس بري، لا بوصفه رئيساً لحركة أمل، بل من موقعه الدستوري كرئيس لمجلس النواب، يخرج عن الأصول الدستورية ويتكلم من دون أن يُراجع المجلس النيابي ليتخذ قراراً بهذا الموضوع، ويُطلق مواقف شخصية بأن التفاوض اللبناني يجب أن يُلغى ويجب أن نكون جزءاً من التفاوض الأمريكي-الإيراني، وبالتالي فإن الرئيس بري يُشكّل ثغرة كبيرة في تماسك القرار السياسي اللبناني، وما يجعل الموقف أكثر إحراجاً أن رئيس الجمهورية لا يبدي موقفاً واضحاً وصارماً تجاه ما يقوله بري، بل على العكس، فبينهما مساحة مشتركة هي تجاهل حصرية السلاح. وفي مكان ما، تشعر غالبية اللبنانيين بأن رئيس الحكومة نواف سلام يحاول أن تكون الدولة اللبنانية في موقع مَن يريد استعادة السيادة، أي أن يكون السلاح محصوراً بالأجهزة الشرعية اللبنانية في حين أن رئيس الجمهورية يبدو بعيداً عن هذا الموقف.

منذ عشاء السفارة اللبنانية في واشنطن، افترق الرئيس عون عن كل مواقفه السابقة، وبالتالي أعطى مساحة للرئيس بري لكي يبقى ملتزماً بموقفه. ما قاله الرئيس عون لترامب عن بري لم يكن حقيقياً، وتعرفه الإدارة الأمريكية، لأن الرئيس بري لم ينتقل إلى موقع الرئيس عون، بل على العكس أصبح الرئيس عون في موقع الاصطفاف خلف الرئيس بري، هذا ما أدى إلى عدم حضور جوزيف كليرفيلد أو قائد القيادة المركزية الأمريكية إلى لبنان، وإلى عدم حضور الموفد السعودي يزيد بن فرحان تعقيباً على الاتصال الذي جرى من البيت الأبيض بين الرئيس عون وولي العهد السعودي، ما أدى إلى إفشال مفاوضات روما، وهذا يشي بأن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الرئيس عون على أنه لم يلتزم بما وعد به. وبالتالي نحن دخلنا في هذه المرحلة من الفراغ، إذ لا يمكن التفاوض مع دولة لا تلتزم بما تقوله.

عندما يجتمع الرئيس عون مع رئيس الولايات المتحدة، الدولة الكبرى التي تمتلك كل هذه الأوراق من المتوسط إلى البحر الأحمر إلى بحر العرب إلى الخليج العربي وصولاً إلى كل ما يمتّ إلى المنطقة بمسألة الطاقة ومسألة الممرات المائية ونتخذ موقفاً وكأننا نريد محاباة الرئيس الأمريكي، في حين نتغاضى عنه أو نلتف حوله عند التنفيذ، ألا يُستدل من ذلك على عدم نضج وعدم تقدير لمخاطر هذه الازدواجية في المواقف؟ أليس ما نعيشه هو عزلة مفروضة على لبنان بسبب هذه الازدواجية؟

○ تقصد التناقض بين موقف الرئيس في البيت الأبيض وخطابه في عشاء السفارة اللبنانية في واشنطن؟

• نعم، «اتفاق الإطار» يقوم على مسألتين: انسحاب أو إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي خارج الحدود اللبنانية، وهذا ما التزمت به الإدارة الأمريكية، والتزم لبنان بحصرية السلاح وبعدم وجود أي بنية تحتية عسكرية في لبنان كله لأي تنظيم مسلح وعلى رأسهم «حزب الله»، وهذا الموقف تبنّاه رئيس الجمهورية في الاجتماع المغلق مع ترامب كما جاهر به خلال المؤتمر المشترك أمام الإعلام.

منذ عشاء السفارة وحتّى اليوم، يستمر الانقلاب. ففي ذلك العشاء، تحدَّث رئيس الجمهورية عن السيادة والدولة حيث الجميع يؤيدون ذلك، ولكنه قال في الوقت نفسه عن «حزب الله» إنهم لبنانيون وليسوا مرتزقة، وإذا كنا نريد أن ننزع سلاح «الحزب» فيجب أن نلغي الأسباب التي أدت إلى هذا السلاح، أي الاحتلال الإسرائيلي. إذاً يجب أن يزول الاحتلال الإسرائيلي لكي يُسلِّم «الحزب» سلاحه، وفي هذا الموقف انقلاب على «اتفاق الإطار» الذي قال بعملية مرحلية متسلسلة، بمعنى مناطق تجريبية تُخليها إسرائيل فيدخلها الجيش وينظّف البنية التحتية لـ«الحزب» ويفرض سلطته، ولذلك تشكلت «الميكانيزم» بقيادة كليرفلد لوضع آلية التحقق من أن إسرائيل انسحبت وأن الجيش اللبناني، حيث انتشر، طبّق ما يجب أن يطبّقه. خطاب السفارة يتناغم مع منطق «الحزب» الذي يقول إن على إسرائيل أن تنسحب ثمَّ نناقش مع الدولة اللبنانية الاستراتيجية الدفاعية. «حزب الله» لا يريد أن يقتنع بأنه ليس شريكاً للدولة اللبنانية بل هو حزب سياسي في الدولة ولا يمكنه فرض أي معادلة، وهو ليس أكثر وزناً من أي طرف سياسي آخر. عون يتكلم عن سلاح «حزب الله» وكأنه سلاح لبناني وليس سلاحاً يُدار من إيران.

○ ما الذي حصل حتّى بدَّل الرئيس عون موقفه؟

• الرئيس عون، والذي كان قائداً للجيش، لم يُبدل موقفه. هو رفض بعد انتخابه أن يُطرح سلاح «حزب الله» في مجلس الوزراء تطبيقاً لاتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 ثمَّ بعد الضغوط الداخلية والدولية اتخذت الحكومة قراراً بنزع السلاح في 5 آب/اغسطس وأعطت الجيش اللبناني مهلة حتّى نهاية العام، لكن الذي جرى أن الحكومة ادّعت، وفقاً لما أفاد به الجيش، أنه تمت السيطرة على جنوب الليطاني ليتبين في 2 آذار/مارس أن السلاح ما زال موجوداً، وأن «حزب الله» ما زال موجوداً، وهو قادر على القيام بعمليات عسكرية. وهذا يعني أن الرئيس عون يريد تطبيق استراتيجية بري و«حزب الله»، أي نوقّع الاتفاق ثمَّ نسوِّف في التنفيذ ونحاول الاستفادة من الحلفاء الأوروبيين أو غيرهم، أو ربما تتغيَّر المعادلات بين إيران والولايات المتحدة ونذهب إلى إعادة إنتاج حالة «حزب الله» مرة جديدة كما حصل في القرار 1701.

الذي جرى بعد حرب الإسناد الثانية أن إسرائيل وسَّعت دائرة العدوان فدمَّرت القرى واجتازت الليطاني. عندها طرح عون مسألة المفاوضات المباشرة وعندما استجابت الحكومة الأمريكية لطرحه اليوم عاد ليدخلنا مع الرئيس بري في الدائرة المقفلة نفسها.

○ ماذا سيكون مستقبل مفاوضات روما؟

• وفقاً للمعطيات الحالية، قد تكون الجولة التي انتهت الخميس الماضي هي الأخيرة إلى أن يستجد أمر ما، فهي لم تكن سوى محاولات للتعمية. لقد ناقشوا، كما قرأنا، مسألة الحدود وهذا أمر لا خلاف عليه، فنحن رسَّمنا الحدود عام 2000 وفقاً لاتفاقية الهدنة، وعدنا ورسَّمناها مرة ثانية في العام 2006 أو بالأحرى حددناها، فهي أساساً موجودة في اتفاقية الهدنة، ولم تكن هناك ضرورة لذكرها من جديد. ما جرى كان عملية «تعبئة للمشهد». الخلاف يتمحور حول معايير التحقّق من تنفيذ «اتفاق الإطار» سواء من قبل الجيش اللبناني أو من قبل إسرائيل، وما تطلبه الولايات المتحدة نيابة عن الشعب اللبناني هو كيف ستتعاملون مع سلاح «حزب الله»؟ وإذا لم يكن لدى الدولة اللبنانية جواب فهذا معناه أن التفاوض لن يُستأنف.

○ ومَن هي الدولة التي تتوقع أن تقوم بعملية التحقق؟

• المهم بالموضوع هي الإجراءات التي ستطبّق وليس مَن سينفذها، لأن كليرفيلد هو رئيس هذا الفريق (الميكانيزم)، وبالتالي إذا جاء الإيطالي فلن ينفّذ إلا السياسة والمعايير الأمريكية. دعينا من الالتفاف على الموضوع، فالعقدة عند لبنان. عندما يقول السفير الأمريكي لدى لقائه الرئيس عون قبل اجتماع روما بيوم إن هناك الكثير من العمل التقني الذي يجب إنجازه، هذا معناه بالمفهوم الدبلوماسي أن آليات التحقق وآليات التنفيذ غير مطابقة للمواصفات. قرأنا في الإعلام أن لبنان سيذهب بمطالب طموحة، وهي الانسحاب من بنت جبيل والخيام المدينتين العزيزتين على كل لبنان، ويجب أن تنسحب إسرائيل منهما. لكن السؤال: هل نحن بصدد مواقف عاطفية، أم نحن بصدد مفاوضات مضنية بسبب وجود احتلال ناتج عن هزيمة نكراء أُلحقت بـ«حزب الله» ويتحمَّل لبنان اليوم مسؤوليتها؟ هذا هو الواقع العملاني. إذن لماذا تقوم إسرائيل بتقديم هاتين المدينتين هدية للبنان؟ وكأنها تقول إنكم نجحتم ونحن انسحبنا مقابل لا شيء. دعينا نعترف بأنه على الدولة أن تكون جادة ومسؤولة في مسألة نزع سلاح «الحزب» ليس فقط في جنوب الليطاني بل في شماله وفي كل لبنان أيضاً.

برأيي لن يكون لفرنسا أي دور، إنما الدور الأكبر هو للولايات المتحدة، وإذا كانت هناك مساهمات من دول أخرى فهي ليست لأنها شريكة في القرار بل لأنها أداة تنفيذية للقرار الذي اتّخذ وهو نزع سلاح «حزب الله».

○ هل الجيش اللبناني، بإمكاناته المتواضعة، قادر على القيام بهذه المهمة عسكريا؟ أم أن حصر السلاح يجب أن يتم عبر السياسة؟ وهل المنطقة الرمادية الموجود فيها الرئيس عون ناجمة عن قناعته بعدم استطاعة الجيش القيام بهذه المهمة، أم عن رغبة بتقطيع الوقت؟

• • سأشرح الموضوع على الطريقة اللبنانية. كلنا نعرف أن سلاح «الحزب» هو جزء من معادلة إقليمية، ولكن لهذه المعادلة إسقاطات على المعادلة الداخلية في لبنان، بدليل أننا منذ العام 2006 وحتى اليوم لا نُشكِّل حكومة ولا نختار رئيساً ولا نُجري انتخابات ولا نقوم بتعيينات إلا وفق ما يريده «حزب الله». إذاً عملية حصر التحالفات القائمة بين «الحزب» وأطراف داخلية لا تقتصر على مسألة دوره كحزب مسلح موجود بالجنوب اللبناني، أو يعمل لدى إيران. هو دور لصياغة السلطة في لبنان ولاقتسام المكاسب السياسية وهو دور مارسه «الحزب» منذ 2006 وحتى اليوم. وهو قادر على القبض على الأمن والسياسة والاقتصاد وعلى المصارف، إذاً هذا الموقف يستند إلى هذا التلاحم في المصالح. يدرك الجميع أنه بلا سلاح ليس بالإمكان فرض معادلة سياسية في الداخل وتركيب حكومات وانتخاب رئيس للجمهورية وتثبيت قوانين انتخابية مثلما كان يحدث. هذا ما يُعيق تطبيق «اتفاق الإطار». الدولة لن تذهب إلى نزع سلاح «الحزب» لأن لا نيّة لديها لفعل ذلك حفاظاً على المعادلة التي ذكرتها.

دعينا نبني حقل المواجهة، إذا قُيِّد للبنان أو فُرض عليه نزع هذا السلاح أو اقتنع بنزعه، ما الوسائل التي تمتلكها الدولة اللبنانية على الأصعدة العسكرية والشرعية والقانونية والشعبية مقارنة مع ما يمتلكه «الحزب»؟ لا يمكن أن نقارن إمكانات «حزب الله» بما تملكه الدولة من إمكانات، فهي لديها قوات شرعية عددها يفوق عديد «الحزب»، وتجهيزها يفوق تجهيزه، ولديها المشروعية القانونية والإرادة الوطنية، ولديها التحالفات الإقليمية والدولية ومصلحة اللبنانيين، وقبل كل ذلك، لديها الدستور الذي أقسم عليه رئيس الجمهورية.

○ هذا يعني أن على الدولة أن تحسم خيار نزع السلاح عسكرياً إذا لم تستطع نزعه عبر السياسة؟

• على الدولة أن تتخلص من هذه الورطة التي هي فيها، أي شبكة المصالح والفساد والودائع والكهرباء والمساومات الإقليمية الواضحة وضوح الشَّمس. أنا دائماً أتساءل: لماذا يجب أن تكون العلاقة مع سوريا بهذه الرداءة؟ هذا يعني أننا ما زلنا أسرى لنظام بشار الأسد، وأسرى للحرس الثوري الإيراني. بشار هرب إلى موسكو وما زالت رموزه تحكم لبنان. أعود وأقول: الجيش اللبناني قاتل الدولة السنيّة الأصولية في نهر البارد، في الوقت الذي كان «حزب الله» في «عزّه» وكان النظام السوري يريد إقامة إمارة إسلامية في الشمال، لماذا لم ينقلب السنّة على الدولة؟ هل الشيعة هم أكثر شجاعة بالانقلاب على الدولة؟ لا، بل لأن رئيس الحكومة، في حينه، فؤاد السنيورة، اتخذ قراراً واضحاً وأعطى أمراً واضحاً كرئيس للحكومة للجيش اللبناني: مهمتك أن تُسقط مشروع (الدولة الإسلامية) وهذا ما حصل. لماذا نجح الجيش بإخراج تنظيم «داعش» من جرود عرسال؟ لأنه كان هناك قرار لبناني وقرار أمريكي بإخراجهم في الوقت الذي عجز فيه «الحزب» عن إخراجهم من الجرود. لقد خرجوا من الجرود باتجاه الأراضي السورية بباصات مكيّفة، وهذا دليل على العلاقة بين كل هذه الميليشيات الإرهابية، إذاً لا أحد يُبرِّر الأمر بعدم وجود إمكانات.

على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن لا يبحثا عن طريقة لمهادنة سلاح غير شرعي، بل عن كيفية حماية اللبنانيين في الشمال والبقاع والمتن وكسروان وعاليه والشوف وفي الجنوب الذي قُتل أهله وتشرَّدوا من أجل مشروع لا وزن له في الداخل، ولكن له وزن إقليمي فقط. الدولة تتعامل مع هذا السلاح من موقع الشراكة التي ستُدخل لبنان في المجهول.

○ ما تقوله يحتاج إلى رئيس جمهورية وسلطة سياسية آتية من كوكب آخر؟

• ما أقوله بحاجة إلى رئيس جمهورية آتٍ من لبنان وليس من إيران، وغير معني بمساومات مع بقايا بشار، ولا يرتبط بمصالح مشتركة تارة في الكهرباء والجمارك وتارة أخرى في السكانر والفيول والودائع في المصارف، هذا الأمر بحاجة إلى مواطن لبناني يريد أن يجعل من لبنان وطناً للبنانيين.

○ هذا الأمر بحاجة إلى سلطة سياسية كاملة؟

• تمَّ إقصاء هذا التوجُّه الكبير في لبنان بعد الحرب بتشكيل هذه الحكومة، التي اكتشف رئيسها نواف سلام أنها حكومة ملغومة وُضعت بين يديه، وأن ثلاثة أرباع الوزراء ملغومون، وهناك فرقاء سياسيون يمارسون المواربة. الحكومات لا تتشكَّل بهذا الأسلوب.

○ نحن أمام موازين قوى داخلية لا تسمح بإنتاج سلطة مختلفة عن السلطة الحالية؟

• غير صحيح. أريد أن أسأل: ماذا تغيَّر في موازين القوى، قبل الحرب وبعدها، لكي يأتي نواف سلام رئيساً للحكومة؟ لقد تغيَّرت أمور إقليمية كثيرة، أخذناها نحن إلى سلّة المهملات. نواف سلام أتى رئيساً للحكومة رغماً عن بري و«حزب الله» ونجيب ميقاتي وعن «التيار الوطني الحر»، أتى رغماً عنهم، لماذا؟ لأنه كانت هناك ظروف دولية ودعم شعبي لبناني لوصوله، ولكن ما حصل داخل الحكومة هو أن جزءاً كبيراً منها، للأسف، كان مُقنَّعاً من قبل الطرف السياسي الذي طرحه.

لماذا لا تسير الأمور اليوم على خير ما يرام؟ لأن الوزن الداخلي للسلطة السياسية لا يُقاس بمقدار ما تتمتع به من شعبية، بل بمقدار ما ترتبط به من عصابات. اليوم إذا كان أهل الشمال بأجمعهم يريدون الدولة ولا يريدون السلاح، وإذا كان أهل كسروان وجبيل والمتن الشمالي والشوف وعاليه وكل أهل البقاع الغربي لا يريدون هذا السلاح، إذاً لماذا نُبقي عليه؟ من أجل دولة عميقة، دولة مصالح، لا تمثل اللبنانيين. لا يجب أن نتكلم عن اقتتال داخلي، هذا أمر لن يحصل في لبنان، لأن هذه العصابات ستنكفئ أمام قرار وطني يأخذ بعين الاعتبار مصلحة لبنان. لا أحد سوف يغتال نعيم قاسم ولا أحد سوف يغتال الطائفة الشيعية، فكل اللبنانيين متساوون في الحقوق والواجبات كما يقول الدستور.

○ لكن أهل هذه المناطق عند الانتخابات التشريعية المقبلة، سوف ينتخبون الطبقة السياسية نفسها؟

• هذا الأمر أيضاً غير صحيح، لأن الطبقة السياسية التي تتكلمين عنها، والتي كانت قائمة، والتي مُنحنا فرصة لإزالتها، وأزلنا جزءاً كبيراً منها، هذه الطبقة كانت تتلاعب بنتائج الانتخابات وتديرها وفق قانون مزوَّر يُراعي مصالحها. هذه المرة يجب أن تُجرى الانتخابات لأن المتغيّر الإقليمي أفرز وضعاً سياسياً جديداً، ولن يستطيع مجلس نيابي قام على معادلات سابقة أن يُنتج سلطة سياسية فاعلة، وبالتالي يجب أن تُجرى الانتخابات كمقدمة للتغيير السياسي.

○ هل تخشى عودة التصعيد العسكري في الجنوب ولا سيما بعد عملية مجدل زون؟

• طبعاً. هناك نموذج يُطبَّق في غزة (مجلس السلام)، هذا المجلس تمَّ إحياؤه فجأة من قبل الرئيس ترامب ووافقت حركة حماس بموجبه على تسليم سلاحها، وأُعلن أنه سيتم تخزين السلاح والإشراف عليه من قبل سلطة جديدة. هذا المجلس الذي يرأسه ترامب وينوب عنه طوني بلير هو الذي سيقوم بهذه الإجراءات. رأسمال هذا المجلس أنه قام على تدمير غزة بشكل كامل وإيصال أهل غزة إلى هذا الوضع المأسوي نتيجة تعنّت حركة حماس بمسألة التفاوض وعدم تسليم السلاح. ما أخشاه هو أن تُطلق الولايات المتحدة يد إسرائيل بشكل أو بآخر، أو يد التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب لأن كثيراً من دول أوروبا والدول العربية والولايات المتحدة يصنفون «حزب الله» بأنه إرهابي، فتصبح إسرائيل طليقة اليدين في التدمير، وبالتالي نذهب إلى استنساخ نموذج لـ«مجلس السلام» في لبنان. ساعتئذ يصبح «اتفاق الإطار» فرصة إضافية ضائعة.

حاورته: رلى موفّق