بينما كان بنيامين نتنياهو منشغلاً هذا الأسبوع بمعاركه داخل الليكود وترتيب مواقع خصومه في الانتخابات التمهيدية، كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق قراءة إسرائيلية لافتة، ترسم مساراتها الخاصة في الشرق الأوسط من دون انتظار موافقة تل أبيب، من التواصل العلني مع قيادة حماس إلى التقارب مع رجب طيب أردوغان وأحمد الشرع، مروراً بتفاهمات مع الحوثيين وحزب الله، في مشهد وصفه الدكتور نحمان شاي بأن نتنياهو بات فيه مضطراً إلى «ابتلاع الضفادع» التي يضعها أمامه ترامب.
وفي مقال للدكتور نحمان شاي في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، استعاد الكاتب قصة "الضفدع في المياه الساخنة" لوصف المسار الذي آلت إليه علاقة نتنياهو بترامب، قائلاً إن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان منشغلاً هذا الأسبوع بخوض «حرب ضروس» ضد نير بركات وتالي غوتليف ودافيد بيتان.
وأشار إلى أنه وفق تقارير مختلفة، نجح نتنياهو بالفعل في إبعاد الثلاثة إلى مواقع متأخرة في قائمة الليكود، فيما كان الجيش الإسرائيلي يتحرك بالتوازي في غزة ولبنان وسوريا.
لكن شاي اعتبر أن حدثاً أكثر أهمية كان يجري في الوقت نفسه «تحت أنف نتنياهو»، بعدما عقد جاريد كوشنر، المبعوث الأميركي وصهر الرئيس دونالد ترامب، لقاءً علنياً ومباشراً مع القيادي في حماس خليل الحية.
وقال الكاتب إن الولايات المتحدة باتت تدير بصورة رسمية وموافق عليها مفاوضات مع رئيس منظمة تصنفها الإدارة الأميركية «إرهابية»، مشيراً إلى أن هذا المسار مستمر منذ فترة طويلة منذ تسلم إدارة ترامب مهامها، فيما «تقف إسرائيل وتتفرج من الجانب».
وقارن شاي ذلك بما جرى قبل أكثر من عامين، حين كان عشرات الأسرى الإسرائيليين محتجزين لدى حماس، وكانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن تحاول العمل على إطلاقهم.
وأوضح أن ممثلي إدارة بايدن تحركوا في أنحاء الشرق الأوسط بحثاً عن مخرج، لكن شركاءهم اقتصروا على ممثلين رسميين لدول بينها الكويت ومصر ممن كانت لهم قدرة على التأثير في حماس.
وأضاف أن إدارة بايدن امتنعت آنذاك عن عقد لقاءات مع عناصر تصنفهم الولايات المتحدة «إرهابيين»، التزاماً بسياسة أميركية طويلة الأمد تقوم على عدم التفاوض مع المنظمات المصنفة «إرهابية».
وأشار شاي إلى أن إسرائيل تابعت آنذاك تنفيذ هذه السياسة باهتمام كبير، لأنها كانت تخشى أي تفاوض من هذا النوع ما لم تتراجع تلك التنظيمات عن نهجها، مضيفاً: «لا أذكر أنني سمعت أن حماس تراجعت عنه».
وتابع أن إسرائيل، أو نتنياهو بصورة أدق، لم يعد يكن الود لجو بايدن، معتبراً أن صداقتهما الطويلة التي خدمته سنوات عديدة كانت قد استنفدت نفسها.
ولذلك، عندما فاز دونالد ترامب بالانتخابات، «قفز نتنياهو إلى ذراعيه واحتفل بانتصاره»، بحسب شاي.
ولفت إلى أن ترامب لم يوافق على مسامحة نتنياهو إلا بعد فترة، إذ بقي يتذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان من الذين هنأوا بايدن بفوزه في الانتخابات التي شكك ترامب في شرعيتها.
لكن ترامب، وفق شاي، وفي نسخته الجديدة بعد انتخابه مرة ثانية، بدأ يسير في مسارات الشرق الأوسط ويعثر على أصدقاء جدد.
وأشار الكاتب إلى أن ترامب عاد من إحدى رحلاته بطائرة رئاسية جديدة كهدية من «الأصدقاء في قطر»، كما وجد في السعودية والإمارات وسوريا وتركيا زعماء جدداً، «ويبدو أيضاً أصدقاء جدداً».
وأضاف ساخراً: «يا لها من علاقة رائعة مع الشرع في سوريا، ناهيك عن العناق الدائم مع أردوغان».
واعتبر شاي أن ترامب كان أول من «ألقى نتنياهو في الماء وبدأ بتسخينه ببطء»، لتبدأ «الضفدعة» بالشعور بعدم الارتياح.
وأوضح أن ترامب انضم بالفعل إلى القتال ضد إيران وتبنى فكرة وصفها الكاتب بـ«المجنونة» تقوم على تغيير النظام في هذه الدولة الضخمة بواسطة إسرائيل والولايات المتحدة، لكنه سرعان ما أعاد النظر في موقفه وبدأ بتوجيه التعليمات إلى إسرائيل بشأن كيفية التصرف، «دائماً في اللحظة الأخيرة ومن دون تفسير أو تبرير».
واستعاد الكاتب ما وصفه بـ«المشهد المحرج» لاتصال الاعتذار الذي أجراه نتنياهو مع زعيم قطر بعد الهجوم هناك.
وأضاف أن ترامب توصل لاحقاً إلى تفاهمات هادئة مع الحوثيين في اليمن وأوقف الهجمات هناك، كما توصل إلى تفاهمات مع حزب الله في لبنان وأوقف الهجوم الإسرائيلي.
وأشار أيضاً إلى أن ترامب اتفق على خطة من 20 نقطة بشأن غزة من دون التشاور مع إسرائيل.
وأضاف أنه «يُحسب له» أنه توصل كذلك إلى اتفاق لإعادة الأسرى، ومن دون التشاور أيضاً مع نتنياهو.
وقال شاي إن «حرارة المياه ترتفع أكثر فأكثر، وضفدعتنا تشعر بأنها ساخنة لكنها لا تقفز من الماء».
وأضاف أنها تنتظر ربما أن تبرد المياه، لكن العكس هو ما يحدث، لتصبح حياتها أكثر صعوبة فيما لا تجد جهة يمكنها اللجوء إليها.
وتساءل الكاتب عما إذا كان البديل أمام نتنياهو هو الحزب الديمقراطي، قبل أن يشير إلى أن الحزب نفسه تغيّر خلال الفترة الماضية وبات في تركيبته الحالية يبتعد بخطوات كبيرة عن إسرائيل.
وقال إن الرأي العام، بما في ذلك وسائل الإعلام، أصبح ضد إسرائيل، بينما لا يزال مجلسا الكونغرس تحت سيطرة ترامب، رغم أنه يواجه صعوبة في تمرير القرارات فيهما.
واعتبر شاي أن نتنياهو، لو لم يقطع بيديه علاقاته مع الحزب الديمقراطي، لكان بإمكانه البحث فيه عن مخرج، لكنه لم يفعل.
وذهب إلى القول إن حتى الجالية اليهودية، التي وصفها بأنها «الحاجز الأخير أمام المساس بإسرائيل»، لم تعد تقف بأكملها إلى جانب نتنياهو.
وأضاف أن نتنياهو لم يعد يعقد لقاءات معها لأنه يخشى ذلك، إذ يعرض عليه أفراد منها صور الدمار في غزة و«انفلات الإرهابيين اليهود في الضفة الغربية»، ويسألونه: «هل هذه دولة إسرائيل؟ دولة اليهود؟ هل هذه رؤية الأنبياء؟».
وبالتوازي مع الصعوبات مع الولايات المتحدة، أشار شاي إلى أن إسرائيل دخلت في مواجهات مع عدد من الدول الأوروبية.
وقال إن الأمر لا يقتصر على دول وصفها بأنها «معتادة على الكوارث» مثل إسبانيا وإيرلندا، بل امتد أيضاً إلى فرنسا وبريطانيا.
وشدد على أن دول أوروبا لا يمكن أن تكون بديلاً من الولايات المتحدة «بأي حال من الأحوال»، معتبراً أنها تدير ظهرها لإسرائيل.
وأشار إلى أن ألمانيا وحدها ما زالت إلى جانب إسرائيل مع بعض التحفظات، وإلى أنه بعد «سقوط المجر»، لم يبقَ سوى تشيكيا، معتبراً أن هذه الدول قادرة على إحباط قرارات للاتحاد الأوروبي، «وأحياناً لمصلحة إسرائيل».
ورأى شاي أن الأسبوع الحالي هو «أسبوع جاريد كوشنر»، الذي وصل بهدف إحياء خطة الـ15 نقطة، والتي وصفها بأنها «خطة سيئة جداً فُرضت على إسرائيل» لمعالجة الصراع الدموي بين إسرائيل وغزة.
وقال إن الإدارة الأميركية لم تعد تتشاور مع إسرائيل ولم تعد تطلب موافقتها.
وأضاف أنه إذا رأت الإدارة أن الحديث مع قائد في حماس، التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة «إرهابية»، يمكن أن يساعدها، فإنها ستلتقيه رغم اعتراض إسرائيل.
لكنه أضاف أن الأمر ليس تماماً كذلك، لأن إسرائيل ربما تعترض، لكنها تحتفظ بهذا الاعتراض لنفسها، «فهي لن تجرؤ على الاصطدام بالرئيس. هو يعرف ذلك ونحن نعرف ذلك».
وعاد شاي إلى استعارة الضفدع قائلاً إن المياه باتت «شديدة الحرارة».
وفي المقابل، اعتبر أن جو بايدن، عند النظر إلى الأحداث من مسافة زمنية، يظهر بوصفه أحد أكبر أصدقاء إسرائيل.
وأشار إلى أنه كان صاحب عبارة «Don't» التاريخية التي قال إنها ردعت، في اليوم الكارثي من تشرين الأول، كل دولة وكل تنظيم في المنطقة كان يفكر في مهاجمة إسرائيل وإلحاق الأذى بها في واحدة من أصعب لحظات تاريخها.
ورأى شاي أن بايدن وإدارته «يستحقان اعتذاراً»، لأنهما لم ينكسرا في 7 تشرين الأول ولم يتخليا عن إسرائيل، وبقيا أوفياء للسياسة الأميركية طويلة الأمد التي تقوم، بحسب تعبيره، على أن «الإرهابيين لا نتحدث معهم، بل نحاربهم فقط».
وفي المقابل، اعتبر أن ترامب «لا يملك مكابح»، وبالتأكيد ليس في ما يتعلق بإسرائيل، التي قال إنها لا تزال تراهن على فكرة أن الولايات المتحدة «ستنجز العمل بالنيابة عنها» وستتمكن من إحباط نيات إيران في تطوير سلاح نووي.
وأضاف أن «ضفدعتنا ماتت منذ زمن في المياه المغلية»، وهي تفكر في لحظاتها الأخيرة في متى ولماذا لم تدرك ضرورة الحفاظ على استقلاليتها والبحث عن الشرعية والحفاظ على الدعم من الحزبين في الولايات المتحدة.
وقال: «لقد أخطأت، لكنها اكتشفت ذلك في الأيام الأخيرة. بعد فوات الأوان».
وختم شاي بمفارقة حول «ابتلاع الضفادع»، قائلاً إن نتنياهو لا يلتزم بقواعد الطعام اليهودية، وهذا من حقه، وإن منازله الرسمية تسير وفق تعليمات الحاخامية، لكنه في حياته الخاصة يتناول أحياناً الطعام في مطاعم لا يزورها مراقب الالتزام الديني، مضيفاً: «هذا من حقه».
لكنه تابع أن نتنياهو نفسه لم يتوقع أن يقوم ترامب بـ«إطعامه الضفادع»، معتبراً أنه كان يفضّل على الأقل اختيارها بنفسه، إلا أنه «لن يفعل شيئاً».
وختم بالقول إن نتنياهو، سواء أراد أم لم يرد، يجد نفسه أمام حقيقة واحدة: «ترامب هو السند الأخير لإسرائيل في واشنطن».
والكاتب نحمان شاي هو عميد «هيبرو يونيون كوليدج» في القدس ووزير شؤون الشتات الإسرائيلي السابق والناطق السابق باسم الجيش الإسرائيلي، فيما تعكس قراءته حجم التحول الذي يراه في علاقة نتنياهو بواشنطن، حيث لم يعد السؤال، وفق طرحه، عمّا إذا كانت إسرائيل تعترض على خطوات ترامب بل عمّا إذا كانت قادرة أساساً على قول «لا» له.
